لبنان ونموذجه العراقي: أميركا مصممة على دحر إيران

منير الربيع

يتفشى الانهيار اللبناني متسارعاً، أشد ما كان متوقعاً. والانهيار المالي والاقتصادي ناجم عن أزمة سياسية، وليس العكس. فالأزمة السياسية هي ركن واقع الحال الاقتصادية والمالية والاجتماعية، وحتى الأمنية.

أركان حكم العماء

التأويلات الأخرى مخالفة للحقيقة والواقع والمنطق. والبيان الذي صدر عن لقاء بعبدا الخميس 25 حزيران الجاري، لم يكن واقعياً وأصاب اللقاء بمقتل. فهو خالف ألف باء المنطق السياسي، معتبراً أن التوتر الأمني هو ما أدى إلى توتر سياسي، فيما العكس هو الصحيح.

يمتهن أركان الحكم قلب الوقائع، والتعمية على الحقائق، والهروب إلى الأمام. تارة يحملون المسؤولية إلى حاكم مصرف لبنان، وطوراً إلى خصومهم السياسيين، فيما هم يمسكون بمقاليد بالحكم ويتربعون في سدته.

تلازم المسارات

تنذر الوقائع بما هو أخطر: تسارع أقوى في الانهيار، وفي تداعياته على الأمن، طالما يستمر التأزم السياسي. وفي هذا الوضع اللبناني المعايش للانهيار، لم يعد من قيمة للحركة السياسية الداخلية. فالتوجه الدولي يربط ويلازم بين المسارات، من بيروت إلى طهران مروراً بدمشق.

أقصى ما يمكن أن تحققه الحركة السياسية الداخلية في لبنان، هو الحد من الخسائر، أو تخفيف التوتر. وهذا ما لا يبدو أنه على أجندة أي من قوى السلطة المستمرة في قفزها البهلواني المعوّق فوق الوقائع، وهروبها الأعمى والمحموم إلى افتعالها مشاكل سياسية مع خصومها، ما يؤذن باستمرار انهيار البلاد بلا عوائق توقفه.

لبنان ومثاله العراقي

سيتوالى الانهيار بقوة في الشهور القليلة المقبلة. فأيلول وتشرين سيكونان من أصعب الشهور. الأميركيون ليسوا في وارد التراجع ولا تخفيف ضغوطهم.

وإذا كان لبنان يعيش اقتصادياً ومالياً على وقع الانهيار السوري، في إطار تلازم المسارات، فإنه يسير سياسياً – دولة ومؤسسات وحراك في الشارع – على خطى العراق، ولو على نحو أقل حدّة.

ما يحصل في العراق يمكن وصفه بالانقلاب إلى حدّ بعيد. لا سيما في ظل التوأمة والتناغم بين رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي، ورئيس جهاز مكافحة الإرهاب عبد الوهاب الساعدي. فالكاظمي يستعد لاتخاذ قرارات هدفها تغيير الطاقم الإداري في الصف الأول الموالي لإيران في معظمه. أما الساعدي فيعمل على الأرض على تطويق الحشد الشعبي وفاعليته. وما حصل في اليومين الماضيين من عمليات اعتقال في صفوف حزب الله العراقي على خلفية إطلاق صواريخ على السفارة الأميركية، والقيام بأنشطة عسكرية، ينذر بتحولات كبيرة على الساحة العراقية.

سوريا وضربات إسرائيل

قد تجر هذه التحولات إلى صدامات وصراعات متتالية، لكنها تظهر حجم الضغط الذي المستمر على إيران في العراق. والضغط إياه ينسحب على طهران في سوريا وفي لبنان.

قد يكون لبنان أقل عرضة للتوتر العسكري أو الأمني. فعلى الأرض، وفي التداعيات السياسية والاقتصادية والمالية، يقبض حزب الله على مقاليد العهد الرئاسي والحكومة. وهذا على خلاف العراق الذي حصلت فيه تسوية رجحت كفة واشنطن على طهران. إما في سوريا فيجري تفاهم روسي – أميركي – إسرائيلي على تطويق النفوذ الإيراني وتحجيمه. ما يعني أن الضربات الإسرائيلية لمواقع إيرانية ستتكثف في المرحلة المقبلة.

واشنطن ونواف سلام

لا يمكن فصل لبنان عن هذه المسارات. فالحكومة اللبنانية الراهنة فقدت وجودها في الميزان الدولي. والمفاوضات مع صندوق النقد وصلت إلى طريق مسدود، إذا لم يحصل تغيير جذري ونوعي في آلية تعاطي الحكومة مع الأزمة.

لكن المشاكل والمشاحنات والانقسامات اللبنانية، مستمرة داخل البيت الواحد. سواء داخل قوى السلطة إياها، أو بين الأحزاب في خارجها.

أما الضغط الأميركي على لبنان فسيستمر وسيشتد الخنق. والهدف أصبح واضحاً: تشكيل حكومة مستقلين تختارهم واشنطن، كما حصل في العراق. وهي عادت إلى طرح اسم نواف سلامة لرئاسة الحكومة، وسيكون لها الحصة الأكبر في طرح الأسماء الوزارية. وقد يكون من بينها محمد بعاصيري، وآخرون يعتبرون مواجهين لحزب الله.

طريق الجنوب والدماء

تطورات كثيرة ستسبق الوصول إلى مثل هذا الطرح. وستكون محفوفة بمخاطر كثيرة، على غرار تلك التي تحدث على الأرض، كقطع طريق الجنوب لأكثر من 16 ساعة مثلاً. وهذا ما ينظر إليه حزب الله بغضب كبير، ولا يمكنه تمريره، ولو كلّف فتحه تلك الطريق دماءً. حتماً يحيل حزب الله فتح الطريق ومنع قطعها مجدداً، إلى الجيش اللبناني. ولكن في حال لم يتمكن الجيش من ذلك، سينذر الأمر بمخاطر كبيرة.

هذا مشهد نموذجي لما يمكن حدوثه في ما بعد.

 

المصدر: المدن

اترك تعليقاً
0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى