عَن البَديل الوَطني السوري للأسد

حسام الحميد

لعل رحيل بشار الأسد الآن الحديث اليوميّ للسوريين المكلومين بوَجَع عظيم، لو وُزّع على سكان الأرْض أجمَعين لاكتفوا منْهُ عن مئات السّنين المقبلة، بل وَزاد وَجَع السوريين هَذا فتحَول إلى هاجس يَحِملهم على التّعلّق بِأدنى أشكال الأمل في الخلاص من هذه المأساة، وهذا الظّلم الواقع عليهم من نظام الأسد الحاكم، وقد تحول هذا الهاجس إلى جزء من الخطاب السياسيّ واليومي والنفسي للسوريين، وباتوا ينتظرون أي نبأ يُوحي بتحقيق أمنيتهم الأولى برحيل الطّاغية وزمرته، وحتّى لو كانوا يعلمون، في قرارةِ أنفسِهمِ، أن هذا قد لا يتعدّى كونه إشاعة ينقلها صهيوني هنا هدفه التّضليل وخلط الأوراق، أو جهاز مخابرات هناك، ليس له هدف سِوى جسّ نبضِ الشّارع. بات رحيل الأسد الخبر المتداول اليوميّ على القنوات الفضائية، ويتصدر مقالات الصحف، بل هو حديث الساعة لكل من هو مهتمّ بالشّأن السوري على وسائل التّواصل الاجتماعي، وصار السؤال الأكثر إلحاحاً على السوريين، على اختلاف مشاربهم: من هو البديل؟

قد يكون من الصعوبة طرح هذا السّؤال، وكذلك الإجابة عليه بين جماهير الثورة، بشقيها السّياسي والعسكري. مع قناعتهم بأن المجتمع الدّولي لا يأخذ على محمل الجد وجود مؤسسات المعارضة التي يتهمها بفشلها في تأسيس جِسم موحّد وقوي، قادر على ملء الفراغ الّذي قد يحصل في حال رحيل الأسد. لذلك تجدهم يُحمّلون المجتمع الدولي مسؤولية بقاء الأسد، والتّمسّك به، وأنّه السّبب في الفوضى التي أوجدتها التصريحات والفيديوهات التي خرجت بها شخصيات سورية تدّعي أنهم مرشحو المجتمع الدولي، وأنهم مفروضون منه، رغماً عن إرادة السوريين، وكأنّهم يستبدلون طاغية بآخر، وأن الحل الوحيد أن يأتي شخص واحد يتّفق عليه المجتمع الدولي لحكم سورية وتنتهي المأساة، والمحصلة للثورة السورية هي كما يقول المثل “وكأنّك يا أبو زيد ما غزيت”.

وكذلك يعتقد الموالون لنظام الأسد أن سورية كُتب عليها أن لا يحكمها سوى وريث الأسد، فولاء الشّعب له، وليس هناك من هو أكثر منه جدارةً بالحكم، فهو يدير البلاد بحكمةٍ وخبرة، ويقاتل الطّغاة الذين يسعون إلى اغتصاب الحكم منه. وفي نظرهم، أيّ حديث لبديل عنه يعني الفوضى، لذلك يستفزهم السّؤال عن البديل، وهم في حالهم هذا يتمثّلون قول مارتن لوثر “من الأفضل أن نعاني الألم من الطّاغية المستبد، على أنّ نعانيه من عدد لا حصر له من الطّغاة الغوغاء”. ولكن من هو البديل؟

في كلتا الحالتين، لا بدّ أن نفهم، أولاً، أن الدّول، بمفهوم المواطنة والمشاركة، هي التي يتمّ بناؤها بموجب الدّستور والقانون، وتتمّ إدارتها من خلال مؤسساتٍ تنظمها سلطات ثلاث: التّشريعيّة لصياغة الدّستور وسن القوانين واختيار القيادات المناسبة لإدارة الدّولة، وهي المسؤولة عن مراقبة أدائها. والتّنفيذيّة تنظم أهداف الدّولة وتصوغها، ويتركز عملها الأساسيّ في تحقيق هذه الأهداف، تحت مظلّة الدستور والقوانين المشرعة لعملها. وتلتزم بالاحتكام إلى القضاء، في حال أي خلاف أو نزاع على إدارة المؤسّسات. وهنا دور السلطة القضائية الّتي يجب أن تكون مستقلّة استقلالاً تاماً، لتقوم مقام الحكم والفاصل في تلك الخلافات.

البديل السوري الوطني الديمقراطي المطلوب ليس شخصا يأتي على دبّابة أميركية أو برغبة إسرائيلية أو بتفاهم روسي وإيراني على شخصيةٍ من داخل هذا النّظام، مهما كأن شأنها وصفتها، وهو ليس مجلسا عسكريّا يتشكّل برغبة القوى المحتلّة لسورية وتفاهمها، مهما كان شكله أو لونه أو عدده. البديل الوطني الديمقراطي هو دولة تحكمها القوانين العادلة، وتسري سلطاتها على جميع مواطنيها، من دون أي استثناء. تكون المواطنة فيها حقّا للجميع يحميه الدّستور، وتنظمه القوانين، ولا تميّز بين قومية أو دين أو عرق أو لون، ولا يكون فيها فرق بين مواطن أو آخر إلا بمدى التزامه بقوانين البلاد وتطبيقها، فالنّاس فيها سواسية، والعدل فيها ميزان، يكون فيها الشّعب السوري هو السّيّد، وهو الحاكم من خلال السلطات التشريعية، وتكون الحكومة فيها خادمة للشّعب، تلتزم بتأمين مصالحه وأمنه وأمانه، لا مكان فيها للفساد والمحسوبيات، تحاكم الظّالم وتنصر المظلوم. معايير حكمها واضحة لا تجاوز فيها لأحد ولا استثناء، رأس الدولة يختاره الشّعب عبر الوسائل الدّستورية، ويكون مُلتزما بقوانين الدّولة ودستورها. في سورية الجديدة، يجب أن تكون للجيش مهمّة واحدة، هي الدفاع عن أرضها وشعبها ضد أي معتدٍ، ولا يمكن أن يستخدم الجيش داخل البلاد إلا بما ينصّ عليه الدّستور، وضمن إجراءاتٍ محدّدة، تضمن سلامة المواطنين وأمنهم.

هدف الثّورة السورية الأسمى كان وسيبقى هو الخلاص من نظام الأسد المتوحش وماخور الفساد والاستبداد بكامل أركانه ورموزه، وإقامة الدّولة السورية المدنيّة القائمة على المواطنة وسيادة القانون واستقلال المؤسّسات وفصل السّلطات وتحقيق التّغيير السّياسيّ الكامل، بما نصت عليه مقرّرات مؤتمر جنيف1 وقرار مجلس الأمن رقم 2254. بدون ذلك، لا يمكن الحديث عن بديل لهذا النّظام، ولا عن دستور جديد، ولا عن انتخابات رئاسية. وحتى يتم ذلك كله يجب أن يصل المجتمع الدّولي أولاً إلى تفاهم كامل نحو حل سياسي، يضمن وحدة سورية وأراضيها، ويجب أن يكون هناك قرار جديد من مجلس الأمن، بخصوص وقف كل أشكال القتال على الأرض، واستعادة الاستقرار، حتى لو تمّ ذلك من خلال وضع سورية تحت الحماية الدّوليّة فترة محدّدة (نموذج كوسوفو)، يجري خلالها اتّفاقٌ تحت رعاية الأمم المتّحدة على تشكيل هيئة حاكم انتقاليّة، مؤقّتة بصلاحيات تنفيذية كاملة، للإشراف على المرحلة الانتقالية، يضمن خلالها عودة الحياة الطّبيعية في المُدن السورية كافة، ووضع برنامج يضمن العودة الآمنة للمهجرين. عندها فقط يُمكن أن يتمّ النّظر في النّظام الدستوري والمنظومة القانونيّة للمساءلة والمحاسبة. وأن تُشكل لَجنة لصياغة دُستور جديد، تُعرض نتائجه على الاستفتاء العام.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً
2+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى