عاد مقتدى وسعد “في الثلاجة ينتظر”

خالد بريش

على إيقاعات ألحان وعبارات أصبحت مألوفة وممجوجة في عالم السياسة في بلادنا، تتلخص بـ: استقال سعد.. واعتزل مقتدى.. وانسحب سعد.. واعتكف مقتدى.. وتراجع سعد.. وصرح مقتدى.. وتم تكليف سعد… الخ…
وهي عبارات من كثرة استخدامها في وسائل الإعلام المختلفة تحولت إلى نوع من السخرية والمزاح السمج لدى شريحة من المواطنين. بل أصبح من الممكن إدخالها ضمن أهازيج الأطفال في هذه المرحلة، التي تولى فيها أمور السياسة من لا خبرة لهم بعالم السياسية فكرا وممارسة وتكتيكا وألاعيب، أو بالأحرى شباب سُذّج يعتبرون السياسة مجرد صور وخطب طنانة وتصريحات وعزائم وولائم وكل ما له علاقة بالوجاهات… عبارات وللأسف يعيش على وقعها وترانيمها بلدان عربيان، كانا يشكلان يوماً ثقلاً ثقافياً وسياسياً في الوطن العربي…

الشخصيتان المثيرتان للجدل

حول هاتين الشخصيتين المثيرتين للجدل سال ويسيل حبر كثير، وتدبج مقالات لا عد ولا حصر لها، في الوقت الذي يسرقان فيه الأضواء، ويصفق لهما الأتباع، ويحبسون الأنفاس على وقع تحركاتهما… فمقتدى في العراق يُناور ويُحاور وأحيانا يحصل على بعض المكاسب ولو كانت محدودة. بينما سعد في لبنان يحاول أن يلعب الدور نفسه، ولكنه في غالب الأحيان يُوقّع على ما يريدونه منه، لأنه يُدرك تماما حجمه، خصوصا بعدما اغتالوا ثلة من أركانه، مثل: النائب وليد عيدو والوزير محمود شطح واللواء وسام الحسن، واغتالوا قبلها والده ومجموعة كبيرة من المفكرين وأصحاب الأقلام الحرة والرجال المؤثرين… فغدا بالنسبة لهم مجرد بيدق صغير على طاولة الشطرنج، ولو لم يكونوا بحاجة إليه لدور ما مستقبلا، وأقله شاهد زور على كل ما يقترفونه بحق الوطن والمواطن من جرائم ونهب وعمولات وسمسرات، لكان مصيره اليوم كالآخرين…
كلام كثير قيل ويقال حول التشابه بين الوضع اللبناني والعراقي في المرحلة الحالية، أوليس النجار الذي صنع الأقفال والمفاتيح وركبها واحد…؟ وخصوصا في سيطرة قوى الأمر الواقع المدججة بالسلاح على منظومة الحكم في كليهما، والتي يتم تحريكها من قبل الولي الفقيه في طهران، وسط غياب تام للدولة القائمة وأنظمتها وقوانينها في البلدين، وتحول أجهزتها إلى ما يشبه السراب، بكل ما لهذه الكلمة من معان، وحتى القوى الوطنية الموجودة فيهما والتي تحاول معارضة ومقاومة السيطرة الإيرانية، فإنها تتشابه إلى أبعد الحدود من حيث الضعف والتشرذم والشعارات، أو من حيث كيفية تكميم أفواهها وإغراقها في متاهات الجدل السفسطائي، أو المشاكل الحياتية اليومية…

مآس معيشية واقتصادية

استقال سعد.. واعتكف مقتدى.. ولبنان والعراق ومن خلال حسابات بسيطة لما يحدث فيهما من مآس معيشية واقتصادية يرزح تحتها المواطنون كان من الأولى أن لا تحدث أصلا، لأنهما ليسا بالبلدين الفقيرين مطلقا.
فالعراق بلد نفطي كانت خزينته تفتح أدراجها لدعم المشاريع التنموية والصحية والتعليمية والثقافية، وحتى لدعم بعض الحركات السياسية والأحزاب في دول كثيرة عربية وإفريقية.
وكان يوما مقصدا لملايين الأيدي العاملة العربية وغيرها، من قبل أن يحولوا أعدادا كبيرة من مواطنيه إلى لاجئين… وأما لبنان فإنه يحلو لساسته أن يُشيعوا أنه فقير، وذلك ليبرروا سرقاتهم ونهبهم لخيراته. بينما هو بلد تكفي مداخيله بنود ميزانيته، بل تفيض عنها فيما لو ضبطت جيدا، وتم وقف تسرب الأموال التي تصرف على مشاريع وهمية، وتستقر مخصصاتها في حسابات سرية في الخارج، وفيما لو توقف النهش بلحم أموال خزينته عبر هندسة قوانين لا تخدم الوطن ولا المواطن ولكن حسابات الساسة المصرفية…
بلدان كانا من أوائل الدول العربية التي أضيئت بالكهرباء، وها هما اليوم يعيشان في الظلام بدون كهرباء، مع أنه صرف فيهما على قطاع الكهرباء المليارات التي تكفي لإضاءة نصف القارة الإفريقية…! وكذلك هما بلا ماء صالح للشرب، بعدما ضاعت فيهما المليارات على سدود إما وهمية أو فاشلة أساسا… فلبنان بلد الماء في الشرق الأوسط معظم أنهاره ملوثة، أو تصب في البحر من دون أن يستفاد من مياهها. أما دجلة العظيم، فإنه يلقي يوميا في بحر العرب ملايين الأمتار المكعبة من المياه شبه الملوثة، من دون أن يستفيد العراق منها، في الوقت الذي تخطط فيه إيران بكل السبل لسرقة مياهه، وإسرائيل تنتظر نتائج ذلك بفارغ الصبر، ليكون لها حجة في سرقة ماء النيل فيما بعد…
اعتزل المقتدى مناورا لتحسين وضعه وإعادة تموضعه على رقعة الشطرنج، متراجعا كوزير إلى الصفوف الخلفية محتميا بالقلعة، أي مؤيديه الذين قاموا بواجبهم وقدموا عشرات الشهداء، فكانوا القلعة قولا وفعلا… بينما تخلى عنه الفيل الذي من المفروض أن يصد عنه السهام، وأقصد مرجعيته الدينية والفقهية طبقا لوصية والده له، آية الله الحائري تحت ضغط إيراني مباشر ، تاركا إياه في الساحة يتخبط بلا غطاء ولا بساط يقف عليه، ويدفع ثمن رفضه والقبول بما يعطيه إياه أطراف تحركهم إيران وفقا لمصالحها وأهوائها، من دون أن يكون العراق ومصالحه الوطنية على أجندتها… لكن الحائري من حيث يدري أو لا يدري، خرج من هذه المعمعة وقد اهتزت صورته، وتهشمت في نظر قسم كبير من شيعة العراق وغيرهم من مقلديه، وبالأخص لدى الذين لا يحبون تدخل المرجعيات الدينية في السياسة أصلا… ورفع ذلك من منسوب كراهية العراقيين للإيرانيين، الذين أصبح كثير منهم ينتظر خروج المرجعية الفقهية والمذهبية من تحت العباءة والوصاية الإيرانية وعودتها إلى العرب، وهو الأهم في اعتقادي…

حالة ضياع

اعتزل سعد وترك الساحة السياسية بعدما تخلت عنه قلعته الداعمة له، وأعني السعودية التي كانت في الأساس وراء الحريرية السياسية من ألفها إلى يائها… فترك طائفته من ورائه تعيش فراغا وتخبطا وحالة ضياع، وهذا في الواقع خطأ كل طائفة تضع بيضها في سلة واحدة، خصوصا في بلد تتقاسم فيه الطوائف السلطة والحكم والمنافع الأخرى، لأنه عند اهتزاز السلة لأسباب داخلية أو خارجية، يهتز بالتالي البيض بطريقة عشوائية، فيتكسر، وتدفع الطائفة ومعها الوطن الثمن، ويبقى الزعيم دائما وأبدا على حق…!
اعتزل الحريري رجل التوافق المنحني أمام العواصف… وذلك بعدما غدر به وطعنه في الظهر بضمير مطمئن مرتاح حلفاؤه من الساسة المخضرمين … ويبدو أن مكوثه بعيدا عن كرسي الحكم سيطول، لأن كل المعطيات قد تغيرت مرحليا لغير صالحه، في وطن الطوائف والمذاهب والمحاصصات… وفي ظل الضغوطات السعودية عليه والتي ضيقت عليه الخناق، ولم تبق أمامه من سبيل إلا الارتماء بأحضان إيران والنظام السوري (أي قتلة أبيه)، وهو ما يريحها مستقبلا، لتثبت للعالم أنها كانت على حق، وكانت تعلم ما لا يعلمون…!
اعتزل المقتدى متحديا، فخرجت جماهيره إلى الساحات، فحركت المياه الراكدة، وبدأ يناور من موقع قوة ويفاوض. ولم يتخل عنه مستشاروه ويبيعوا ويشتروا، ويفتحوا دكاكين على حسابهم، لكي يرثوا ملكه ودوره، كما فعل أصحاب الحريري… فعاد مقتدى بوضع أفضل من ذي قبل، وفرض بعض شروطه، وفُرضت عليه أخرى، وهذا هو حال السياسة، تربح هنا، وتخسر هناك… فمقتدى اليوم يطرح قضايا وطنية كبيرة هي في واقعها أكبر منه، ولكن لا يختلف معه فيها غالبية الشعب العراقي، ولولا إمساك الجارة إيران بأوراق الطائفة الشيعية ومرجعيتها، واللعب فيها وبمستقبلها طبقا لرغباتها ومصالحها هي، وأيضا بسبب الاسترزاق والعبودية لدى فئة كبيرة من العراقيين، لقلب المقتدى كل الموازين بالرغم من ضعف شخصية. بينما غابت الطروحات الوطنية والشعارات الكبيرة من كلام الحريري وتصريحاته وخطبه، وكذلك عن ألسن مستشاريه وأتباعه وكأنها نسيا منسيا… حتى غدا وتياره بلا طعم ولا لون ولا رائحة… ولولا ارتباط شخصه بتاريخ أبيه، واحترام الناس وحبهم لوالده، لدخل إلى ثلاجة التاريخ بتذكرة سفر بشره بها من أوصلهم برضوخه لهم إلى سدة الرئاسة « وان واي… وان تيكت »…
عاد مقتدى وبلا أدنى شك أقوى وأكثر فعالية، بينما سعد ينتظر، وينظر إلى القصر الحكومي من منفاه الاختياري مغنياً « أنا في انتظارك مليت »… وفي المحصلة فإن كلا من الحريري والمقتدى يحملان إرثاً عائلياً وليسا مؤهلين للسياسة وألاعيبها فعلياً، لأن السياسة هذه الأيام، ليست لها علاقة بسمو الأخلاق التي تحدث عنها أفلاطون في جمهوريته، بل هي أقرب ما تكون إلى مدرسة قابيل الذي قتل أخاه…!

 

المصدر: القدس العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى