قرن المياه بعد قرن الطاقة(2) 

نزار السامرائي

لا بد من الإقرار أنّ المشروع المقترح والمتعدد الأهداف، سيقدم خدمة لإسرائيل في ثلاثة محاور، فهو سيوفر لها الطاقة المضمونة من نفط بحر قزوين وغازه، وسيجعل منها ممراً لتجارة الطاقة مع ما يوفره ذلك من مداخيل كبيرة لخزينتها، ثم أنّه سيجعل منها لاعبا رئيسا في سوق الطاقة الدولي، وربمّا تنظر إسرائيل إلى هذه النقطة بالذات، على أنّها أهم المزايا التي ستحصل عليها وتجعلها الطرف الوحيد الذي لا موارد نفطية له، ولكنّه يمتلك قدرة على التحكم بتجارة النفط أكثر بكثير من قدرة أكبر البلدان المنتجة له، بحكم دور الرساميل اليهودية في شركات النفط العابرة للقارات.

أمّا تركيا فيبدو أنّها تريد أنْ تلعب دور الشريك الإستراتيجي لأطراف متعددة، ولتكون عقدة المواصلات الرئيسة فيها مع إسرائيل، مع كل ما يضفي ذلك من قابلية الجذب للمشروع بحكم درجة الإغراء الذي تمثله إسرائيل لبيوت المال الأمريكية والأوربية لتقديم القروض الميّسرة له، يضاف إلى ذلك أنّ أزمة الطاقة العالمية التي طرقت أبواب الدول المتقدمة في خريف عام 2008، دفعت بالغرب ليسعى بكل قوته من أجل البحث عن بدائل نفطية، خاصة وأنّ بحوث الطاقة البديلة لم تتوصل حتى الآن إلى طاقة مضمونة وعلى نطاق تجاري، فكان نفط قزوين على ما صوره الغرب، حقل النفط الذي لا يعرف النضوب، وبسبب رفض الولايات المتحدة لمشروع ربط الهند بالغاز الإيراني عبر باكستان، فقد اتجهت الأنظار نحو إيصال الغاز من مناطق إنتاجه في بحر قزوين والدول المستقلة عن الاتحاد السوفيتي إلى أوربا مع تطمينات للهند بأنهّا ستكون جزءا من مشروع طاقة دولي.

نفط بحر قزوين بين الواقع والتضخيم

———–

تشير التقديرات الدولية إلى امتلاك قزوين لاحتياطي مؤكد حتى الآن من النفط يتراوح بين 18 و34 مليار برميل، واحتياطي محتمل يبلغ نحو 270 مليار برميل، ومع ما في هذه التقديرات من هامش عال من الفارق الهائل بين الرقمين، فإن هذه الكمية تبقى في حدود ثلث احتياطي نفط الشرق الأوسط، أما احتياطي الغاز المؤكد فيقدر بحوالي 170 ترليون قدم مكعب وتقترب أرقام الاحتياطي المحتمل من 250 ترليوناً.

وتحتل كازاخستان المرتبة الأولى بين دول المنطقة المذكورة في احتياطي النفط (100 مليار برميل)، في حين تتصدر تركمانستان دول منطقة بحر قزوين في احتياطي الغاز (260 ترليون قدم مكعب.

هذه هي الأرقام  المحتملة والمؤكدة لاحتياطيات النفط والغاز في دول بحر قزوين، فهل هناك دوافع سياسية وراء ما يخطط له الغرب لتهميش دور النفط العربي، ثم الانتقال إلى الخطوة الأخرى المتمثلة بالتحكم بسوق الطاقة الدولية انتاجا وتسويقا وتسعيرا.

تتقاطع في منطقة المشروع المقترح خطوط مصالح إستراتيجية لقوى كبرى، بعضها يتشبث بماضٍ لا يريد له أنْ تغيب شمسه إلى الأبد، وبعضها يحاول نفخ الروح فيه بقوة التجديد والمواصلة، وبعضها يحاول أنْ يتنفس في منطقة غنية بالثروات والمشاكل على حد سواء، فيأتي إليها تحت لافتة البحث عن حلول لمشاكلها، والحق أنّه إنْ لم يَسعَ لتعميق تلك المشاكل طلبا للبقاء الطويل، فإنّه يحاول الاستدارة عن كل المطبات السياسية، والبحث عن مصالح ومداخل لتوسيعها قدر المستطاع، وتركيا كدولة تعتقد أنّها كانت دولة كبرى ليس في المنطقة فقط وإنّما على صعيد العالم، تحاول استعادة جزء من دور مفقود، والتقت في ذلك مع دولة طارئة على المنطقة (إسرائيل) ولا جذور لها فيها، وتبحث عن كل فرصة للتنقيب عن أدلة ميدانية يمكن أنْ تعطيها مبرر القبول في المنطقة، فوجد الطرفان منذ البداية التقاء الفرصة الضائعة مع الفرصة المولودة حديثا، أمام طرف تم اختياره ليكون عدوا مشتركا.

وهكذا تواصل الخيار التركي في علاقات تنسيق على كل المستويات وأدق التفاصيل مع إسرائيل، قالبة الظهر لتاريخ طويل من الانتماء لدين مشترك مع العرب، تحت ذريعة أنّ العرب هم الذين اختاروا الاصطفاف مع أعداء الإسلام ضد دولة الخلافة، وبصرف النظر عن وجاهة هذه الذرائع من عدمها، لأنّها ليست موضوعنا الآن، فإنّ تركيا مضت في هذا الطريق مختارة أو بفرضٍ من قوى دولية، أو بتنفيس عن عقد التاريخ القريب، فأصبحت بذلك الثغرة المميتة في جدار الرفض العربي الإسلامي للوجود الإسرائيلي في فلسطين.

ولأنّ الصواب لا بدّ أن يستعيد عافيته مهما طال الزمن، فقد شهدت تركيا الحديثة في أوقات كثيرة، تململاً شعبيا يستنهض قيم الرابطة الإسلامية مع لغة مهبط الوحي، ورافضا للرابطة مع الحركة الصهيونية ومن يدعمها في العالم، وبعد عقود من التقلب بين القبول بالمنكر الغربي، والتطلع إلى عالم الروح في الشرق العربي، رست سفينة تركيا على شاطئ خط سياسي يربط بين الأصالة الإسلامية والمعاصرة الغربية، عندما أفرزت صناديق الاقتراع حقيقة الإرادة الشعبية التي اختارت حزب العدالة والتنمية، الذي بدا وكأنّه في سنواته الأولى يحبو في حقل ألغام يحيط به من كل الجهات، ولأنّ حزب العدالة والتنمية رفع شعارات إسلامية منذ البداية، فقد كانت المخاوف تنصب على دور الجيش الضامن دستوريا لنهج أتاتورك، ولهذا لاحظ المراقبون حرصاً مبالغاً فيه من قبل الحزب، على الدعوة للانضمام إلى الإتحاد الأوربي على الرغم من معرفته ومعرفة تركيا كلها، أنّ هذا هو الحلم المستحيل على الأقل في الأفق المنظور، وذلك للطابع المسيحي المعروف للإتحاد الأوربي، ومع ذلك فإنّ حزب العدالة والتنمية، أراد أنْ يلجم الجيش التركي بهذا الحلم، فالإتحاد الأوربي كان يركز على تقليص دور الجيش في الحياة السياسية في تركيا، كشرط رئيس لقبولها في عضويته، وتناغم هذا الشرط مع رغبات حزب العدالة والتنمية.

لكنْ للإتحاد شروطا اخرى كانت تتقاطع مع مصلحة تركيا ووحدة أراضيها، ويأتي بالمقدمة منها موضوع حقوق الأقليات والأكراد منهم على وجه الخصوص، ومجزرة الأرمن التي تُتهم بها الدولة العثمانية بارتكابها، وكذلك موضوع العلاقة مع إسرائيل، وعلى الرغم من أنّ تركيا ليست بحاجة إلى من يحثها على العلاقة مع إسرائيل، إلا أنّ وضعه كشرط خارجي قد يختلف عنه كخيار داخلي من جهة، ومع توجهات حزب العدالة والتنمية الذي يطرح برنامجا إسلاميا ، لتطوير علاقات تركيا مع العالم الإسلامي وفي المقدمة منه الوطن العربي، كان لا بد من إعادةِ نظرٍ في صياغة الموقف المعلن على الأقل بخصوص العلاقة مع إسرائيل، وهذا ما يتقاطع مع تقاليد علاقات البلدين من جهة، ويتعارض كليا مع شروط الاتحاد الأوربي لقبول تركيا في عضويته، فكان طبيعيا والحال هذه أنْ تقلّب أنقرة ملفاتِ التعاون القديم منها والجديد، للتأكيد بأن الحديث عن افتراق بين تركيا وإسرائيل، والذي تزامن مع مجيء حزب العدالة والتنمية، مجرد تقارير صحفية لا تستند على أساس، ذلك أنّ تركيا التي أرادت إدخال موازنة دقيقة في علاقاتها مع محيطها الإسلامي، وعلاقاتها بإسرائيل فإنّها لم تكن تخطط لمغادرة محور، لتدخل في محور آخر ولم تكن لتستبدل حلفاء الأمس بحلفاء اليوم.

لقد مرت علاقات تركيا مع الولايات المتحدة بخريف صعب نتيجة رفض أنقرة استخدام الأراضي التركية في غزو العراق، ولكنّ دخول قضية حزب العمال الكردستاني التركي، الذي ينشط وسط تأييد أمريكي صامت، وهو ما فسرته أوساط تركية بأنّه انحياز لا معنى له إلى جانب طرف يريد زعزعة وحدة أراضي دول المنطقة، قد اضافت عامل تأزم حقيقي بين البلدين العضوين في الناتو، ويبدو أنّ إسرائيل تسعى لممارسة المزيد من الضغط على تركيا من أجل تعاون أقوى، وعدم المضي في علاقاتها العربية إلى مدى قد يكون على حساب إسرائيل.

 تركيا إذن تريد رسم مسار جديد لعلاقاتها مع جميع القوى الإقليمية والدولية، وهكذا فتحت أنقرة صفحة جديدة من التعاون مع  سوريا وإيران، وحتى بالنسبة للقضية القبرصية فقد تعاملت تركيا مع ملفها بمرونة عالية، وكي لا يبدو ذلك وكأنّه خيارها الاستراتيجي، فقد حصل الاتفاق الثلاثي والمتعدد الغايات بين إسرائيل وتركيا والهند، ليرسم أبعاد صورة جديدة لتعاون إقليمي ودولي، لا بد أنْ يترك تأثيرات سلبية على معظم دول الإقليم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى