قراءة في رواية : أولاد سكيبة  او خروج الأقدام الحافية .

احمد العربي.

منذر بدر حلوم روائي سوري متميز ، رواية اولاد سكيبة او خروج الأقدام الحافية هي رابع رواية أقرأها له. وهي تتابع سرد واقع حياة أهل الساحل السوري العلويين في قراهم على حقيقتها وفي بساطتها وبكل شفافية في المرحلة التي بدأت تدخل متغيرات عميقة داخل هذه البنية جراء تبعيات سيطرة الاسد الاب على السلطة في سورية بعد عام ١٩٧٠م. وبداية عسكرة الطائفة واستدراج ابناءها ليكونوا في الجيش والامن ولينتشروا في سوريا كلها، على خلفية هذا التمدد للسلطة وجيشها وامنها وفي مرافق الدولة كلها…

قرية “عين الغار” على جبال الساحل بجوار مدينة اللاذقية السورية اهلها يعيشون على الزراعة وصيد الاسماك وبالعمل في معمل الاسمنت المجاور لهم، وبعضهم يعمل سرا في انتاج الفحم من قطع الاشجار وتفحيمها بالتوافق مع المسؤولين الذين يغضون الطرف بعد ان يأخذوا اتاوتهم طبعا…

في عين الغار حييّن الفوقاني وهو لاغنياء القرية والتحتاني لفقراءها. كما تقسم القرية بين المشايخ وهم القيّمون على امور الدين والعوام وهم الناس العاديين. وهناك تداخل في هذه التقسيمات فهناك مشايخ فقراء وهناك عوام اغنياء…

احداث الرواية في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي. وهذا يعني ان تبعات استلام الاسد الاب للسلطة في سورية قد انعكست على القرية والمناطق العلوية في جبال الساحل باشكال مختلفة. فمثلا مختار القرية وهو يعتبر المسؤول الاول فيها. كان مساعد اول في الامن وعند تقعده اصبح المختار. امضى عمره في الفروع الامنية وعاين دورها مع الجيش في القمع واعتقال الناس وزجهم بالسجون والتعذيب والقتل…

 تومئ الرواية لاحداث الصراع بين النظام والطليعة المقاتلة بحماة. وكيف اطلق النظام يد جيشه ومخابراته خاصة سرايا الدفاع لتستبيح حماة قتلا وسرقة لخيراتها في معمعة ما سمي القضاء على المخربين الاسلاميين. المختار المسؤول الامني السابق كان يحضر الذهب الحموي المسروق من اهلها. لتلبسه زوجته “ذهب حماه” وليبني بيته الذي جعله كبيرا كذلك شراء الاراضي وليتوسع اكثر بالسطو على املاك الدولة. ونموذج آخر ذلك الذي كان يخدم في الجيش ويعمل في كازية توزع الوقود وكيف كان يسرق من الوقود بالتوافق مع مسؤوله ويبيعه للمهربين وكيف جنى الكثير من المال، وعندما انتهى دوره سُرّح من الجيش ليتمتع بما سرق وهو القليل مما سرقه لصالح معلمه الذي يحميه… انهم مجرد نماذج…

المختار نموذج عن مسؤولي القرية وهم نموذج عن مسؤولي سورية كلها. فالجبال تتوجت بالقصور والمزارع لهؤلاء المسؤولين…

هذا غير طبقة العسكر الذين تطوعوا في الجيش وسرايا الدفاع وتوزعوا في كل سوريا في عشوائيات حول المدن والبلدات السورية…

كذلك تم ازاحة طبقة رجال الدين “المشايخ” من دورهم القيادي المجتمعي. فهم ليسوا فقط اوصياء على الدين ونقله للعوام وتعليمهم اياه، هم ايضا ميزان العدالة والقيم ومرجعيات للناس في كل شؤونهم المجتمعية ، في فض نزاعاتهم وحل مشكلاتهم وعقد زواجاتهم وطلاقاتهم وكل امورهم… اُستبعد هؤلاء الشيوخ من قبل النظام او هم آثروا عدم التورط مع موبقات السلطة التي استباحت لنفسها كل شيء نموذجهم في الرواية جدّ علي جاد الصغير… وسرعان ما خلق النظام لنفسه طبقة من المشايخ في الطائفة؛ عملها الاساسي التطبيل والتزمير للنظام والرئيس . نموذجهم في الرواية الشيخ الهدهد…

في القرية كما كل قرى الساحل مزار حيث يكون به قبر لشيخ سابق هو مكان لايفاء النذور وللتبرك، به يستفتحون كل المناسبات التي يودون ان يقوموا بها وينتظرون الخير وان يتم التوفيق لهم، بدء من ارتياد مزارهم وتقديم الهدايا والاعطيات والذبائح  هناك ، حيث يعاد توزيعها بتوجيه الشيوخ على اهل القرية خاصة الفقراء منهم…

حدث الرواية المركزي كان مجيء قوة كبيرة من الجيش حيث صعدت الى اعلى القرية حيث مقابرها واستقرت فوقها دون رعاية لحرمتها، وكيف راقبها شباب ومراهقي القرية مستائين من هذا الحضور العنجهي المقصود به كسر شوكة القرية التي يبدوا ان فيها ما يظهر تمردها على النظام الحاكم او عدم تقبلها له بما يستحق من التبجيل والطاعة والنفاق، كانت التوجيهات للقوة العسكرية ارعاب اهل القرية واظهار قوة السلطة وحضورها ويدها الباطشة لمواجهة اي نزعة تمرد او عدم تقبل السلطة بكل افعالها…

انقسم اهل البلدة بين وجهائها الذين ينعمون من خير النظام ويضربون بسيفه المرحبين بالقوة العسكرية القادمة للقرية وبكل مايريد قادته. وبين جيل الشباب والمراهقين المتمردين الذين يرديدون ان يردوا على عنجهية الجيش المجتاح للقرية ولحرمات المقابر بحيث يوصلون رسالتهم لهم انه غير مرحب بهم…

الوجهاء ارسلوا رسلا عنهم لضباط الجيش الذين يقودون العسكر الذين استقروا عند مقابر البلدة ودعوهم لوليمة طعام يذبح بها الخراف على شرفهم. وهم استجابوا وقبلوا ووعدوا بالمجيء. اما مراهقي القرية فقد بدؤوا يعملون لتصل رسالة رفضهم للعسكر. نسيبة المتمردة زرعت اصبع ديناميت في موقد بيت المختار الذي ستتم فيه الوليمة. وسرقوا مصاغ الآخر الذي كان مسؤلا عن وقود الجيش المسروق… علي جاد الصغير ورفاقه الآخرين ذبحوا حمارا ووضعوه على طريق العسكر وكذلك الحجارة ليقولوا لهم نحن نرفضكم…

في القرية مؤشر مهم على محبتهم وولائهم لعلي رضي الله عنه. كل شباب القرية ورجالها هم علي او ابو علي… بطلنا الصغير في الرواية هو علي جاد الصغير وهو امتداد لخاله علي جاد الكبير. المختار ابو علي مروان … الخ.

في القرية الناس تعرف بعضها بكل التفاصيل. لا سر في القرية، المشاعر حاضرة ، الرجال وتخوفهم من نسائهم. النساء وعيشهم في اريحية وثقة عالية في النفس. لكل انسان في القرية حكاية وهوى ومطالب وامنيات. تغوص الرواية في ذاتيات الكثير من شخصياتها . تكاد تكون الرواية مرجع اجتماعي بحثي لكل الناس في القرية تقريبا. اولاد سكيبة رواية الجماعة وليس رواية شخصيات محورية. في الجماعة كل افرادها حالات نوعية مختلفةوفيما بينها وكل يسبح في بحره ليصل الى مراده…

الشرطي العنّين العاجز جنسيا وزوجته المتطلبة التي تريد حقها الجسدي الجنسي من زوجها، وهو غير قادر على ذلك. تبحث عن مخرج وتجده عند حميروش الشاب الاقرب للبله لكنه يمتلك قدرة جنسية كبيرة. تخلق امه التي تعاني لاجله فرصة للتواصل بين زوجة الشرطي وابنها وتحل مشكلة الاثنين ويرتويان جنسيا. وليشكل ذلك عقدة حياة للشرطي الذي يقرر قتل حميروش الابله يخطط لذلك…

اولاد القرية بقيادة نسيبة وعلي جاد الصغير يتداعوا مع ابن المختار علي الذي يختلف مع والده ويقف ضده في مواجهة العسكر ليفعلوا شيئا يوقف زحف العسكر على القرية…

العسكر لهم خططهم دخلوا القرية من كل الجهات يطلقون آلالف الطلقات من اسلحتهم ويفجرون الكثير من المتفجرات الصوتية. يرعبون القرية. يذهبون الى حيث الوليمة. لكن سيجدون امامهم جثة حميروش الابله مقتولا. الكل يتوقع ان القاتل هو الشرطي بينما سلاح الشرطي لم يطلق منه شيء رغم كونه خطط لقتل عشيق زوجته. لكنه عجز عن الفعل. لا بد ان الجيش قتله بإطلاقه العشوائي وسوف يُتهم الشرطي بذلك…

هذا ما لم تقله الرواية في خاتمتها…

تنتهي الرواية بمقتل حميروش الابله والجيش يبحث عن القاتل…

في التعقيب على الرواية اقول:

اننا امام رواية متميزة اخرى لمنذر بدر حلوم. تميزها يكمن في انها تدخلنا الى بيت الطائفة العلوية. قريتها النموذجية التي منها يخرج الجنود للجيش وسرايا الدفاع والمخابرات والافرع الامنية ويتغلغلون في اجهزة الدولة كلها. هذه القرية وبالتالي العلويين عموما ليسوا كلهم على قلب واحد داعم للاسد الاب وبالتالي ليست مع ابنه.  النظام احتل الطائفة كلها وساقها لخدمة مصالحه ليظهروا كلهم كطائفة اعداء للشعب واعداء لانفسهم. نموذج حماة وما حصل فيها من قتل ونهب وسرقة وتدمير. وبعد زمن الرواية نموذج سوريا كلها وما اصابها على كل المستويات بعد ثورة شعبها في ربيع عام ٢٠١١م. حيث استبيحت البلاد والحرمات وسيطر القتل والتدمير وخرجت الانتماءات ما قبل الوطنية الطائفية وغيرها لتكون هي الموجّه للقتلة ولضحاياهم من بقية الشعب وليضيع السوريين على كل المستويات…

نعم تقول الرواية ان العلويين في سوريا ليسوا كلهم مع النظام . نقبل ذلك ونتمناه، نعلم ان الكثير من ابناء الطائفة ومن مثقفيها خاصة اليساريين قد اعتقلهم النظام لسنوات طويلة لكونهم رفضوه وعملوا لمواجهته كل حسب خلفياته الفكرية والسياسية. الجامع بينهم وبين المعارضين من ابناء بقية الشعب السوري اسقاط الاستبداد والطائفية وبناء الدولة الديمقراطية العادلة…

  مع ذلك المطلوب من المعارضين من اهلنا العلويين اكثر الآن وفي هذه المرحلة وهو ان يقف المختلفين مع النظام والرافضين لوحشيته واستبداده ولاحتلال الطائفة من قبلع كل بقدر ما يستطيع ليعلنوا انتماؤهم للشعب السوري كله بمطالبه الحقة ويستنهضوا اهل الساحل ليلتحقوا كبنية مجتمعية وليس افراد في صف الثورة السورية. وبذلك نؤمن اللحمة الوطنية السورية ونتأكد انها مازالت موجودة واننا نعتمد عليها في مستقبل الايام لسوريا الحرة العادلة الديمقراطية القادمة حتما…

نموذجنا للذين يقولون كلمتهم في مواجهة النظام من اهلنا العلويين الروائي المبدع منذر بدر حلوم…

وغير ذلك توقفت كثيرا امام الحس الفلسفي عند منذر بدر حلوم . الحياة دون تفلسف لتعرف المعنى والمبرر للوجود ولكل شيء حياة اقرب للموات…

 عند منذر كل شيء تحت مجهر التفكر ومنطق الفهم والتنوير حاضر كل الوقت إنه كالجواهرجي من حجر الماس الذي يحوله بدأب وحرفية عالية الى جوهرة مشرقة…

كما اخذتني تقنياته الكتابية فهناك دائما الجديد الجميل المبهر…

وماذا بعد…

ننتظر ابداعات جديدة لكاتبنا المتميز منذر بدر حلوم…

٢٩ . ٩ . ٢٠٢٣م.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى