قراءة في رواية: خرائط التيه

أحمد العربي

بثينة العيسى روائية كويتية متميزة، قرأنا اغلب رواياتها، تغوص عميقا في الواقع الكويتي والعربي، وفي الذات الإنسانية لأبطالها، لها فرادتها.

 تبدأ الرواية من ذهاب سمية وزوجها وولدها الى الحج، كانت تطوف حول الكعبة برفقة ولدها الصغير مشاري، تمسكه بيدها وتدعو الى رب العالمين لتحقيق جميع امنياتها. زوجها فيصل يطوف بعيدا عنهم قليلا. هم عائلة كويتيه. وفي لحظة ما يأتي فوج حجاج افريقي مسرعا، و بجلبة يدفع سميه بعيدا ويفلت ولدها مشاري من يدها، وهنا تبدأ مأساتها، تتلفت يمينا وشمالا تبحث عن طفلها ابن السبع سنوات، وتصرخ به أن يخرج من الحلقه جانبا. تدفعها جموع الطائفين حول الكعبة، تصرخ لزوجها فيصل فيحضر إليها وتخبره عن ضياع ابنهم، بدؤوا بالبحث بين الطائفين حول الكعبة، استمر بحثهم لساعات ولا أثر للطفل. توجهوا إلى الأمن المسؤول عن الحجاج ليخبروهم. يهدئون من روعهم و يطمئنونهم بأنهم سيجدونه. وجّههوهم الى اماكن يجمع فيها الأطفال الضائعين عن أهلهم، ولا أثر. يذهبون الى المرافق الطبية ولا اثر . تمر الساعات قاتله لهم. يخبرون الاهل والاصدقاء في الكويت. سيحضر سعود شقيق فيصل بعد وقت. ستمر الساعات، يستعينون بصديقهم السعودي مازن، الذي يستثمر علاقاته ليستطيعوا الوصول الى طرف خيط. وفعلا يصلوا للمسؤولين الامنيين عن كاميرات مراقبة المشاعر. يراجعوا ذلك التوقيت، ويكتشفوا أن الطفل يخرج من الحلقه وينتظر جانبا لتحضر امه وتأخذه، ثم ستراه امرأة وتسأله عن حاله وكذلك اخرى، ثم ستقرر واحدة من اصول افريقيه ان توصله لاهله. سيخرج ورقة من جيبه فيها رقم والده، لتتصل به ويحضر ويأخذه. ستأخذ الورقه وتقول له سنذهب الى الشرطه لا هاتف لدي، وبعد قليل تحمله وتضع على انفه مخدرا، وتغطي رأسه وتخرج به من الحرم. لقد خطفت مشاري. (لوينا) امرأة جزء من عصابة تخطف الاطفال ذوي الأصول الإفريقية. من الحرم، يأخذونهم ليعيدونهم إلى مكة بعد وقت للتسول وقد صنعوا بهم عاهة ما، كأن يقطعوا اليد او يطفئوا العين، وقد يأخذونهم الى خارج السعوديه حيث هناك احتياجات أخرى لهم. ستصل الخاطفة إلى مركز تجمعهم حيث ينتظرها عثمان في سيارته ومعه اثنتان من النساء وكل منهما قد حصل على صيده من الأطفال عددهم خمسة ومشاري. لكنه ابيض البشره فهو كويتي وهذه سابقة، يؤنبوها ويتصلوا برئيسهم جرجس أخبروه. يطلب منهم إحضار الطفل والعودة. عادوا دون ان يكتمل العدد لعشره. لان الامن استنفر وبدأ يبحث عن المرأة الافريقية التي خطفت مشاري. ثم يكتشفوا ان هناك طفلة هندية كانت تنام في الحرم قد خطفت ايضا. ومن امرأة اخرى بذات مواصفات من خطفت مشاري.

 انقلب حج فيصل وسميه الى فاجعة، وادركوا ان ابنهم قد اختطف وفُقد. وجاء سعود شقيق فيصل وقرروا أن يبدؤوا رحلة البحث عن الطفل. وكان من اوائل اعمالهم ان قرروا جمع فدية بمليون دولار. ليستردوا الطفل وكتبوا مناشير لذلك ووزعوها. استخدموا وسائل التواصل الاجتماعي للإعلان، ولا خبر. اما مشاري وخاطفيه فقد عادوا ادراجهم الى عسير في جنوب السعودية حيث ينتظرهم جرجس رئيس العصابه. نتعرف على جرجس الافريقي الذي لا يتذكر من تاريخه إلا كونه كان في معسكر للّجوء في افريقيا، وان اباه وامه توفيا بالمرض في المخيم وهو صغير. وان روينا تتبناه كأخوها،  وعندما كبر اصبح ضمن شبكة كبيرة تعمل بخطف الافريقيين الصغار، ليعاد تحويلهم إلى متسولين او من اجل بيعهم لمن يشتريهم، ومن  ثم يأخذون أعضاءهم، و ليعاد بيعها في سوق تصريف عالمي. الأفارقة بعضهم يختطف والبعض يأتي من بلاده هاربا من الفقر والصراعات الاهلية، باحثا عن نهر العسل في (إسرائيل). لكنهم سيكونون كلهم بضاعة بشريه يعاد استثمارها، اما عبر بيع الاعضاء او عبر دفع الفديات . انها مافيا عالمية، تنتشر في أفريقيا ولها امتدادها في (إسرائيل) ومصر ومركز نشاطها سيناء. ذلك المكان الخارج عن السيطرة، لقد مُنع من أن يكون تحت سيطرة الدولة المصرية، حسب اتفاقيات كامب ديفيد بعد الصلح مع (اسرائيل) من ايام السادات. يصل الأطفال الى جرجس وسيعلم ان اهل مشاري سيدفعون مليون دولار فدية له. سيفكر السائق عثمان، وكذلك روينا بأن يأخذوا الطفل ليحصلوا على الفدية كل على حدى. يخططوا ستتصل روينا بالاب و تطلب الفدية ، تستجلبه إلى عسير، لكنها ستفشل حيث تكتشف عندما حاولت الهروب بالطفل ويطعنها جرجس بالسكين. وتصاب هي ويهرب الطفل. أما عثمان فسيقتله جرجس رميا بالرصاص عندما حاول خطف الطفل الذي سيهرب وسيغادر جرجس الى اليمن ومن هناك الى سيناء الى البحر الاحمر ليسلم الأطفال الذين خطفهم مع فتاة اخرى. ستموت الطفلة الهندية مريم بعد ان نزفت جراء اعتداء جرجس جنسيا عليها. ترمى إلى البحر حيث تأكلها أسماك القرش. سيذهب فيصل وسعود ومعهم مازن الى عسير لموعدهم مع روينا التي لم تستطع أن تخطف الطفل وإحضاره لهم ومن ثم تأخذ الفدية. ينتظروا ولا تأتي. و يخبروا الشرطة هناك. ويعرفوا ان مشكلة الخطف والعبور بين اليمن والسعودية. ظاهرة كبيرة جدا. فهناك الآلاف الذين يأتون ليجدوا لهم فرصة عمل دون أوراق وبشكل غير قانوني. انهم عمالة رخيصة هاربة من بلاد الجوع والفقر والصراعات الأهليه إريتريا والصومال وإثيوبيا والسودان…الخ. و ليبدؤوا في بحث مضني، و يعثروا أخيرا على المرأتين اللتان كانتا تعملان مع جرجس و تعترفان على خطف الاطفال ومنهم مشاري. و يخبروهم أنهم غادروا إلى سيناء. وهنا قرر الاخوين فيصل وسعود الذهاب الى سيناء بحثا عن الطفل.. أما الطفل فقد هرب من جرجس وروينا وضاع في البراري إلى أن عثر عليه نظام الدين الهندي العامل في احدى المزارع في عسير، نظام. لا لغة مشتركة بين مشاري ونظام الدين الذي يعيش لوحده بعد ان مات سيده صاحب المزرعة، يعمل بها لوحده، ويأخذ اجرة من اولاد صاحبها. يزرع ويجني ويعيش حياته، سيفرح بوجود الطفل، ويعتبره غنيمة بعثها الله له. يفكر أن يعتدي عليه جنسيا ويعتدي عليه، يقاومه الطفل لكن لا فائدة. وسيعيش حياة ملؤها الألم والمعاناة، سيحلم بأمه وأبيه ولا مخرج له. يمرض الطفل ويخاف الهندي منه وعليه، فتارة يفكر أن يقتله وتارة يفكر ان يضعه في مغارة ليتخلص منه. لكنه أخيرا سيضعه في جوار أحد المزارع ويهرب مبتعدا. سيكتشف الاب واخوه أن في سيناء مركزا دوليا لتهريب البشر وبيع اعضائهم. وان (لاسرائيل) وغيرها دور ما.  وان اعضاء أجساد الافريقيين تشكل سلعة رائجة. وان لا احد يسأل عنهم وهم في مصيرهم المأساوي منسيين. سيعيش الأخوين أياما قاسية قبل العودة إلى السعودية. اما الام سميه فقد أيقنت ان ما حصل معها عقاب من الله على تقصيرها. اما الاب فيصل فقد تساءل أين الله الذي لم يحمي ابنه حيث كان يحج له. وتتباعد بينهم المواقف كل يحمّل الآخر سبب ضياع ابنهم. لقد انكسر بينهم الحب والثقة . ستتابع الام قلبها وتكمل حجها عبر الصعود لعرفه وتعثر على طفل ضائع وتساعده للوصول إلى أهله. وستعلم أن المرأة التي خطفت ابنها مصابة وهي في المشفى، وأنها في غيبوبة. وتلازمها قارئة القرآن منتظرة صحوها لتعرف مصير ابنها. وعندما تصحوا تخبرها انه لم يذهب إلى سيناء وبقي في عسير. وتخبر زوجها وأخوه اللذان شاهدا أهوال ما يحصل في سيناء. من قتل وبتر أعضاء ووجود جثث مرمية في العراء، وعصابات مافيا تسرح وتمرح. وبشر يباعون قطعا في سوق الأعضاء العالمي. سيعودوا للبحث في عسير ومن ثم ليخبر رجل عن طفل وجده أمام بيته بين الحياة والموت. وليحضر الأمن والاهل ويكتشفوا ابنهم مشاري الذاهل، يأخذوا الطفل ويعاد تأهيله انسانيا، ان كان ذلك ممكنا. الاب والام ينفصلان، الام تتحول الى درويشة، والاب يضيع في الدنيا، والعم يحتضن الطفل . وبعد سنة يبدأ الطفل في الخروج من متاهته لعله يعود إنسانا سويا.

 .هنا تنتهي الرواية.

 في قراءتها نقول: رواية تدمي القلب، توجع النفس وتؤلمها في كل مراحل متابعتها.  البشر كلهم ضحايا ظروف قاهرة لا إنسانية، تأخذهم كريح تقتلعهم من جذورهم، انها الكارثة الإنسانية التي تأكل كل شيء: الوجدان والروح والعقل والبشر المتحولين لضحايا في سوق عبيد لأعضاء للبيع، تحولهم إلى ضحايا اعتداءات جنسيه، لتقطع اوصالهم،  ولتثمل عيونهم، ليكونوا أدوات اكتساب واستثمار، تحولهم إلى بشر فقدوا انسانيتهم. هناك شبكات دوليه ترعى ذلك وتتكسب من ورائه. وزير مصري ومسؤول من الكيان الصهيوني ومئات من المرتزقة المستفيدين من هذا العار المعاش في عالم اليوم.  انه تكامل العمل الدولي الاعمى استباحة البشر وحياتهم فها هو العالم يرعى اكبر مقتلة للشعوب العربيه في سوريا والعراق واليمن وليبيا وغيرهم وغيرهم. وكله لمصالح مادية أو هيمنة لأطراف دوليه واقليميه. وأهم نتائج أعمالها استباحة إنسانية الإنسان وتدميرها .لنفكر بالكارثه وكيف نواجهها. قبل أن تلتهمنا كلنا. نحن البشر.

26.12.2016

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. رواية “خرائط التيه” للروائية الكويتية “بثينة العيسى” قراءة جميلة وتعقيب موضوع للكاتب “احمد العربي” الرواية تغوص عميقا في الواقع الكويتي والعربي، وفي الذات الإنسانية لأبطالها ، البشر كلهم ضحايا ظروف قاهرة لا إنسانية، تأخذهم كريح تقتلعهم من جذورهم، انها الكارثة الإنسانية التي تأكل كل شيء .

زر الذهاب إلى الأعلى