تخبط أوروبي تجاه حرب غزّة: ليس الجميع مع العنف الإسرائيلي

شادي عاكوم

نادراً ما تعمل السياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي جيداً في الازمات، لا سيما أنه يصعب التوفيق بين مصالح الدول الأعضاء السبع والعشرين.  وتقليدياً، تنقسم الحكومات في العواصم الأوروبية بحدة تجاه الفلسطينيين، ما جعل الدبلوماسية الأوروبية في بروكسل تجاه منطقة الشرق الأوسط بحال من الإرباك والتخبط. فماذا عن الخلافات الأوروبية وإمكان تصويب المسار؟

تضارب المصالح والصلاحيّات

أجّجت القراءات والردود الخلافات بين ممثلي المؤسسات في بروكسل مع بدء عملية “طوفان الأقصى”، إذ برزت مسارعة مفوض الاتحاد الأوروبي المجري أوليفر فارهيلي إلى الإعلان، من تلقاء نفسه، عن وقف مساعدات التنمية لمناطق الحكم الذاتي الفلسطينية، قبل أن يصار بعد ساعات إلى تصحيح المحاولة المجرية التفرد بالقرار، حيث رد منسق السياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل على المفوض بسخط، ووضع حداً للجدل الدائر حول تعليق كل المدفوعات للفلسطينيين، معتبراً أنه “خطأ كبير وهدية لحماس”، وتقديم المساعدات الإنسانية للشعب الفلسطيني مستمر.

وميزت المفوضية بين المساعدات الإنسانية ومساعدات التنمية، بحجة أن الأمر يتطلب تحققاً أكثر دقة من القنوات التي تتدفق إليها الأموال فعلياً.

وصدر تصريح مماثل للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لا سيما بعد مقتل أحد المعلمين أخيراً على يد متطرف إسلاموي، وسط مخاوف من استيراد الصراع إلى أراضيها.

وتعد فرنسا موطناً لأكبر جالية يهودية في أوروبا يبلغ عددها نحو 500 ألف شخص.

أما رئيسة المفوضية الأوروبية الألمانية أورسولا فون دير لاين فواجهت انتقادات على أخطائها خلال زيارتها التضامنية لإسرائيل، بعدما قالت خلال المؤتمر الصحافي المشترك مع نتنياهو ومن دون تحفظ، إن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها، وغاب عنها التأكيد أن ذلك يجب أن يتم بحدود القانون الدولي الإنساني.

علاوة على ذلك، اتهم بوريل ورئيس مجلس الاتحاد الأوروبي شارل ميشال رئيسة المفوضية بإلحاق الضرر بمصالح الاتحاد الأوروبي، وبزيادة التوترات والكراهية مع تأييدها المطلق لإسرائيل.

موقف فون دير لاين استدعى من الرئيس الأيرلندي ميشائيل هيغنزل رفع الصوت، والقول إن “ألمانيا لا تتحدث باسمنا”.

من جهته، اعتبر بوريل أن أمر الإخلاء الذي أصدرته إسرائيل لسكان مدينة غزة يشكل في الأساس انتهاكاً للقانون الدولي.

في المقابل، برزت انتقادات لبوريل ومفادها أنه فقد الكثير من صدقيته كوسيط محتمل لأنه لم يعد شريكاً مقبولاً من قبل الإسرائيليين في المفاوضات.

غيرة في بروكسل

أمام هذا الواقع، بينت شبكة “إيه أر دي” الإخبارية عن مقربين من شارل ميشال، أنه يعتبر أن خطوات فون دير لاين تمثل تحدياً شخصياً له، والأخيرة ليست المسؤولة عن السياسة الخارجية لأوروبا، التي تعتبر من مهمة الدول الأعضاء، وهذا منصوص عليه في القانون الأساسي، وعلى وزراء خارجية التكتل الاهتمام بالأزمة وتبادل المعلومات.

وفي ظل هذه الأجواء، برزت أيضاً الخطوات المتباينة بين فون دير لاين التي تسرق الأضواء في المشاركات الدولية من بوريل، وشارل ميشال الذي أجرى اتصالاً برئيس الحكومة الفلسطينية محمد أشتية، شدد فيه على أنه لا ينبغي أن يكون هناك مزيد من التصعيد، وهذا ما يؤشر إلى أن لممثلي أوروبا مواقف مختلفة بشأن الصراع في الشرق الأوسط.

خلق استراتيجية متماسكة

وعلى وقع المجموعة الواسعة من المواقف في الاتحاد الأوروبي والتي تتراوح بين الدعم غير المشروط لإسرائيل وتحذير البعض الآخر من مغبة نسيان حماية المدنيين الفلسطينيين والمواقف الصريحة بعدم السماح للأمور بالتصعيد في غزة، لفتت قراءات سياسية إلى أنه يجب أولاً إجراء تقييم نقدي لما حدث طيلة الأسبوعين الماضيين بين المسؤولين في بروكسل، بعدما بدت أوروبا في الشرق الأوسط في حالة من الفوضى الشاملة، وتحكمها المصالح الوطنية والتعصب الشخصي.

وفي السياق، اعتبر الكاتب السياسي دانيال شتاينفورث أنه لا بد من تحديد استراتيجية متماسكة في الشرق الأوسط، والتنبه من المخاطر وليس أقلها الاستعداد لعواقب الهجوم البري الإسرائيلي على غزة الذي ستنتج منه موجة محتملة من اللاجئين الفلسطينيين إلى أوروبا. وأوضح أن الصيغة التوفيقية تكون بقدرة إسرائيل على ممارسة حق الدفاع عن النفس، ولكن فقط في إطار القانون الدولي، وهذا ما ينبغي أن يكون بحده الأدنى مجرد القاسم المشترك لدول التكتل الأوروبي.

ألمانيا و”تربيع الدائرة”

وسعى وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي خلال اجتماعهم الاثنين في لوكسمبورغ إلى “التحدث بصوت واحد” وتوحيد المسار الأوروبي بخصوص أحداث المنطقة، لكن الاصطفافات تظهرت مجدداً مع عدم رغبة دول كألمانيا والنمسا والتشيك في الانضمام إلى إسبانيا وسلوفينيا وأيرلندا وبلجيكا المؤيدة لدعوات الأمين العام للأمم المتحدة لوقف فوري لإطلاق النار والسماح بالوصول الآمن للمساعدات الإنسانية إلى غزة. وسيناقش رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي خلال الأيام المقبلة في بروكسل الحرب في منطقة الشرق الأوسط.

المصدر: النهار العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى