
تحرّر السوريون من نظام الإجرام الأسدي بعد 54 عاماً، وكانت شمس يوم 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024 تعانق للمرّة الأولى ربوع البلاد السورية وهي خالية من آل الأسد، إلّا أن نشوة النصر، التي لا يزال السوريون يعبّون من عبقها، كانت ممزوجة بهواجس عديدة.
ربّما مبعث ذلك أن جميع ما حدث كان مباغتاً، بل بعيداً جدّاً من التوقّعات والتحليلات التي اعتاد الناس سماعها منذ 13 سنة، وربّما أيضاً ما فاقم تلك الهواجس غياب الجسور الإعلامية الرسمية، بين القيادة الجديدة والجمهور، الذي راح يستقي معظم الأخبار والمستجدّات اليومية من الإعلام الخارجي، ومن وسائل التواصل الاجتماعي، التي غالباً ما تسهم في التشويش. ومع الإقرار بجانب كبير من مشروعية تلك الهواجس لدى الجمهور العام، إلّا أن استمرارها، بل استمراء العامّة لها، بات يُفضي إلى مراكمة طبقةٍ من الوعي لا ترتقي إلى عظمة اللحظة التاريخية للمنجز السوري العظيم. ومن هنا، يمكن القول إن الخطاب الذي وجّهه الرئيس الجديد للبلاد أحمد الشرع، في مساء 30 يناير/ كانون الثاني 2025، بعد مرور 54 يوماً من تحرير البلاد، جاء ليجسّد حالةً جديدةً يمكن أن تكون امتداداً لمشاعر السوريين الأولى ليوم التحرير، إذ حمل هذا الخطاب المقتضب تكثيفاً شديداً لما ينتظره الناس، بعيداً عن الاسترسال والإنشاء، في حالة مفارقة بالمطلق لما اعتاد عليه السوريون حين كانوا يُجلَدون بالاستماع إلى خطابات رأس النظام المخلوع وبهلوانياته، التي لا تثير إلا السخرية والقرف.
في خطاب الشرع خريطة طريق شديدة التكثيف لكنّها شديدة الوضوح أيضاً
ما يمكن تأكيده أن ثمّة منجزات سورية كانت ملازمة لعملية التحرير، ففي 8 ديسمبر (2024) تحقّق ما يلي: أولاً، اقتلاع نظام الأسد من جذوره، وهذا مطمح كان دونه خرط القتاد، نظراً إلى حالة الاستعصاء السياسي التي تكرّست بفعل التدخّلات الدولية، والدعم الذي لاقاه حاكم دمشق الهارب من حلفائه الروس والإيرانيين، إلى درجة دفعت معظم الأطراف الإقليمية والدولية، بل ربّما بعض القوى المحلّية أيضاً، إلى التفكير بإعادة التصالح مع النظام أو احتوائه، باعتبار بقائه بات أمراً واقعاً، ثم جاءت اللحظة التي شهد فيها الشعب السوري أن هذا النظام، الذي كان يحسبه كثيرون حديدياً، بات شديد الهشاشة أمام ضربات أبناء سورية، وسرعان ما تناثر كومةً من قشٍّ تذروها الرياح.
ثانياً، تحرير كامل التراب السوري، بطريقة تتسم بمزيد من السلاسة وبقليل من الدماء، لهو منجز عظيم، فضلاً عن سلوك الفصائل العسكرية المّتسم بكثير من المسؤولية، ويستلهم مرجعية أخلاقية وإنسانية شديدة الرقي، ولعلّ حرص المقاتلين السوريين على حضور البعد الإنساني في عملية التحرير كان له أكبر الأثر في طمأنة العديد من شرائح الشعب السوري ذات الأعراق والأديان المتعدّدة، الأمر الذي يجعل من قدرة السوريين واستعدادهم الكبير للتعايش أمرين قائمين بالفعل، وليس ضرباً من المثالية، كما يقول بعضهم.
ثالثاً، منذ تدخّلَ الروس عسكرياً في جانب نظام الأسد (30 سبتمبر/ أيلول 2015)، ومكّنوا حليفهم الأسدي من استعادة ما كان فقده من الجغرافيا السورية، وموازاةً مع حالة الانسداد السياسي وعزوف الاهتمام الدولي عن القضية السورية، بات الحديث عن تقسيم البلاد مسألةً شائعةً جدّاً، بل ربّما باتت هي المخرج من الأزمة كما روّج لها بعضهم، خاصّة أن مشروع التقسيم وجد من يدعمه إقليمياً (وإسرائيلياً)، فجاءت عملية ردع العدوان لتطيح هذا المشروع، وتؤكّد للجميع أن جذر المشكلة بالنسبة للسوريين هو نظام الأسد، والحلّ بزوال هذا النظام وليس بتقسيم البلاد.
جسّدت هذه المنجزات الثلاثة، التي لازمت عملية التحرير، مدخلاً سلساً لاستمرار القيادة الجديدة باستكمال مهامها نحو عملية بناء النظم الإدارية، والشروع في إعادة بناء المؤسّسات، وتلمّس باقي الخطوات ذات الصلة بطبيعة المشروعية التي يمكن أن تستند إليها قيادة البلاد.
دعوة الشرع لجميع السوريين للمشاركة في النهوض بالبلاد، تشرع الباب واسعاً نحو انطلاقة الجميع للعمل والمشاركة
ثمّة في خطاب الشرع خريطة طريق، صحيح أنها شديدة التكثيف، لكنّها شديدة الوضوح أيضاً، وقد كان لها أثر مباشر في نفوس مجمل السوريين، إذ خرج كثيرون من دوامة التساؤل والتخمينات عمّا ستقوم به الحكومة الجديدة، وعن خططها المستقبلية، وكثير من الأسئلة المتشابهة. لعلّ دعوة رئيس البلاد إلى تشكيل حكومة واسعة الطيف وشاملة، وتحديده معالم المرحلة الانتقالية ومرجعيتها الدستورية، ورؤيته للمؤتمر الوطني المزمع عقده مستقبلاً، والأكثر أهمية من ذلك، دعوته جميع السوريين للمشاركة في النهوض بالبلاد، ما يقطع مع مرحلة الانتظار والتساؤلات، ويشرع الباب واسعاً نحو انطلاقة الجميع للعمل والمشاركة، ولعلّ هذه الدعوة تجسّد وعياً عميقاً بأن عملية بناء الدولة لا يمكن أن تنهض بيدي فئة أو حزب أو جماعة بمفردها، بل لا بدّ من تضافر جهود الجميع، وهذا ما يدعو جميع السوريين أينما كانوا إلى العمل، ليس استجابة لنداء قيادة البلاد أو تجسيداً لولاء مجّاني، بل استجابةً لبناء وطن نزف كثيراً، وأثخنته الجراح العميقة، وبعد انتصاره آن له أن يتعافى.
المصدر: العربي الجديد