الى المنظرين لتفتيت سورية: لا حل الا بالمصالحة الوطنية والحوار بين الدولتين السورية والتركية

رامي الشاعر

استمعت مؤخراً إلى حديث مفاده أن دمار دمشق، وسقوط النظام السوري، وتبعثر الدولة السورية لكان أفضل مما نراه اليوم من سيطرة الأسد على الحكم، وعرقلة نظامه لما يرونه “مستقبل سوريا”، ويقولون إن روسيا ساعدت “النظام” على البقاء، بينما كانوا يفضلون سقوطه، دون أن يعي هؤلاء أن سقوط النظام في يد “داعش” أو “النصرة” كان يعني ضرورة وحتماً سقوط الدولة السورية كما نعرفها الآن. وعلاوة على ما أقوله دائما من أن الضحايا كانت ستفوق المليون، إلا أن نظرة بسيطة لما يحدث في إدلب، والعراك الداخلي بين الفصائل والكتائب والألوية في داخل معسكر الإسلام السياسي نفسه، يؤكد على أن مصير هذه “الدولة” الجديدة كان الانقسام والتشرذم إلى دويلات أصغر، تنتمي كل منها إلى تيار ديني، وآخر عرقي، وثالث سياسي يرغب في أن يعيش “شعبه” في ظل مبادئه وأعرافه وتقاليده وقيمه ولغته وثقافته.

إن رهان أحد الأطراف في المعادلة السورية على أن بإمكانه أن يتخلص من الطرف الآخر، و”يفنيه” هو حديث خاطئ في أساسه، فالحل في سوريا لن يكون سوى بالتوافق على أرضية مشتركة جامعة، وأعتقد أن الأوان قد آن كي يستوعب السوريون أن أي اتصالات لصيغة أستانا إنما تهدف إلى توفير البيئة المناسبة لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2254، الذي ينص على الحوار بين النظام والمعارضة. وليس الحديث مع الأسد والقيادة في دمشق من جانب جميع الأطراف إلا إقرارا بوجود الدولة السورية، المعترف بها في جميع المحافل الدولية، وممثلها الشرعي الوحيد، حتى تاريخه وحينه، الحكومة السورية الراهنة، والرئيس السوري، بشار الأسد، شئنا أم أبينا، تلك حقيقة تعترف بها هيئة الأمم المتحدة، وتعترف بها روسيا وتركيا وإيران، وذلك مع الوضع في الاعتبار أن تضحيات الشعب السوري على جانبي الأزمة لا يمكن التغاضي عنها، ونسيانها، والمرور عليها كأن شيئا لم يكن، وكأن الوضع سيبقى على ما هو عليه. فدماء الضحايا التي روت الأرض السورية بحثا عن الحرية والحق في الحياة والديمقراطية ومستقبل آخر لسوريا لا يمكن أن تذهب سدى، ويجب أن يضع الجميع ذلك في اعتبارهم وتقديراتهم.

أعيد وأكرر أن الحل في سوريا لا بد وأن يكون سوريا سوريا، وأن أي اتصالات تحدث من قبل أطراف أستانا إنما تهدف إلى ذلك، واهتمام الجانب التركي بحلحلة الأزمة ينبع من أن جزءاً كبيراً من الشعب السوري (ثلث الشعب) موجود على الأراضي التركية أو على تخومها، ومسؤولية أولئك اللاجئين سواء في تركيا أو في أراضي الشمال السوري تقع على عاتق تركيا، وهو ما يمثل عبئاً كبيراً على الاقتصاد التركي، علاوة على ما تمثله مسؤولية مصيرهم بكل ما تحمله هذه المسؤولية من أبعاد إنسانية وأخلاقية وإدارية واجتماعية، ولا يمكن التفكير في حل لكل هذه المشكلات بمعزل عن حل الأزمة السورية، وحل الأزمة السورية لن يتم سوى بتوافق سوري سوري، وبدء عملية الانتقال السياسي بمشاركة جميع أطياف السوريين من النظام والمعارضة والمجتمع المدني، بتعديل الدستور في إطار اللجنة الدستورية، وإجراء انتخابات ديمقراطية حرة نزيهة، تحقق للسوريين تطلعاتهم وآمالهم في غد أفضل.

تواجه تركيا تحدياً آخر هو 900 كيلومتر من الحدود المشتركة مع الدولة السورية، والتي يجب أن تضمن أمنها وسلامتها من الجانبين، وهو ما يعني بالقطع التنسيق مع الدولة السورية، ولن يحدث أي حل لمشكلة اللاجئين السوريين أو لمشكلة الحدود التركية السورية بدون مساعدة السوريين أنفسهم، كما يقتضي منطق الأشياء.

لهذا فإن أقل ما يمكن أن يوصف به الحديث عن أن “دمار دمشق” كان أفضل من “الحفاظ على سوريا” من وسط المرافئ الآمنة في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأوروبا وحتى تركيا هو افتقاد اللياقة، ولا أقول الوطنية أو الحصافة السياسية، فأهل مكة أدرى بشعابها، وأعتقد أنه من الأولى أن نسأل أهل دمشق نفسها، ماذا يفضلون: هل يفضلون دمار مدينتهم وبلادهم في سبيل “الحرية” التي يعلم الله ستأتي تحت أي راية، أم يفضلون الحفاظ على المدينة، أملا في حلول أخرى تضمن سيادة الدولة ووحدة الأراضي؟

بل إن مراسلات بيني وبين بعض الضباط السوريين، ممن خرجوا من سوريا، وكان بعضهم في مواقع قيادة ألوية وكتائب، حملت عتاباً لروسيا وإلقاء بالمسؤولية عليها في بقاء النظام السوري وحمايته، متناسين أنهم خدموا أكثر من 40 سنة في ظل هذا النظام، وتحت راية الجيش العربي السوري، ومتجاهلين أن مهمة روسيا لم تكن يوما تغيير، أو الحفاظ على النظام في سوريا، فهذا شأن سوري بحت، ومن يغير النظام هو الشعب السوري، والشعب السوري وحده. وروسيا لها علاقة بالدولة السورية، ولها علاقات رسمية مع النظام الشرعي للبلاد، انطلاقا من كافة المعايير والقوانين الدولية، وكان لهذه العلاقة الدور الأبرز في الحفاظ على سيادة الدولة السورية ووحدة أراضيها، وتفادي مصير نهاية الدولة السورية كما نعرفها.

اليوم، تقف بعض أجزاء من المعارضة السورية وبعض المتشددين من طرف النظام ضد أي اتصالات بين تركيا ودمشق، وهو ما يعني وقوفهم ضد بدء أي حوار سوري سوري، وتلك مشكلة حقيقية وكبرى، وفي اعتقادي أن ذلك هو جوهر الأزمة، فالاتصالات ما بين تركيا وسوريا ربما تقدم تطمينات للنظام في دمشق أن تركيا لا تسعى إلى إعدام النظام ومؤيديه، وهو الهدف “الوهمي” الذي تضعه بعض أطياف المعارضة الهدف الأسمى لوجودها، وذلك هو العبث بعينه، لما ذكرته سلفا من أن أيا من طرفي الأزمة لن ينجح، ولا ينبغي أن يراهن على “إفناء” الطرف الآخر. يجب أن يعي هؤلاء أن النظام السوري ليس أشخاص بعينها، وإنما هو كذلك مؤسسات الدولة السورية، التي يملكها جميع السوريين، من المعارضة أيضا، فالبنى التحتية والمدارس والمشافي والطرق والمياه والكهرباء هي ملك لجميع السوريين، أما موضوع من يديرها، فذلك أمر يعود للسوريين، ولا حق لأي دولة خارجية أن تتدخل في ذلك.

إن الوضع لا يمكن أن يستمر على حاله أكثر من ذلك، وأطراف أستانا يدركون أن نظام التهدئة ووقف إطلاق النار لا يجب أن يكون لخدمة بضعة أشخاص سواء من النظام أو بعضا من ممثلي المعارضة السورية، فتكاليف ذلك كبيرة للغاية بالنسبة لروسيا ولتركيا، خاصة إذا ما نظرنا إلى أن أوضاع الشعب السوري تتفاقم وتزداد سوءا يوما بعد يوم. لذلك فإن القضية الملحة للغاية بالنسبة للجميع الآن هو البدء الفعلي لعملية الانتقال السياسي السلمي، والتواصل إلى توافق سوري سوري يعيد السيادة كاملة للشعب السوري على أراضيه، ويضمن وحدة كامل التراب السوري.

ذلك كفيل برد كافة الذرائع التي تتحجج بها القوات الأمريكية للتواجد في الشمال السوري، وتلك التي يختلقها العدو الإسرائيلي لضرب الأراضي السورية، وهو ما يخلق بيئة مواتية لأخطاء أحيانا ما تتسبب في احتكاكات غير مرغوبة بين الجيش الروسي والقوات الأمريكية الموجودة بشكل غير شرعي على الأراضي السورية. أقول إنه لن يكون هناك حماية تامة للأجواء والأراضي السورية دون حل للأزمة السورية، وخروج القوات الأجنبية من الأراضي السورية.

فإذا لم يبدأ العمل على بدء حوار جاد بين النظام في دمشق والمعارضة السورية، فإن ذلك قد أصبح يشكل عبئا على أطراف مجموعة أستانا، وأعتقد أنها ستتخذ خطوات حازمة بعد أن بلغ السيل الزبى.

كذلك بالنسبة لمن يطالبون بانحياز روسيا إلى “مطالب الشعب السوري” وليس إلى “مصالح النظام”، أود أن أوضح لهم أنه من السهل المطالبة بمثل تلك المطالبات، واتهام روسيا بدعم النظام، وتجاهل دور روسيا فيما بذلته من جهود للتوصل إلى نظام التهدئة والقضاء على الإرهابيين من “داعش” و”النصرة”، ووقف الاقتتال بين السوريين، ومجازفة العسكريين الروس بحياتهم عندما رافقوا انسحاب مسلحي المعارضة في الحافلات مع أسلحتهم الخفيفة، بينما كان بعضهم يلبس أحزمة ناسفة. لكنه من الضروري أن نتذكر، في نفس الوقت، أن موسكو كانت صاحبة المبادرة الأساسية لاستصدار قرار مجلس الأمن رقم 2254، وهي من بادرت بترتيب لقاءات في موسكو بين النظام والمعارضة، وعقدت مؤتمر سوتشي 2018 للحوار السوري السوري، ورفضت تبني البيان الختامي، الذي كان وفد النظام من دمشق يريد فرضه على نتائج المؤتمر كبيان ختامي. كذلك فمن الصعب تجاهل الدور الروسي في حل مشكلة اللاجئين، والقروض التي تقدمها روسيا لتأمين الخبز للشعب السوري، والمساعي المتعددة من خلال لقاءات أستانا للبدء بعملية الانتقال السلمي السياسي في سوريا.

أما لهواة التنظير وإصدار الفتاوى والأحكام من الخارج، والراغبين في تضييق الخناق على “الأسد ونظامه”، فأتساءل عما قدمتموه لسوريا، بعد المغادرة والاستقرار في الخارج والبحث عن الدعم في الأوساط الغربية، وتوزيع الاتهامات بشأن علاقات روسيا أو تركيا مع النظام. فمع من تريدون أن تكون علاقات روسيا وتركيا في الوضع الراهن؟

 لقد أثبتت عشر سنوات من الأزمة السورية على أن غالبية الشعب تريد تغيير النظام، إلا أنه، وبالمقابل، فعلى مدى الأزمة، لم تظهر شخصية سياسية بارزة تحظى بتأييد جماهيري واسع في سوريا، ويتفق عليها الجميع، لكن ذلك يعود أولا وآخرا للسوريين أنفسهم، عندما يتم تأمين الأرضية الديمقراطية الحرة لإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية، ويترشح لها من يرغب، استنادا إلى تعديل دستوري، أو دستور جديد يترك الخيار للشعب السوري في تحديد مستقبله.

ختاماً أقول إن النضال الفعلي من أجل الانتقال إلى نظام حكم جديد يجب أن يكون أساسه من الداخل، وهو ما تفتقده المعارضة، لذلك يجب التخلي عن المطالبات بما لا يمكن تحقيقه، والالتفات إلى البحث عن أرضية مشتركة للمصالحة الوطنية، والمماطلة في ذلك إنما تسهم في استمرار أزمة ومعاناة الشعب السوري.

كاتب ومحلل سياسي

المصدر: رأي اليوم

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى