معركة بوتين الأخيرة ||  بشائر الهزيمة الروسية وأخطارها

ليانا فيكس  مايكل كيماج

This post has already been read 12 times!

كان من المفترض أن تكون حرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا تتويجاً لإنجازاته، وإثباتاً للتقدم الذي أحرزته روسيا منذ انهيار الإمبراطورية السوفياتية عام 1991. وكان يفترض أيضاً أن يشكل ضم أوكرانيا خطوة أولى في إعادة بناء إمبراطورية روسية. لقد كان بوتين ينوي فضح حقيقة أن الولايات المتحدة خارج أوروبا الغربية هي “نمر من ورق” [أي أنها دولة قوية ظاهرياً وضعيفة في الواقع] وإثبات أن روسيا، إلى جانب الصين، قدر لها أن تؤدي دوراً قيادياً في نظام دولي جديد متعدد الأقطاب.

بيد أن الأمور لم تسر بهذه الطريقة. صمدت كييف، وتحول الجيش الأوكراني إلى قوة هائلة، ويرجع الفضل في ذلك جزئياً إلى الشراكة الوثيقة مع الولايات المتحدة والحلفاء الغربيين. في المقابل، أظهر الجيش الروسي تفكيراً استراتيجياً وتنظيماً ضعيفين، وتبين أن النظام السياسي الذي يقف وراءه ويدعمه غير قادر على التعلم من الأخطاء المرتكبة. وفي ظل وجود أمل ضئيل في أن تتمكن دول الغرب من أن تملي على بوتين تصرفاته، سيتعين عليها الاستعداد للمرحلة التالية من الحرب الكارثية التي اختارت روسيا شنها.

في الواقع، تتسم الحرب بطبيعة لا يمكن التنبؤ بها. وأدى مسار الصراع إلى إبطال التكهنات المبكرة الواسعة الانتشار بأن أوكرانيا ستسقط بسرعة، إذاً من المستحيل استبعاد تبدل مسار الظروف بشكل مفاجئ. وعلى رغم ذلك، يبدو أن روسيا تتجه نحو الهزيمة، إلا أن ما ليس معروفاً على وجه اليقين هو الشكل الذي ستتخذه هذه الهزيمة. وفي ذلك الإطار، هناك ثلاثة سيناريوهات أساسية، سيكون لكل منها تداعيات مختلفة على صانعي السياسة في الغرب وأوكرانيا.

الكلام ليس سبيلاً للنجاة

سيكون من الصعب لا بل من المستحيل ربما محاولة إقناع بوتين بالهزيمة من خلال المفاوضات (بينما سيصبح ذلك أكثر ترجيحاً في عهد خليفة له). وسيطالب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي موسكو بالتخلي عن مزاعمها بأحقيتها في الأراضي التي تسيطر عليها روسيا شكلياً في دونيتسك وخيرسون ولوغانسك وزابوريجيا، بيد أن بوتين سبق أن أقام احتفالاً كبيراً متفاخراً بضم هذه المناطق، ومن المستبعد أن يغير موقفه بعد هذا التباهي والاستعراض الوطني على رغم سيطرة روسيا الضعيفة على هذه المنطقة. وأي زعيم روسي، سواء كان بوتين أو أي شخص آخر، سيعارض التنازل عن شبه جزيرة القرم، وهي جزء من أوكرانيا ضمته روسيا عام 2014.

والجدير بالذكر أن الظروف على أرض الواقع في روسيا يجب أن تكون مواتية لتقديم تنازلات. وسيتعين على القيادة الروسية الجديدة أن تتعامل مع جيش محبط والمراهنة على رأي عام راضخ وراض بالاستسلام. ومن الممكن أن يصبح الروس في النهاية غير مبالين إذا استمرت الحرب من دون حل واضح. لكن من المرجح أن يستمر القتال في أجزاء من شرق أوكرانيا، وأن تظل التوترات بين البلدين شديدة.

وعلى رغم ذلك، ربما يؤدي الاتفاق مع أوكرانيا إلى تطبيع العلاقات مع الغرب. وسيشكل ذلك حافزاً قوياً لزعيم روسي أقل عسكرة من بوتين، وسيجذب عدداً كبيراً من الروس. يمكن أيضاً إقناع القادة الغربيين بالضغط من أجل مفاوضات ترمي إلى إنهاء الحرب، بيد أن العقبة هنا هي التوقيت. في الشهرين الأولين بعد غزو فبراير (شباط) 2022، أتيحت لروسيا فرصة للتفاوض مع زيلينسكي والاستفادة من قوتها في ساحة المعركة. ولكن بعد الهجمات المضادة الناجحة التي شنتها أوكرانيا، لم يكن لدى كييف سبب وجيه للتنازل عن أي شيء على الإطلاق. ومنذ الغزو، صعدت روسيا الموقف ورفعت حدة أعمالها العدائية السابقة عوضاً عن إظهار استعداد لتقديم تنازلات. لكن من الممكن أن ينجح زعيم أقل عناداً من بوتين في دفع أوكرانيا إلى التفكير في التفاوض. وفي مواجهة الهزيمة، ربما يلجأ بوتين إلى التهجم على المسرح العالمي. لقد وسع بشكل مطرد إطار اتهاماته في هذه الحرب، مدعياً أن الغرب يخوض معركة بالوكالة ضد روسيا بهدف تدمير البلاد. وكانت خطاباته عام 2022 عبارة عن نسخ أكثر جنوناً لخطابه في مؤتمر ميونيخ الأمني قبل 15 عاماً الذي شجب فيه الاستثنائية الأميركية، بحجة أن الولايات المتحدة “تجاوزت حدودها الوطنية من كل النواحي”.

في الواقع، إن خطاب بوتين الذي يعتبر مزيجاً من التبجح والترهات وجس النبض كان يهدف إلى حشد الروس عاطفياً. ولكن هناك أيضاً منطقاً تكتيكياً وراء ذلك: على رغم أن توسيع الحرب خارج أوكرانيا لن يساعد بوتين في الفوز بالمنطقة التي يتوق إلى السيطرة عليها، إلا أنه قد يمنع أوكرانيا والغرب من كسب الصراع. وتمهد لغة بوتين العدائية الطريق للتصعيد ومواجهة القرن الـ21 مع الغرب التي ستسعى روسيا من خلالها إلى استغلال ميزاتها الخاصة كدولة مارقة أو إرهابية.

ربما تشمل أدوات المواجهة الروسية استخدام الأسلحة الكيماوية أو البيولوجية داخل أوكرانيا أو خارجها. ويمكن لبوتين تدمير خطوط أنابيب الطاقة أو البنية التحتية الموجودة في قاع البحار أو شن هجمات إلكترونية على المؤسسات المالية في الغرب. وقد يكون استخدام الأسلحة النووية التكتيكية هو ملاذه الأخير. في خطاب ألقاه في 30 سبتمبر (أيلول)، أثار بوتين موضوع هيروشيما وناغازاكي، وقدم تفسيرات مشوشة لمرحلة نهاية الحرب العالمية الثانية. ولكن بعبارة ملطفة، هذه المقارنة غير دقيقة. إذا كانت روسيا ستستخدم سلاحاً نووياً تكتيكياً في أوكرانيا، فهذا لن يجعل كييف تستسلم. وأحد الأسباب هو أن الأوكرانيين يعرفون أن الاحتلال الروسي يعادل زوال بلادهم، بينما كان الوضع مختلفاً بالنسبة إلى اليابان عام 1945. إضافة إلى ذلك، كانت اليابان تخسر الحرب في ذلك الوقت. في المقابل، اعتباراً من أواخر عام 2022، فإن الجهة الخاسرة كانت روسيا، القوة النووية.

ستكون عواقب أي هجوم نووي كارثية، وليس على الشعب الأوكراني فحسب. وعلى رغم ذلك، ستستمر الحرب، ولن تقدم الأسلحة النووية مساعدة تذكر للجنود الروس على الأرض، بل ستواجه روسيا بسببها غضباً دولياً. حتى هذه اللحظة، لم تدن البرازيل والصين والهند الغزو الروسي، ولكن لا توجد أي دولة تدعم موسكو حقاً في حربها المروعة، ولن يدعم أي منها استخدام الأسلحة النووية. لقد أوضح الرئيس الصيني شي جينبينغ ذلك علناً في نوفمبر (تشرين الثاني)، فبعد أن التقى بالمستشار الألماني أولاف شولتز، أصدر بياناً أعلن فيه أن القادة “يعارضون بشكل مشترك استخدام الأسلحة النووية أو التهديد باستخدامها”. وإذا تحدى بوتين هذا التحذير، فسيتحول إلى شخص منبوذ ومعزول، معاقب اقتصادياً وربما عسكرياً من قبل تحالف عالمي.

إذاً، بالنسبة إلى روسيا، فإن التهديد باستخدام أسلحة نووية له فائدة أكبر من استعمالها حقاً على أرض الواقع، بيد أن بوتين قد يتابع سيره في هذه الدرب: فعلى رغم أن الغزو كان خطوة غير مدروسة على الإطلاق، إلا أنه أقدم عليها. وإذا اختار كسر المحرمات النووية، فمن غير المرجح أن يرد حلف “الناتو” بالمثل، وذلك من أجل تجنب المخاطرة بوقوع مواجهة نووية كارثية. في المقابل، من المرجح أن يرد الحلف بالقوة التقليدية من أجل إضعاف الجيش الروسي ومنع مزيد من الهجمات النووية، مما يخاطر بحدوث دوامة تصعيدية إذا ردت روسيا بدورها على “الناتو” بهجمات تقليدية.

حتى لو أمكن تجنب هذا السيناريو، ستبقى لهزيمة روسيا بعد الاستخدام النووي تداعيات خطرة، إذ إنها ستخلق عالماً يفتقر إلى التوازن النووي غير المثالي الذي كان موجوداً في الحرب الباردة وخلال حقبة استمرت 30 عاماً بعد الحرب الباردة. وستشجع القادة في جميع أنحاء العالم على اللجوء إلى الأسلحة النووية، إذ سيبدو بالنسبة إليهم أن سلامتهم لن تكون مضمونة إلا من خلال الحصول على أسلحة نووية وإبداء الاستعداد لاستخدامها. وسيترتب على ذلك عصر انتشار فوضوي، الأمر الذي سيلحق ضرراً بالغاً بالأمن العالمي.

العبء ثقيل

حتى الآن، لم ينتفض الجمهور الروسي لمعارضة الحرب. ربما يكون الروس متشككين في شأن بوتين وغير واثقين بحكومته، بيد أنهم في الوقت نفسه لا يريدون لأبنائهم وآبائهم وإخوانهم الذين يرتدون الزي العسكري أن يخسروا في ساحة المعركة. بعد أن اعتاد معظم الروس على مر القرون على مكانة روسيا كقوة عظمى وعلى عزلتهم عن الغرب، فإنهم لا يرغبون في أن تصير بلادهم مجردة من أي قوة ونفوذ في أوروبا، علماً أن ذلك سيكون نتيجة طبيعية لهزيمة روسيا في أوكرانيا.

على رغم ذلك، فإن حرباً طويلة من شأنها أن تلزم الروس مستقبلاً قاتماً ومن المحتمل أن تشعل شرارة ثورية في البلاد. لقد وقعت إصابات كثيرة في صفوف الروس، ومع تنامي قوة الجيش الأوكراني فهو قد يتسبب في خسائر أكبر. وفي الواقع، كان نزوح مئات آلاف الشباب الروس، ومن بينهم كثيرون من ذوي المهارات العالية، مثيراً للعجب. بمرور الوقت، سيؤدي مزيج الحرب والعقوبات وهجرة الأدمغة إلى أضرار جسيمة، وقد يلقي الروس اللوم في النهاية على بوتين الذي انطلق في مسيرته الرئاسية معلناً نفسه مؤيداً للتحديث والتجديد. والجدير بالذكر أن الروس بمعظمهم كانوا بمأمن من حروبه السابقة لأنها بشكل عام حدثت بعيداً من الجبهة الداخلية ولم تكن تحتاج إلى تعبئة جماهيرية لسد النقص في صفوف الجنود. ولكن هذه ليست الحال بالنسبة إلى الحرب في أوكرانيا.

تمتلك روسيا تاريخاً عريقاً في تغيير النظام في أعقاب الحروب الفاشلة. لقد ساعدت الحرب الروسية- اليابانية في 1904–1905 والحرب العالمية الأولى على اندلاع الثورة البلشفية. ثم عام 1991، جاء انهيار الاتحاد السوفياتي بعد عامين على انتهاء المغامرة العسكرية السوفياتية السيئة في أفغانستان. كذلك، اندلعت ثورات في روسيا عندما فشلت الحكومة في تحقيق أهدافها الاقتصادية والسياسية ولم تكن تستجيب للأزمات. عموماً، ما شكل الضربة القاضية كان انهيار الأيديولوجيا الأساسية التي اتبعتها الحكومة، مثلما حدث عندما فقد النظام الملكي والقيصرية شرعيتهما في روسيا وسط الجوع والفقر والجهود الحربية المتعثرة عام 1917.

إن بوتين معرض للخطر في كل تلك التصنيفات المذكورة، إذ إن إدارته للحرب مروعة، وبطريقة موازية فالاقتصاد الروسي يشهد انكماشاً تحت حكمه. وفي مواجهة هذه الاتجاهات الكئيبة، استمر بوتين في ارتكاب الأخطاء نفسها، وبقي مصراً طوال الوقت على أن الحرب تسير “وفقاً للخطة”. في الحقيقة، يمكن للقمع أن يحل بعض مشكلاته، فالقبض على المعارضين ومحاكمتهم قد يهدئ الاحتجاجات في البداية، بيد أن قبضة بوتين الحديدية تنطوي أيضاً على خطر إثارة مزيد من الاستياء.

وإذا أطيح بوتين، فمن غير الواضح من سيخلفه. للمرة الأولى منذ وصوله إلى السلطة عام 1999، فإن “سلطته العمودية”، وهي عبارة عن تسلسل هرمي حكومي شديد المركزية يعتمد على الولاء للرئيس الروسي، فقدت بعضاً من عموديتها. وهناك متنافسان محتملان خارج هياكل النخبة التقليدية، هما يفغيني بريغوزين، رأس مجموعة “فاغنر”، وهي مجموعة عسكرية تعاقدية خاصة وفرت المرتزقة للحرب على أوكرانيا، ورمضان قديروف، زعيم جمهورية الشيشان. ربما يميلان إلى التخلص تدريجاً من بقايا سلطة بوتين العمودية، مما يشجع الاقتتال الداخلي في النظام على أمل الحصول على موقع مهم في هيكل السلطة الجديد لروسيا بعد رحيل بوتين. يمكنهما أيضاً محاولة الاستحواذ على تلك السلطة. لقد سبق أن بدآ يمارسان ضغوطاً على قيادة الجيش الروسي ووزارة الدفاع رداً على الإخفاقات في الحرب، وحاولا توسيع قواعد سلطتهما بدعم من القوات شبه العسكرية الموالية. في المقابل، يمكن أن يأتي متنافسون آخرون من دوائر النخبة التقليدية، على غرار الإدارة الرئاسية أو مجلس الوزراء أو الجيش وقوات الأمن. ومن أجل إحباط المكائد المحاكة في القصر، أحاط بوتين نفسه بأشخاص متوسطي القدرة وغير مميزين على مدى الـ20 عاماً الماضية. لكن حربه الفاشلة تهدد قبضته على السلطة. وإذا كان يصدق خطبه الأخيرة حقاً، فربما يكون قد أكد لمرؤوسيه بأنه يعيش في عالم الخيال.

هناك فرص ضئيلة جداً بأن يكون الرئيس الروسي المقبل ديمقراطياً موالياً للغرب. والأرجح أن يتولى المنصب زعيم استبدادي على الطراز البوتيني. في الواقع، يمكن لقائد من خارج السلطة العمودية إنهاء الحرب والتفكير في علاقات أفضل مع الغرب. في المقابل، فالزعيم الذي يأتي من داخل الكرملين في عهد بوتين لن يحظى بهذا الخيار لأن السمعة التي ستلازمه هي أنه كان داعماً للحرب. والجدير بالذكر أن التحدي المتمثل في أن تصبح بوتينياً بعد بوتين سيكون تحدياً هائلاً.

وأحد التحديات المطروحة هو الحرب التي لن يكون من السهل لخليفته أن يديرها، لا سيما إذا كان يشارك بوتين حلم استعادة مكانة روسيا كقوة عظمى. أما التحدي الآخر، فيتمثل في بناء الشرعية في نظام سياسي من دون أي من مصادره التقليدية. لا تملك روسيا دستوراً يمكن التحدث عنه ولا نظاماً ملكياً. أي شخص كان يتبع بوتين سيفتقر إلى الدعم الشعبي ويجد صعوبة في تجسيد الأيديولوجية السوفياتية الجديدة [النيو سوفياتية] والإمبريالية الجديدة [النيو إمبريالية] التي أصبح بوتين يجسدها.

في أسوأ الأحوال، ربما يؤدي سقوط بوتين إلى اندلاع حرب أهلية وتفكك روسيا. وسوف يتم التنازع على السلطة في القمة، وستتشرذم سيطرة الدولة في جميع أنحاء البلاد. يمكن أن تكون هذه الفترة بمثابة صدى لـ”زمن الاضطرابات”، أو ما يعرف بـ “سموتا” smuta في اللغة الروسية، وهي أزمة خلافة استمرت 15 عاماً في أواخر القرن الـ16 وأوائل القرن الـ17 تميزت بالتمرد وغياب القانون والغزو الأجنبي. ينظر الروس إلى تلك الحقبة على أنها فترة إذلال يجب تجنبها بأي ثمن. ويمكن أن تشهد مشكلات القرن الـ21 في روسيا ظهور أمراء الحرب من الأجهزة الأمنية والانفصاليين العنيفين في المناطق المنكوبة اقتصادياً في البلاد التي تضم بمعظمها أعداداً كبيرة من الأقليات العرقية. وعلى رغم أن روسيا الغارقة في الاضطرابات قد لا تتمكن من إنهاء الحرب رسمياً في أوكرانيا، إلا أنها ببساطة قد تعجز عن إدارة هذه الحرب، وفي هذه الحالة يمكن لأوكرانيا استعادة سلامها واستقلالها بينما تنزلق روسيا إلى الفوضى.

وكيل الفوضى

إن غزو بوتين لأوكرانيا، باعتباره الخطوة الأولى في إعادة تشكيل إمبراطورية روسية، كان له تأثير معاكس. فالحرب أضعفت قدرته على استعمال القوة والعنف مع جيران روسيا. وعندما خاضت أذربيجان مناوشة حدودية مع أرمينيا في العام الماضي، رفضت روسيا التدخل نيابة عن أرمينيا، على رغم أنها حليف رسمي لها.

وهناك ديناميكية مماثلة في كازاخستان. لو استسلمت كييف، كان من الممكن أن يقرر بوتين غزو كازاخستان بعد ذلك، إذ إن هذه الجمهورية السوفياتية السابقة تضم عدداً كبيراً من السكان من أصل روسي، وبوتين لا يحترم الحدود الدولية. وهناك احتمال آخر يلوح في الأفق الآن: إذا شهد الكرملين تغييراً في النظام، فربما يحرر كازاخستان من قبضة روسيا تماماً، مما يسمح لتلك الدولة بأن تكون ملاذاً آمناً للروس المنفيين. ولن يكون هذا هو التغيير الوحيد الذي يطرأ على المنطقة. في جنوب القوقاز ومولدوفا، ربما تتجدد الصراعات القديمة وتشتد. ويمكن أن تواصل أنقرة دعم شريكتها أذربيجان ضد أرمينيا. وإذا فقدت تركيا مخاوفها من الإدانة الروسية، فهي قد تحث أذربيجان على المضي قدماً في شن مزيد من الهجمات على أرمينيا. في سوريا، سيكون لدى تركيا سبب لتكثيف وجودها العسكري في حال تراجعت روسيا.

إذا انتشرت حال من الفوضى في روسيا، فمن الممكن أن تتصرف جورجيا بحرية أكبر. سوف يزول ظل القوة العسكرية الروسية الذي خيم على البلاد منذ الحرب الروسية- الجورجية عام 2008. وقد تواصل جورجيا سعيها إلى العضوية في الاتحاد الأوروبي في نهاية المطاف، على رغم تجاهل ترشحها للانضمام في العام الماضي بسبب الاضطرابات في الداخل والافتقار إلى الإصلاحات الداخلية. إضافة إلى ذلك، إذا انسحب الجيش الروسي من المنطقة، قد تندلع النزاعات مرة أخرى بين جورجيا وأوسيتيا الجنوبية من جهة وبين جورجيا وأبخازيا من جهة أخرى. ومن المحتمل أن تظهر هذه الديناميكية أيضاً في مولدوفا ومنطقة ترانسنيستريا الانفصالية، حيث يتمركز الجنود الروس منذ عام 1992. وربما يشكل ترشح مولدوفا لعضوية الاتحاد الأوروبي الذي أعلن عنه في يونيو (حزيران) 2022، مهرباً لها من هذا الصراع الطويل الأمد. ومن المؤكد أن الاتحاد الأوروبي على استعداد لمساعدة مولدوفا في حل النزاع.

إن التغييرات في القيادة الروسية قد تزعزع بيلاروس، حيث يتلقى الديكتاتور ألكسندر لوكاشينكو دعماً بالأموال والقوة العسكرية الروسية. إذا سقط بوتين، فعلى الأرجح سيكون لوكاشينكو هو التالي. وتوجد بالفعل حكومة بيلاروسية قائمة في المنفى: أصبحت سفيتلانا تيخانوفسكايا التي تعيش في ليتوانيا، زعيمة المعارضة في البلاد عام 2020 بعد أن سجن زوجها لأنه حاول الترشح ضد لوكاشينكو. ولكن يمكن إجراء انتخابات حرة ونزيهة، مما يسمح للبلاد بإنقاذ نفسها من الديكتاتورية، إذا نجحت في الانعزال عن روسيا. وإذا لم تستطع بيلاروس نيل استقلالها، قد يمتد الصراع الداخلي الروسي المحتمل إلى هناك، الأمر الذي سيؤثر بدوره في جيران مثل لاتفيا وليتوانيا وبولندا وأوكرانيا.

إذا كانت روسيا ستتفكك حقاً وتفقد نفوذها في أوراسيا، فإن جهات فاعلة أخرى مثل الصين ستتدخل لتحل مكانها. قبل الحرب، كانت الصين تمارس في الغالب نفوذاً اقتصادياً أكثر منه عسكرياً في المنطقة. لكن هذا كله بدأ يتغير، فالصين تتقدم في آسيا الوسطى، ومن الممكن أن تكون دول جنوب القوقاز والشرق الأوسط مناطق الغزو التالية.

إن روسيا مهزومة ومزعزعة داخلياً قد تستدعي اعتماد نموذج جديد للنظام العالمي، إذ إن النظام الدولي الليبرالي السائد يتمحور حول الإدارة القانونية للقوة، ويشدد على القواعد والمؤسسات المتعددة الأطراف. لقد كان نموذج المنافسة بين القوى العظمى، وهو المفضل لدى الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، يدور حول توازن القوى، باعتبار أن مجالات النفوذ تشكل ضمنياً أو ظاهرياً مصدر النظام الدولي. إذا تعرضت روسيا لهزيمة في أوكرانيا، فسيتعين على صانعي السياسة أن يأخذوا في الحسبان وجود القوة وغيابها، لا سيما غياب القوة الروسية أو تراجعها الشديد. وسيكون لتقليص حجم روسيا تأثير في الصراعات في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك تلك المندلعة في أفريقيا والشرق الأوسط، ناهيك عن أوروبا. وعلى رغم ذلك، فإن روسيا المتقلصة أو المكسورة لن تكون بالضرورة تبشيراً بعصر ذهبي يعم فيه النظام والاستقرار.

في الواقع، ستمثل روسيا المهزومة تغييراً ملحوظاً بالمقارنة مع العقدين الماضيين عندما كانت البلاد قوة صاعدة. خلال تسعينيات القرن الماضي وحتى العقد الأول من هذا القرن، طمحت روسيا بشكل اعتباطي إلى الاندماج في أوروبا والشراكة مع الولايات المتحدة، وانضمت إلى مجموعة الثماني ومنظمة التجارة العالمية. إضافة إلى ذلك، ساعدت في جهود الحرب الأميركية في أفغانستان. في الأعوام الأربعة التي كان فيها ديمتري ميدفيديف رئيساً لروسيا، من 2008 إلى 2012، بدا ظاهرياً، بعيداً مما يكمن خلف الكواليس، أن روسيا تجاري النظام الدولي القائم على القواعد.

لكن ربما كانت روسيا القادرة على التعايش سلمياً مع الغرب مجرد وهم منذ البداية. لقد رسم بوتين صورة تبدو توفيقية في وقت مبكر من فترة رئاسته، على رغم أنه كان يخفي في داخله ربما كراهية للغرب وازدراء للنظام القائم على القواعد وحماسة للهيمنة على أوكرانيا طوال الوقت. على أي حال، بمجرد أن عاد إلى سدة الرئاسة عام 2012، انسحبت روسيا من ذاك النظام القائم على القواعد. وسخر بوتين من النظام باعتباره مجرد تمويه يغطي هيمنة الولايات المتحدة. ثم انتهكت روسيا بعنف سيادة أوكرانيا من خلال ضم شبه جزيرة القرم، وأعادت ترسيخ نفسها في الشرق الأوسط من خلال دعم الأسد في الحرب الأهلية في سوريا، وأقامت شبكات من النفوذ العسكري والأمني الروسي في أفريقيا. وأسهمت روسيا الحازمة والصين الصاعدة في ظهور نموذج من المنافسة بين القوى العظمى في بكين وموسكو وحتى في واشنطن ما بعد ترمب.

على رغم أعمال العدوان التي ارتكبتها روسيا، وترسانتها النووية الكبيرة، فهي لا تعتبر بأي حال من الأحوال منافساً نظيراً للصين أو الولايات المتحدة، بيد أن أطماع بوتين وانتهاكاته في أوكرانيا توحي بأنه لم يدرك هذه النقطة المهمة. ولكن نظراً إلى أن بوتين قد تدخل في مناطق مختلفة حول العالم، فإن وقوع هزيمة في أوكرانيا تمزق أوصال روسيا، سيشكل صدمة مدوية بالنسبة إلى النظام الدولي.

من المؤكد أن الهزيمة قد تكون لها عواقب إيجابية على عدد من البلدان المجاورة لروسيا. وفي ذلك السياق، لا نحتاج إلى النظر إلى ما هو أبعد من نهاية الحرب الباردة، عندما سمح انهيار الاتحاد السوفياتي بظهور أكثر من 12 دولة حرة ومزدهرة في أوروبا. في الحقيقة، إن تحول روسيا إلى الداخل قد يساعد في التشجيع على فكرة “أوروبا الكاملة والحرة”، على حد تعبير الرئيس الأميركي جورج بوش الأب في وصفه للتطلعات الأميركية المتعلقة بالقارة بعد انتهاء الحرب الباردة. في الوقت نفسه، يمكن للفوضى في روسيا أن تخلق دوامة من عدم الاستقرار، إذ إن الغوغائية بين القوى العظمى ستتغلب على المنافسة القائمة بين تلك القوى، مما سيؤدي إلى سلسلة من الحروب الإقليمية وتدفق المهاجرين وعدم الاستقرار الاقتصادي.

ربما يكون انهيار روسيا كذلك معدياً أو يشكل بداية سلسلة من ردود الفعل، وفي هذه الحالة لن يستفيد أي من الولايات المتحدة أو الصين لأن كلاهما سيكافح لاحتواء التداعيات. عندئذ، سيحتاج الغرب إلى تحديد أولويات استراتيجية. سيكون من المستحيل محاولة ملء الفراغ الذي قد تتركه الهزيمة الروسية غير المنظمة، وفي آسيا الوسطى وجنوب القوقاز، ستحظى الولايات المتحدة وأوروبا بفرصة ضئيلة لمنع الصين وتركيا من ملء هذا الفراغ. وعوضاً عن محاولة إقصائهما، فالاستراتيجية الأميركية الأكثر واقعية التي يمكن اعتمادها تتمثل في محاولة كبح نفوذهما وتقديم بديل، بخاصة لهيمنة الصين.

كيفما كان الشكل الذي ستتخذه هزيمة روسيا، فإن تحقيق الاستقرار في شرق أوروبا وجنوب شرقها، بما في ذلك البلقان، سيكون مهمة شاقة. وفي جميع أنحاء أوروبا، سيتعين على الغرب أن يجد إجابة إبداعية للأسئلة التي اعتبرت مستعصية بعد عام 1991: هل روسيا جزء من أوروبا؟ إذا لم يكن الأمر كذلك، كم ينبغي أن يبلغ ارتفاع الجدار بين روسيا وأوروبا، وما هي الدول التي يجب أن تحيط بها؟ وإذا كانت روسيا جزءاً من أوروبا، فأين ستندمج بالتحديد وكيف؟ أين تبدأ أوروبا وأين تنتهي؟ وسيكون دمج فنلندا والسويد في “الناتو” مجرد بداية لهذا المشروع. وفي الواقع، تسلط بيلاروس وأوكرانيا الضوء على الصعوبات في حماية الجناح الشرقي لأوروبا إذ إنهما آخر دولتين قد تتخلى فيهما روسيا عن تطلعاتها كقوة عظمى. وحتى إذا دمرت روسيا فهي لن تفقد كل قدراتها العسكرية النووية والتقليدية.

في السنوات الـ106 الماضية، تحطمت نسختان من روسيا، واحدة عام 1917 والأخرى عام 1991. وفي المرتين، أعادت روسيا تشكيل نفسها. إذا ضعفت القوة الروسية، يجب على الغرب الاستفادة من هذه الفرصة من أجل تشكيل بيئة في أوروبا تعمل على حماية أعضاء “الناتو” وحلفائه وشركائه. وستوفر هزيمة روسية فرصاً كثيرة وإغراءات عدة، من بينها توقع اختفاء روسيا المهزومة من أوروبا. لكن روسيا المهزومة تلك ستعيد فرض نفسها يوماً ما وستسعى إلى تحقيق مصالحها وفقاً لشروطها. لذا، يجب أن يكون الغرب مستعداً سياسياً وفكرياً لاندحار روسيا ثم لعودتها من جديد.

ليانا فيكس هي باحثة في الشؤون الأوروبية بمجلس العلاقات الخارجية ومؤلفة كتاب “دور ألمانيا في السياسة الأوروبية تجاه روسيا: قوة ألمانية جديدة؟” Germany’s Role in ?European Russia Policy: A New German Power

مايكل كيماج أستاذ تاريخ في الجامعة الكاثوليكية الأميركية وزميل رفيع في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية. من عام 2014 إلى عام 2016، عمل في فريق تخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأميركية.

مترجم عن فورين أفيرز / يناير-فبراير 2023

المصدر: اندبندنت عربية

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: