الخسارة المسكوت عنها في إسرائيل

أحمد الجندي

تعيش إسرائيل حالة قلق شديد نتيجة مظاهرات طلاب الجامعات الأميركية، وهو قلق لا تخطئه عين أي متابع للصحافة الإسرائيلية وتصريحات السياسيين في دولة الاحتلال. وتعكس كثافة التغطية، وكمّ المقالات التي تناولت ما يحدث في هذه الجامعات عظم هذه المخاوف والشعور بالخسارة الكبيرة التي تلقتها إسرائيل، لما تمثله تلك المظاهرات من ارتباطٍ بنخب المستقبل من ناحية، وبجيل الشباب الأكثر نشاطاً وتفاعلاً وتأثيراً اجتماعياً من ناحية أخرى. قد يتحدّث بعض الكتّاب عن الخطر الاقتصادي من هذه المظاهرات، مثلما فعل دانيال إدلسون في “يديعوت أحرونوت” في مقاله “السلاح الاقتصادي للمتظاهرين في الجامعات الأميركية، والضغوط على الجامعات”. وقد يركّز بعضها على خطورة امتداد الاحتجاجات بين جامعة وأخرى على مصالح إسرائيل؛ مثلما فعل جي ألستر في موقع والا في مقاله “من نيويورك حتى كاليفورنيا وتكساس؛ مظاهرات الطلاب ضد إسرائيل تتمدّد في الولايات المتحدّة”. وربما يوظّفها بعضهم، مثلما فعل دافيد أيزاك في ماكور ريشون في مقاله “مذابح في طور التكوين؛ احتجاجات الطلاب تتمدد في كل الولايات المتحدة”، في إطار البروباغندا الصهيونية وترسيخ عقدة المظلومية وادّعاء خشية الطلاب اليهود الذهاب إلى جامعاتهم نتيجة التهديدات المستمرّة التي يتعرّضون لها، مع ربطٍ متعمّد بين المظاهرات الطلابية ومعاداة السامية، وإبراز خطابات السياسيين الأميركيين التي تؤكد هذا الربط في إطار دعمهم التام إسرائيل.
وقد يؤصل لها كتّابٌ آخرون تاريخياً باعتبارها نتيجة سنوات طويلة من التحريض الذي مرّ من دون إدانة، مع تطعيم مقالاتهم بمزاعم الاعتداء على الطلاب اليهود، وكيف اكتسبت هذه الاحتجاجات شرعية كبيرة في الأيام الماضية باعتبارها حركة احتجاجية واسعة النطاق، وربط ذلك كله بالمخاطر المستقبلية على السياسة الأميركية في الأعوام والعقود المقبلة؛ مثلما كتبت يونا لييفزون في موقع القناة 12 العبرية في مقالها “نقطة تحوّل تاريخية؛ خلف أعمال الشغب في الجامعات الأميركية، ولماذا تحدُث الآن؟”.

ما سبق عيّنة مما ينشر في الصحافة الإسرائيلية، يصادف اتفاق مضامينها جميعاً انتقادات الساسة الإسرائيليين في الموالاة والمعارضة هذه الاحتجاجات واعتبارها أمراً مُخزياً، ولا يغتفر، يجب أن توقفه السلطات الأميركية على الفور، مثلما عبّر نتنياهو ووزير حربه غالانت، بل على لسان المعارض يائير لبيد أيضاً، في واحدة من نقاط الاتفاق المحدودة بين الخصوم السياسيين منذ بدأت أحداث طوفان الأقصى. والدعوات الإسرائيلية الرسمية والإعلامية بوجوب تحرّك السلطات الأميركية لوقف احتجاجات الطلاب فوراً، تعني المطالبة بقمعها، وممارسة العنف مع المتظاهرين، وهو ما حدث فعلياً من أجل إرضاء إسرائيل وجماعات الضغط اليهودية في الولايات المتحدة.
الملاحظ هنا أن إسرائيل التي يعبّر سياسيّوها وكتّابها عن خوفهم وقلقهم مما بدأ في جامعة كولومبيا، وامتدّ إلى باقي الجامعات في الولايات المتحدة، وبعض الجامعات الأوروبية، لا تكاد تلقي بالاً لغضب الشارع العربي، إلا إذا تعلق الأمر بالقلق على استقرار بعض الأنظمة العربية التي يخرُج جمهورها للتظاهر ضد المجازر الإسرائيلية. من ذلك ما أوصت به الباحثة في معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، أوريت برلوف، في مقالها “هل يأتي الشر من الشرق؟”، أن تتجنّب دولتها أي مواجهة سياسية مع بعض الدول العربية الصديقة التي تشهد مظاهراتٍ على خلفية الحرب الدائرة في غزّة تضطر أمامها هذه الأنظمة إلى توجيه انتقادات حادّة إلى إسرائيل، وأوصت كذلك بضرورة تقدير ظروف هذه الدول والاستجابة لمطالبها بزيادة المساعدات الإنسانية للقطاع لإظهار هذه الأنظمة بصورة جيدة أمام شعوبها، ولتخفيف الضغوط عنها.

توحي محدودية الكتابات الإسرائيلية عن تصاعد الغضب الشعبي في العالم العربي أنها لا تهتم كثيراً بما يحدُث في هذه البلدان، وهو موقفٌ يستند بالأساس إلى اطمئنانها لما يقوم به النظام العربي من وأد لأيٍّ من مظاهر التعبير الجماهيري عن الغضب، قد يصعُب التنبؤ بمآلاته في حال تفاعلت معه قطاعاتٌ شعبيةٌ واسعة. غير أن إسرائيل التي لا يُبدي سياسيّوها وكتّابها قلقاً من تصاعد الغضب الشعبي العربي الذي ما زال أسير وسائل التواصل الاجتماعي، تدرك أنها كانت قاب قوسين أو أدنى من تحقيق تطبيع كامل مع العالم العربي، فجاءت معركة طوفان الأقصى وأوقفت، ولو مؤقّتاً، تلك الخطوات من التطبيع الرسمي المعلن عند حدود اتفاق أبراهام.
وتشير التجارب التاريخية في الصراع العربي الإسرائيلي إلى استعداد النظام العربي للتجاوز عن الجرائم الصهيونية وتغاضيه عنها، وترجّح أن احتمالات استئناف خطوات التطبيع بعد نهاية الحرب ستكون أكبر من احتمالات تجميدها بكثير. ورغم ما ينطوي عليه تعطيل التطبيع من خسارة لإسرائيل، تبقى خسارةً محدودةً ومؤقتةً يمكن معالجتها. وفي مقابل ذلك، ربما لا تدرك إسرائيل، التي كانت ترغب أن يكون التطبيع شعبياً لا رسمياً فحسب، أن خسارتها الأكبر التي لن تتمكّن من معالجتها مطلقاً ترتبط بالكُره المتجدّد لدى الجمهور العربي، والذي أعاد حالة العداء الشعبي ضد الكيان الصهيوني إلى لحظة البداية التي تأسّست فيها دولة الاحتلال في عام 1948 وقبلها. والفارق هذه المرّة أن سهولة وصول المعلومات، ومشاهدة الجرائم الصهيونية، في بثّ حي، جعل أغلب من كانوا يظنّون إمكانية التعايش مع وجود دولة الاحتلال واعتبارها أمراً واقعاً يراجعون أنفسهم وتزداد قناعتهم بصفرية المعركة مع هذا الكيان على المديين المتوسّط والبعيد.

 

في نهاية عام 2021، كتب الباحث في معهد دراسات الأمن القومي في إسرائيل، دان شيفتون، مقالاً طرح فيه سؤالاً مركزياً: هل حانت لحظة نهاية الصراع العربي الإسرائيلي؟ تحدّث فيه عن تمكّن إسرائيل من كسر الجبهة العربية التي كانت تعاديها، بسبب نجاحها في استغلال نقاط الضعف المتأصّلة عند العرب، وفي مقدّمتها فقدان القدرة على المناورة، وتمكّنها من إقناع معظم الدول العربية بالإقرار الفعلي بأن وجود إسرائيل دولة قوية في المنطقة شرط ضروري لبقاء هذه الدول، وأن إسرائيل ليست التهديد الذي يجب أن يتّحدوا من أجل مواجهته. كما استطاعت إسرائيل إقناع هذه الدول أنها حليف قوي في مواجهة المخاطر المشتركة كالخطر الإيراني أو التركي، وحركات السلفية الجهادية، والإخوان المسلمين. وهكذا تعامل النظام الرسمي العربي مع إسرائيل أنها دولة يمكن استيعابها في المنطقة، فتنازل عن أرض فلسطين الكاملة، وأصبح يتفاوض على دولة فلسطينية في حدود ما قبل حزيران 1967، ووقعت الاتفاقيات بدءاً من كامب ديفيد، مروراً باتفاق أوسلو، ثم وادي عربة، وصولاً إلى اتفاق أبراهام. وبذلك تآكل الدعم العربي للفلسطينيين، وتراجع الاهتمام بمحاربتها على مستوى الشعوب، كما يكتب شيفتون، ووصل الأمر إلى درجة انسحاب العرب من التصارع مع إسرائيل في المنطقة، والتحوّل إلى التعاون معها، وهو ما خدم الأمن القومي الإسرائيلي بالتأكيد.
يعبّر ما كتبه شيفتون عن حقيقة أن إسرائيل اعتمدت دائماً في رؤيتها إلى أمنها القومي على أمن النظام العربي الرسمي، والذي كان يروّج نهاية خيار الحرب من قاموس الصراع العربي الإسرائيلي، ومن ثم لم تكن ترى أن الشعوب العربية يمكن أن تمثل أي تهديدٍ لأمنها القومي. غير أن هذه النظرة تغيّرت في أثناء الربيع العربي، فقد عكست تصريحات السياسيين وكتابات المحلّلين السياسيين، ومراكز الأبحاث الإسرائيلية، حينها قلقاً واضحاً مما يمكن أن يسفر عنه الربيع العربي من إضرار بالأمن القومي لإسرائيل أمام التخوّف من تحرك الشعوب العربية. وهو ما يفسّر موقفها الحالي الساخن من المظاهرات في الجامعات الأميركية، مقابل اهتمام بارد بالسخط العربي الكبير.
ومن هنا، جاءت أحداث طوفان الأقصى لتعيد الشعوب العربية إلى حالة سخط، ورفض لوجود إسرائيل في المنطقة من الأساس. وإذا كانت حالة السخط حبيسة وسائل التواصل الاجتماعي في أغلب بلدان العالم العربي حالياً، فإنها لن تظلّ على حالها في المستقبل القريب، وهذا يُضم إلى الخسائر الكبرى التي لا يتحدّث عنها الإسرائيليون منذ بدأت معركة طوفان الأقصى.

المصدر: العربي الجديد

 

هذا المقال قد لا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى