تقارب أنقرة ونظام الأسد: تطمينات تركية للشارع المعارض

محمد أمين

دفع تقارب أنقرة ونظام الأسد إلى وضع كل الملفات الساخنة على طاولة حوار بين الجانب التركي والعشرات من الشخصيات السورية المعارضة في شمال البلاد، التي نقلت لتركيا مخاوف وهواجس الشارع السوري المعارض من أي تقارب، يفضي إلى مصالحة واستعادة العلاقات ما بين الحكومة التركية والنظام. وعُقد الاجتماع أمس الأول الأحد في منطقة حوار كلس بريف حلب الشمالي، وحضره عن الجانب التركي شخصيات أمنية وعسكرية تتولى الملف السوري، إضافة إلى قادة في فصائل المعارضة السورية المرتبطة بأنقرة، ووجهاء وأكاديميين وصحافيين سوريين، للتباحث في كل القضايا والملفات الساخنة في الشمال السوري.

وحول ذلك، كشف الصحافي عبد الكريم ليلى في حديث مع “العربي الجديد”، وهو أحد الذين حضروا الاجتماع، أن الشخصيات العسكرية والمدنية أكدت رفض الشارع السوري المعارض “أي شكل من أشكال المصالحة مع النظام ما لم تتحقق مطالبه في إنجاز حل سياسي يُسقط هذا النظام ويحوّل رموزه إلى المحاكمة”. كما أكدت هذه الشخصيات حق السوريين في شمال البلاد بـ”انتخاب قيادة ذات صلاحيات كاملة، يعود لها قرار الحرب والسلم، وأنه لا يمكن اختزال الثورة بأشخاص معينين غير منتخبين”، في إشارة إلى الائتلاف الوطني السوري الذي حمّله الشارع المعارض مسؤولية تراجع الاهتمام الإقليمي والدولي بالقضية السورية. وتابع ليلى: “طالبنا الحكومة التركية بتأمين الحماية لجميع اللاجئين السوريين في تركيا حسب قانون الحماية المؤقتة، وتشكيل لجنة متابعة قانونية مشتركة سورية تركية، لهذا الخصوص”.

وأشار إلى أنه “أكدنا استمرارية الحراك الثوري والشعبي مع التأكيد على سلميته، ورفض أي أعمال تخريبية للمؤسسات المدنية والعسكرية، ورفض أي فعل ينافي مبادئ الثورة السورية وقيمها”. ووفق ليلى، طالب الحضور الجانب التركي بعدم التدخل في “عمل المجالس المحلية والمحاكم والنقابات والهيئات المدنية”، ومحاربة “المفسدين وتجار المعابر والمسؤولين عن التهريب”، والقيام بـ”إجراءات وإصلاحات في الشمال لتشجيع اللاجئين السوريين على العودة الطوعية لبلادهم، من قبيل فتح باب الزيارات من تركيا وإليها، ودعم قطاعي التعليم والصحة وتحسين المستوى المعيشي، وتعزيز استقلالية القضاء في الشمال السوري”. وأشار إلى أن المسؤول التركي نفى خلال الاجتماع نيّة أنقرة المصالحة مع النظام “على حساب الثورة السورية”.

ملف تقارب أنقرة ونظام الأسد

وعاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأحد، ليؤكد في رحلة العودة إلى أنقرة من ألمانيا، أن بلاده تنتظر اتخاذ رئيس النظام السوري بشار الأسد خطوة لتحسين العلاقات معها، حتى تستجيب “بالشكل المناسب”. وأضاف الرئيس التركي عن ملف تقارب أنقرة ونظام الأسد أنه “وصلنا الآن إلى مرحلة بحيث إنه بمجرد اتخاذ بشار الأسد خطوة لتحسين العلاقات مع تركيا، سنبادر بالاستجابة بشكل مناسب”.

من جهته، وصف غياث أحمد دك، وهو رئيس مجلس أمناء جامعة الزيتونة الدولية في مدينة أعزاز شمال حلب، في حديث مع “العربي الجديد”، الاجتماع بـ”الإيجابي جدا”، مضيفاً: لأول مرة يجتمع الأتراك مع ممثلين حقيقيين للحراك الثوري والشعبي في شمال سورية. وأشار أحمد دك والذي كان من ضمن الحضور، إلى أن المطالب التي “قدمناها ستناقش على مستويات عليا في الدولة التركية”، مضيفاً: لمسنا رغبة تركية في تحسين الظروف المعيشية والاقتصادية في شمال سورية. وأكد أن الشخصيات التي حضرت الاجتماع “طرحت كل مشاكل المنطقة بكل جرأة”، مشدداً على أنه أكدنا رفض التطبيع بالمطلق مع النظام تحت أي ذريعة، بل طالبنا بتوسيع النطاق الجغرافي للمناطق المحررة من خلال استعادة منطقتي تل رفعت (شمال حلب) ومنبج (شمال شرقي حلب). وتابع: المسؤول التركي أكد أن أنقرة لن تسلم الشمال السوري للنظام، وأنها لن تتخلى عما يقارب من 8 ملايين سوري في تركيا وفي شمال سورية، وأنها تعمل على تطوير هذا الشمال من النواحي كافة.

وجاء هذا الاجتماع عقب العديد من الأحداث التي عصفت أخيراً بعلاقة التنسيق والتعاون اللامحدود التي تربط بين الجانب التركي والمعارضة السورية والممتدة منذ عام 2012، والتي بدأت في الآونة الأخيرة تشهد توتراً بسبب تقارب أنقرة ونظام الأسد بوساطة روسية، وهو ما أثار غضب واستياء الشارع السوري المعارض الذي شعر أن “الحليف” التركي في طريقه للتخلي عنه من دون مراعاة مصالحه. وانعكس التوتر على الشارع في تركيا والشمال السوري، حيث شهدت عدة مدن تركية، منها قيصري وغازي عنتاب وهاتاي وأورفه، أعمال عنف واعتداءات على اللاجئين السوريين.

وفي رد واضح على الاعتداءات التي طاولت اللاجئين السوريين في تركيا، شهد الشمال السوري لأول مرة إنزال العلم التركي عن الدوائر والمؤسسات في المدن والبلدات في الشمال السوري فضلاً عن بعض الاعتداءات على شاحنات تركية. وفي مواجهة تقارب أنقرة ونظام الأسد يشهد الشمال السوري اعتصامات وتظاهرات منددة لإيصال رسائل واضحة للجانب التركي، أن سكان هذا الشمال لن يقبلوا أي حلول جزئية ثنائية لا تقوم على تنفيذ مضامين القرارات الدولية، خصوصاً القرار 2254، بحذافيرها. ويبدو أن الجانب التركي أراد من هذا الاجتماع ترميم العلاقة التي بدأت تتصدع مع هذا الشارع، الذي اهتز على وقع الخطوات المتسارعة من قبل أنقرة تجاه النظام الذي يقابلها حتى اللحظة بالصمت وربما الرفض.

تقارب مقلق للمعارضة السورية

ورأى المحلل السياسي التركي طه عودة، في حديث مع “العربي الجديد”، أن تقارب أنقرة ونظام الأسد “مقلق للمعارضة السورية التي تستضيفها أنقرة منذ سنوات”، مضيفاً: أعتقد أن الجانب التركي غير مستعد للتفريط بهذه المعارضة، ولكن ربما ستحصل تغييرات في الشمال السوري بناء على تفاهمات مع موسكو حدثت خلال اجتماع الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين في أستانة، الأربعاء الماضي.

وتعليقاً على الاجتماع، رأى الأكاديمي، الباحث ياسين جمول، في حديث مع “العربي الجديد”، أنه “لولا استشعار الجانب التركي للخطر بعد انتفاضة الشارع في الشمال جراء السياسات التركية، لمَا عُقد هذا الاجتماع من الأساس”. وتابع: حضور هذا العدد الكبير من العسكريين والمدنيين فتح الباب أمام رفع سقف مطالب الشارع السوري المعارض من الجانب التركي. وأعرب عن اعتقاده أن “مثل هذه الاجتماعات لن يكون لها أي تأثير على ملف اللاجئين السوريين في تركيا”، مضيفاً: هذا الملف تتقاذفه الكثير من الأجندات السياسية في تركيا. حتى داخل الأحزاب التركية هناك تناقض في المواقف داخل الحزب الواحد حيال الوجود السوري في تركيا. وتابع: نأمل أن يتمخض هذا الاجتماع عن تغيّر واضح في السياسة التركية حيال الشمال السوري.

 

المصدر: العربي الجديد

 

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. هل مسيرة التقارب بين القيادة التركية والسورية هي بقناعة الطرفين؟ أم هي إرضاء المعارضة التركية؟ شروط ومستلزمات ومتطلبات التطبيع لا يمكنهما الإيفاء بها لا القيادة التركية ولا نظام دمشق، إنها بروباغندا لقطع الطريق أمام المعارضة التركية وتلبية لرغبات القيادة الروسية والعراقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى