الدولة الدُّمية

عائشة بلحاج

لأسبوعٍ كامل شغلَ القرد المكّاك بانش الناس، هو الذي هجرته أمُّه، فتمسّك بدُمية قماش عاملها معاملةَ الأم، وانهمرت على هواتفنا، الفيديوهاتُ الطريفة للكائن الصغير الذي استطاع التأقلم مع أسوأ شعور على الإطلاق، وهو الهجران.
لا تبدو القصّةُ، في حدّ ذاتها، مشكلة، ما دام مجال الصورة يحتاج صَرعاتٍ تكسر رتابة المحتويات المعتادة. المشكلة أنّ بطلة القصّة الحقيقية هي الأمّ، وأن لا أحدَ اكترث بها في لغة الصورة، لأنها لا تقدّم مادّةً بصرية مثيرة. وحدهنّ الأمهات من شغلت بالهنّ أمُّ بانش، هن من بحثن عن الأم بينما انشغل الآخرون بالقرد وحِضنه البديل؛ كيف استطاعت هجر ابنها، هي المنتمية إلى فصيلة أقرب إلى البشر في التعلّق العاطفي؟ أحبَّ الناسُ استغناء بانش وتأقلمه، لكن الدُّمية ليست أمّه، ولن تكون، مهما احتضنها أو جرجرها خلفه. ومهما ناداها لن تحيطه بأيّ شيء ممّا تحيط به الأم أطفالها.
في الأسبوع نفسه الذي اجتاحت فيه قصّةُ المكاك والأم المزوَّرة هواتفنا، خرج إلى العلن سعيٌ آخر لإسرائيل في سبيل محو اسم فلسطين من الخرائط التاريخية، وتلفيق تاريخ مزعوم للأرض المسروقة. رغم استيقاظ الضمير العالمي ووعيه بخطورة الكيان، الذي يطمح في ابتلاع كلّ وجود لفلسطين كيفما كان شكله، وهو سعيٌ قليل من انتبه إليه، وكانت صحيفة تليغراف أول من أشار إليه، فذكرت أن المتحف البريطاني أزال اسم فلسطين من بعض الخرائط والوثائق، في 10 فبراير/ شباط الحالي، تفاعلاً مع شكاوى الزوّار، الذين تبيّن أنهم ليسوا سوى مجموعة “محامون بريطانيون من أجل إسرائيل” وكلّ ما تطلّبه الأمر رسالة من المجموعة إلى مدير المتحف، اعتبرت فيها أن استخدام اسم فلسطين “يسيء إلى التمثيل التاريخي، ويعطي انطباعاً خاطئاً بالاستمرارية التاريخية”. لكن المفارقة أن الرسالة وهي ترفض استخدام اسم فلسطين بأثر رجعي، طالبت بإعادة تسمية المناطق بما يتوافق مع “التحوّلات التاريخية”، وهو ما أذعن له المتحف الذي زعم أنه غيّر التسميات لأسباب تاريخية، وتوخّياً للدقة العلمية، لكن طالِبَ “التعديل/ التزوير”، منظمة ذات صبغة سياسية تمارس الابتزاز والترهيب المؤسّسى وتقديم شكاوى للمتاحف والجامعات بدعوى “عدم الدقّة” أو “التحيّز”. وتتنازل هذه المؤسّسات أمامها خوفاً من إثارة غضبها، إذ تخصّصت في تقديم بلاغات “كيدية” وشكاوى رسمية لتأديب الموظفين أو إزالة أيّ مظاهر تضامنية، مثلما حدث في واقعة إزالة رسومات أطفال غزّة من أحد مستشفيات لندن.
مثل هذه المجموعات تنبش في تفاصيل قد لا تكون ذات تأثير على الأرض، في الوقت الحالي، لكنّها تُغيّر التاريخ وهو أهم ما تقوم عليه فلسطين، الشعب الذي لا يمكنه فصله عن أرضه لأنهما موجودان معاً منذ أن كان لهذه الأرض تاريخ معلوم. هكذا تبدأ الصهيونية رحلتها في المجالات، كالسوسة تلتصق بالسنّ، من طرف قصي، إلى أن تأتي على كل شيء. فمنذ وقت قريب لا أحدَ كان ليتخيّل أن وزراء إسرائيليين سيصرّحون بأمانيهم في غزو كلّ ما يعتبرونه جزءاً من دولتهم القشّية. الآن يفعل مسؤولون أميركيون بلا حياء أيضاً، كما فعل السفير الأميركي في تل أبيب منذ أيام، في أوقح أنواع الاستعمار.
التغييرات التي أجراها المتحف لم تقتصر على حذف اسم فلسطين فحسب، بل شملت أيضاً تعديل سكّان المنطقة من حولها من أنهم “من أصول فلسطينية”، إلى أنهم “من أصول كنعانية”. وهي الرواية التي تدافع عنها الصهيونية، والقائمة على ما جاء في التوراة التي تتحدّث عن شعب كنعاني عاش في فلسطين والشام وجزء من مصر.
متحدّث باسم المتحف البريطاني برّر التغيير “بأننا نشير إلى “فلسطيني” تعريفاً ثقافياً أو اثنوغرافياً” عندما تقتضي الحاجة. بالضبط هذا ما تسعى إليه إسرائيل، أي أن يكون الفلسطيني مجرّد صفة ثقافية لا أن يكون انتماءً إلى أرض وشعب. ولهذا ستظلّ تحاول التمدّد، وستمحو أسماء المدن والقرى، وتسرق التاريخ والتراث من الفلسطينيين، لكنّها ستبقى دُميةً لا حياة فيها إذا كان ثمة عدل على الأرض. فلا شيء يستبدل الأمّ، لا دُمية قشّية ولا دولة حديدية، كما نتمنّى، وكما يثبت الفلسطيني المتمسّك بأرضه وهُويّته بأسنانه.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى