رحيل رياض الترك… “ابن العم” وشيخ المعارضين السوريين

في اليوم الأول من العام الجديد، رحل شيخ المعارضين السوريين أو “ابن العم”، اليساري الصلب، رياض الترك، عن 94 عاماً، وهو اعتقل لنحو عشرين عاماً لانتقاداته المتواصلة لسياسات نظام البعث الديكتاتوري. وبسبب معاناته الطويلة داخل معتقلات حكم الأسد، لقب بـ”مانديلا سوريا”. ووصفه الكاتب السوري برهان غليون في كتابه “عطب الذات/ وقائع ثورة لم تكتمل”(الشبكة العربية للأبحاث والنشر)، بأنه “كان صاحب شخصية فريدة، تجمع بين التواضع والبساطة الشعبية والصلابة السياسية إلى حد التصلب. وكان رجل مبادئ، أفنى حياته في سبيل قضيته، وتبنّى، بعد خروجه من السجن الطويل، على الرغم من شيوعيته، قضية الديموقراطية، أو بالأحرى أطروحة إسقاط النظام الطاغية بأي ثمن. وكان، عدا عن ذلك، رجلاً شجاعاً لا يخشى شيئاً، ولا يهاب المغامرة، يعيش جل وقته تحت الأرض، لكنه لا يخاف التحليق في الفضاءات الشاهقة، جاهزاً دائماً للعراك، والسير على حافّة الهاوية. رجل راديكالي في دمه، وعدو لا يضاهى لنظام الأسد الذي أودعه الزنزانة المنفردة سنواتٍ طويلة، من دون محاكمة ولا سؤال. لكنه كان، في الوقت نفسه، وفي العمق، رجلاً قاسياً لا يرحم مساعديه، ولا منافسيه أبداً، أوتوقراطياً نموذجياً، ووسواسياً مسكوناً بالظنون، لا يطمئن لأحد، حتى نفسه”.

وُلِد الترك في حمص في العام 1930، نشأ في دارٍ للأيتام حتى ما بعد دخول مرحلة الدراسة الابتدائية، وبدأ نشاطه السياسي أثناء متابعته دراسة الحقوق، وكان عمره لا يتجاوز الـ22، في العام 1952. تعرّض للسجن والتعذيب خمسة أشهر في زمن أديب الشيشكلي، وبالنسبة  لرياض الترك حياة التخفي (السرية) هي رفيق قديم. يعرف التعايش معها، ويقول: “منذ أن التحقت بالحزب الشيوعي السوري في سنوات 1950، الحياة السرية أصبحت تقليداً. الناس من أبناء جيلي يعرفون أهمية السرية في مواجهة هكذا نظام. إن الثوريين الشباب لم يعرفوها ودفعوا ثمن ذلك غالياً”. ثم عاد مرة اخرى إلى السجن سنة 1960 -خلال فترة الوحدة بين مصر وسوريا- وتعرض للتعذيب، وكان السبب هذه المرة هو معارضته الوحدة بين سوريا ومصر في أوج حركة القومية العربية التي قادها الرئيس المصري حينها، جمال عبد الناصر. وقال الترك، “لقد جاءت قوات الأمن المصرية بأساليب من التعذيب أشد قسوة من الأساليب المستخدَمة من قبل، فقد استُحدث أسلوب (الفلقة)، ولقي بعض المعتقلين حتفهم في الحجز من جراء ذلك”.

وغادر الترك سوريا عند وصول حزب البعث إلى الحكم في العام 1963، ثم عاد في العام 1965. عارض الترك قرار الحزب الشيوعي السوري في العام 1972 بالانضمام إلى الجبهة الوطنية التقدّمية، وهي ائتلاف مؤلّف من منظمات متحالفة مع حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم، ثم انشقّ بعد عام ليشكّل الحزب الشيوعي السوري المنشقّ (المكتب السياسي). ويعود للترك الفضل في عدم أخذ الشيوعية بمبدأها الستاليني المتشدّد، إذ كان يشدّد على ضرورة مراعاة المجتمع الذي تأسس الحزب فيه. وفي إحدى المرّات، قال عن هذا النهج إنه “إذا كان هناك مطر في موسكو والناس تحمل مظلات، فهذا لا يعني أن نجعل الناس الذين في دمشق تحت الشمس يحملون مظلات مشابهة”.

وعبّر الترك عن انتقاده للحكومة السورية وحزب البعث العام 1980، خصوصاً الأسلوب الأمني الذي اتخذته السلطات في مواجهة الإسلاميين، عندما تولت سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد شقيق الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد قمع جماعة الإخوان المسلمين في حماة. واعتقل بسبب موقفه، وحُكِم عليه بالسجن 18 عاماً في العام 1980. وقت تدخل الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك لإطلاق سراحه، وهذا ما حصل في أيار/مايو 1998. وقالت زوجته أسماء الفيصل، وهي طبيبة سُجنت هي الأخرى لمدة 20 شهرًا، بين عامي 1980 و1982، “لم نره لمدة 13 عامًا، ولم نكن حتى نعرف مكانه يقينًا”. خلال فترة اعتقاله الانفرادي في سجون الأسد الأب، كان الترك يلملم حبيبات العدس والحصى، ويصنع منها أشكالاً فنية على الشراشف والأقمشة المهترئة، في محاولةٍ منه للحفاظ على الحد الأدنى من الذاكرة والإدراك، بالنسبة لشخصٍ أمضى أكثر من 17 عاماً في سجن انفرادي لا يتحدّث فيه مع أحد.

البقاء على قيد الحياة في السجن السوري، هو صراع ضد الجنون. كما يروي في الفيلم الوثائقي “ابن العم” الذي كرّسه له علي الأتاسي، بعد إطلاق سراحه بسنتين، ويضيف في السجن الانفرادي “ينبغي قتل الوقت من اجل أن لا يقوم هو بقتلك”. وعلى السجين (المعارض) سلوك نظام انضباط ذهني – عقلي حديدي يسكب الشخصية على الضد مما هي عليه. ينبغي عليه “نسيان العالم الخارجي”، والتخلي عن كل أمل في الخروج اليه.

أعطى رياض الترك “ملحق النهار” بتاريخ 25/7/1998 أول مقابلة علنية له بعد إطلاق سراحه، روى فيها بالتفصيل ظروف حياته في السجن والأساليب التي اتبعها وساعدته في الصمود. لكنه رفض الادلاء بأي تصريح سياسي وقال: “لا أستطيع أن أتكلم لا عن الحاضر ولا عن المستقبل قبل أن أستوعب الأوضاع السياسية الحالية، وأنا أعتبر نفسي عضواً في الحزب الشيوعي وأضع نفسي في تصرفه وفي تصرف التجمع الوطني الديموقراطي، لذلك أرجو أن لا تنسب إليّ أي قول عن الوضع الحالي. ليس خوفاً من السلطة وإنما من أجل أن أكون مسؤولاً عن الكلمة التي اقولها”.

وما هي الا أيام حتى اوضح الترك في أي اتجاه يريد أن يكون مسؤولاً عن كلمته، فقال في مقابلة لجريدة “لوموند” الفرنسية: “أتكلم كالطفل الذي يبدأ باكتشاف العالم، والعالم تغير كثيراً. الوضع الحالي، لم أفهمه بعد كفاية. لكن ما يصدمني، ربما أني أجد المجتمع صامتا”…

وأحرج الترك النظام السوري أكثر من مرة بسبب مواقفه الصريحة والعلنية والجريئة، في 17 كانون الثاني 2000، وقال الترك لصحيفة “الحياة”: “خرجتُ من السجن الصغير إلى السجن الكبير، وعلينا جميعًا أن نسعى إلى فتح أبوابه. أنا لن أتخلى عن حقي في ممارسة السياسة، أيًا تكن الظروف. وأهلًا بالسجن إذا كان ثمنًا للتمسك بالرأي وحرية التصريح”، بحسب كتاب “رياض الترك.. مانديلا سوريا”. وفي الحوار نفسه قال، “لم يبقَ للمجتمع إلا الصمت ليعبّر من خلاله عن وجوده وعن رفضه للوضع القائم، إذًا الصمت هنا موقف، لكن هذا الصمت لا يمكنه أن يدوم إلى ما لا نهاية، ولا بد للمجتمع بقواه الحية أن يفرز تعبيرات جديدة تنتمي إلى عالم البيانات والمواقف العلنية والفعل”.

وقبل يومين من خطاب القسم الرئاسي لرئيس النظام السوري، بشار الأسد، في أثناء توليه السلطة بدمشق، نشر رياض الترك في ملحق جريدة “النهار” مقالته المعنونة: “من غير الممكن أن تظل سوريا مملكة الصمت”. وفي 5 آب 2001، ألقى الترك محاضرته في “منتدى جمال الأتاسي” بحضور حشد كثيف من الناس، ودعا فيها إلى الانتقال من حال الاستبداد إلى الديموقراطية عن طريق التوافق السلمي. وبعد هذه المحاضرة بشهر واحد، أي في أيلول 2001، اعتُقل رياض الترك داخل عيادة أحد الأطباء في طرطوس، تلته بعد أيام موجة احتجاج عارمة وبيانات لمثقفين سوريين ولبنانيين وجمعيات حقوق الإنسان دعت إلى الإفراج عنه. وفي 26 حزيران 2002، أصدرت محكمة “أمن الدولة” حكمها على رياض الترك بالسجن لمدة سنتين ونصف السنة، بتهمة الاعتداء على الدستور وإلقاء الخطب بقصد العصيان وإثارة الفتنة، ونشر أنباء كاذبة توهن عزيمة الأمة ونفسيتها، وبجنحة النيل من هيبة الدولة… سرعان ما اطلق سراحه في 16 تشرين الثاني 2002، وشاعت في دمشق تسميته بـ”مانديلا” سوريا.

تنحّى الترك عن منصبه كأمين عام للحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) في العام 2005، فأطلق الحزب على نفسه اسم حزب الشعب الديموقراطي. ويُذكَر أن الترك كان واحداً من الموقّعين الأساسيين على إعلان دمشق للتغيير الوطني الديموقراطي في العام نفسه.

في آذار 2011، ومع اندلاع الاحتجاجات في سوريا تأثراً بالثورات العربية في تونس ومصر وغيرها، كتب رياض الترك مقالاً قال فيه “نعم، سورية الله حاميها، لأنها باقية بشعبها وجيشها ودولتها. أما الاستبداد فإلى زوال، قصر الزمن أو طال، وإن غداً لناظره قريب”. وقال إن أسرة الأسد انتهت سياسياً، داعياً إلى مد الأيدي إلى عناصر النظام من الذين لم تتلوث أيديهم بدماء السوريين.

“أنا مالي خايف..أنا عايش زيادة..أنا كان لازم أقتل تحت التعذيب العام 1959 وهلق صار عمري 82 سنة، وحاجتي، فإذا قتلوني أحسن أني روح شهيد من أني أعبر الحدود وأروح لاجئ”. هذه الكلمات قالها رياض الترك، في معرض حديثه خلال فيلم تسجيلي حمل عنوان “ابن العم”، لكن تراجع حالته الصحية وحاجته للعلاج والعناية، تسبّبا في كسر “القاعدة”، وعبور الحدود من سوريا إلى تركيا إلى باريس، حيث تقيم ابنته خزامى.

وفي العام 2020، استضاف برنامج “المشهد” الحواري الذي تبثه قناة “BBC عربي”، وكانت تقدمه الصحافية جيزيل خوري، رياض الترك، بعدما انتقل إلى فرنسا، وأشار في المقابلة التلفزيونية إلى الإفلاس الذي تعيشه المعارضة السورية حاليًا، وقد فشلت في تحقيق هدفها الرئيس، وهو إسقاط النظام الممعن في استبداده.

 

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. رحل عنا الى ديار الحق المناضل الوطني ، مانديلا سورية ” رياض الترك” عن عمر يناهز الـ 94 عاماً في بلاد المهجر “فرنسا” ستظل مسيرتك شعلة نور للمناضلين السلميين بسورية ايها المناضل ابن العم لكل السوريين ابو هشام ، الله يرحمه ويغفر له ، مسيرة نضالية مشرفة .

زر الذهاب إلى الأعلى