تونس… قيس سعيّد يسقط في فخّ صناديق استفتاء الدستور

وليد التليلي

سقطت أمس الاثنين سردية الدعم الشعبي الواسع التي بنى عليها الرئيس قيس سعيّد كلّ مساره الانقلابي، بعد أن أعلنت هيئة الانتخابات التي عيّنها بنفسه مشاركة 27.5 بالمائة فقط من الناخبين في الاستفتاء على الدستور.

ولم تجد الهيئة مبررات لتفسير هذه النسبة، على فرض أنها صحيحة ولم يجرِ تضخيمها كما تقول المعارضة، وخصوصاً أنها سجلت حوالى مليونين إضافيين من التونسيين بشكل آلي في سجلات الناخبين، ومددت وقت التصويت 6 ساعات كاملة، ويسّرت الوصول إلى مكاتب الاقتراع.

وعبثاً حاول أنصار الرئيس إيهام أغلب التونسيين بأن ما تحقق انتصار، عندما نزلت أعداد محدودة إلى الشارع، التحق بها الرئيس نفسه بعد قليل، في محاولة فاشلة للترويج بأن المرحلة طُويت بانتصاره، وأنه يستعد لقانون انتخابي جديد وقرارات جديدة.

وفي كل الحالات، فقد بقي أكثر من 70 بالمائة من الناخبين المسجلين في بيوتهم، ولم يشاركوا في الاستفتاء. ويتساءل مراقبون اليوم: ألا تدفع هذه النتائج إلى استقالة سعيّد والذهاب لانتخابات مبكرة بعد أن فشل في الحصول على دعم شعبي واسع كان يدّعيه على امتداد سنة؟ ألا يفترض ذلك الذهاب إلى انتخاب رئاسية جديدة يختبر فيها شرعيته؟

وفي تحليله للأرقام والتقديرات، يقول مدير مؤسسة سيغما لسبر الآراء حسن الزرقوني، إن 21 بالمائة من الناخبين الذين لم يشاركوا في الاستفتاء امتنعوا عن المشاركة فيه عمداً وقاطعوه، و3 بالمائة شاركوا وصوّتوا بـ “لا”، ما يعني أن مجموع المعارضين يصل إلى 24 بالمائة، ويؤكد في الوقت نفسه للتلفزيون الرسمي أن نسبة المشاركة في الاستفتاء كانت في حدود 25 بالمائة فقط، وليس 27 كما تقول الهيئة.

ويوضح أن أسباب عدم المشاركة أو المقاطعة تختلف بين معارضة مسار الرئيس برمته، أو عدم الاقتناع بعدد من فصول مشروع الدستور أو التخوف من الديكتاتورية والحكم الاستبدادي، وغيرها من الاحترازات.

وتحذر العديد من القراءات من أنه ينبغي التفريق بين انتخابات تشريعية أو رئاسية، وبين استفتاء على دستور يكتب لأجيال قادمة، ويؤسس لمستقبل شعب لعقود من الزمن، يفترض نقاشات مجتمعية وسياسية وقانونية على امتداد أشهر أو سنوات، وتحوز أغلبية واسعة، كما حصل في دستور 2014 الذي جمع 200 نائب من مشارب فكرية وسياسية متعارضة من بين 217 نائباً في المجلس التأسيسي، واستمر النقاش حوله قرابة 3 سنوات.

 

مشاركة تونسية ضعيفة في الاستفتاء تحرج دستور قيس سعيّد

ومع بروز مختلف المواقف والردود السياسية حول الاستفتاء على الدستور الذي كتبه سعيّد وحده، تطرح تساؤلات عن مرحلة ما بعد الاستفتاء، وكيف ستتعامل المعارضة مع هذا السعي الواضح من سعيّد لطي الصفحة، وفرض الأمر الواقع، والمرور إلى المرحلة الموالية بسرعة، غير عابئ بهذا الانقسام الكبير الذي يشق الساحة التونسية.

سقوط سردية مساندة الجماهير الشعبية العريضة

وفي هذا السياق، اعتبر عضو قيادة جبهة الخلاص الوطني جوهر بن مبارك، وهو أستاذ قانون دستوري، في تصريح لـ”العربي الجديد” أن “نسبة المشاركة في الاستفتاء ضعيفة جداً على المستوى السياسي، لأنها نقلت قيس سعيّد من آخر عملية انتخابية رسمية وقعت في 2019، من 72 بالمائة، أي قرابة ثلثي الجسم الانتخابي في الدور الثاني، إلى 25 بالمائة فقط من الجسم الانتخابي، أي أنه فقد نحو ثلثي ناخبيه، وعاد بهذا الاستفتاء إلى الدور الأول من الانتخابات الرئاسية تقريباً، وهو مقياس وازن جداً في العملية السياسية”.

وتابع أن “لجنة البندقية تؤكد ضرورة تحديد النسبة الدنيا لإضفاء الشرعية على أي نص دستوري بحسب المعايير الدولية، ويدور الحد الأدنى بالنسبة إلى الدساتير في 40 بالمائة من الجسم الانتخابي، فيما ترتفع إلى أكثر من ذلك في كثير من الدول”.

ولفت إلى أنّ “النص الدستوري لسعيّد لم يحظَ بالنسبة الدنيا للحصول على الشرعية، ولكنه سيفرض الشرعية القانونية بالقوة، ولكن المشروعية السياسية والانتخابية ضعيفة، وهذا سيمكننا من الارتكاز على أسس قوية للمطالبة والتمسك بدستور 2014 الشرعي والوحيد للشعب التونسي، الذي لم يخرج بالعدد الكافي لإعطاء مشروعية لسعيّد لتغيير دستور البلاد”.

وأضاف بن مبارك: “إن سردية مساندة الجماهير الشعبية العريضة سقطت، باعتبار أن سعيّد، منذ 25 يوليو/تموز الماضي، يروّج أن ما قام به كان استجابة لإرادة الشعب، ويسوّق لدستور يتماهى مع الشعب، لكن صناديق الاقتراع أثبتت العكس، في عملية هو من نظمها وأشرف عليها وحدد قواعدها بمفرده، واتضح أنه ليس في مشروعه السياسي أكثر من ربع الشعب التونسي”، قائلاً إن “هذه العملية أضعفت قيس سعيّد”.

وشدد بن مبارك على أن “المعارضة سترفض هذه النتائج لاعتبارات سياسية وتقنية، بسبب العديد من الخروقات المسجلة وشبهات التزوير في النتائج، فبمراقبة وتصوير مختلف المراكز، تمت ملاحظة خلو المراكز الانتخابية”. وقال: “بالنسبة إلينا، الاستفتاء لم يكن، وهو ليس إلا حلقة من حلقات الانقلاب الفاشلة وانتهى الأمر”. وتابع: “نحن سنتحول من النضال ضد الانقلاب إلى نضال ضد الديكتاتورية، لأنه سيركز اليوم سلطته، وسننتقل إلى مرحلة المقاومة على المدى المتوسط، وليس مقاومة وقتية وظرفية”.

“جرائم انتخابية”

من جهته، قال مستشار رئيس حركة النهضة رياض الشعيبي، لـ”العربي الجديد”، إن “الاستفتاء بيّن أن السيد قيس سعيّد مستعد لارتكاب كل الجرائم الانتخابية والسياسية من أجل التمكن من مفاصل الدولة وإقصاء كل معارضيه. لكن رغم الغموض الشديد المحيط بالنتائج الأولية لنسبة المشاركة في الاستفتاء بالنظر لعدم ملاحظة إقبال مكثف على الصناديق يتناسب والنسبة المعلنة، ورغم رصد تجاوزات عديدة في مختلف مراحل العملية الانتخابية، ورغم المعارضة الواسعة داخلياً ودولياً لمسار الاستفتاء ومضمون الوثيقة المعروضة للتصويت، إلا أن السيد قيس سعيّد خرج أمس وفي اختراق فاضح للصمت الانتخابي، ليعلن مضيه في مساره السياسي بغضّ النظر عن نتيجة الاستفتاء”.

“جبهة الخلاص” تدعو قيس سعيّد إلى “الاستقالة بعد الفشل في الاستفتاء”

وقال الشعيبي: “نحن في جبهة الخلاص الوطني نعتبر أن هذه التجاوزات تزيدنا يقيناً في فساد المسار السياسي الحالي، وإصراراً على إسقاطه والمطالبة بالعودة للمسار الديمقراطي، والذهاب إلى انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة للخروج من الأزمة الدستورية والسياسية الحالية، ونحذر من أن استمرار السيد قيس سعيّد في حركاته الانفرادية، وعدم التزامه مقتضيات تشريك التونسيين في تحديد مستقبل بلادهم دون إقصاء أو تمييز، كل ذلك لن يساعد في تعزيز قيم العيش المشترك والإدماج الوطني والحوار السياسي. وهو الأمر الذي سيعمّق حالة اللااستقرار السياسي في البلاد، ويعجل بالانفجارات الاجتماعية والأهلية”.

وأكد الشعيبي أنه “لم يعد أمام المعارضة من طريق آخر سوى تنسيق جهودها للتصدي لهذه الديكتاتورية الزاحفة على البلاد، ووضع خريطة طريق نضالية لاستعادة المسار الديمقراطي”.

تونس نحو استمرار الصراع السياسي؟

أمّا الأمين العام لحزب الإنجاز والعمل، عبد اللطيف المكي، فيرى في تصريح لـ”العربي الجديد”، أنه ستعقب الاستفتاء “مرحلة من عدم الاستقرار والصراع السياسي في البلاد، بسبب المواجهة الاعتباطية للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، والانقسامات السياسية الواضحة”، مشيراً إلى أن “سعيّد مأسس للأسف لاستمرار الصراع ورفض أي عملية تشاركية، وكان يمكن توحيد التونسيين، وكان يمكن هذا الاستفتاء أن يجري بمشاركة الجميع لو استجاب سعيّد لدعوات الحوار”.

وتابع: “الاستقرار السياسي يحصل بالتشارك وبالحوار وخضوع الجميع للقانون، ولكن هذا لم يكن، وسعيّد سعى لفرض الاستقرار باستعمال منهج القمع والسلطة المفرطة، وطبعاً المجتمع سيقاوم والقوى السياسية سترد الفعل”.

وبيّن المكي أن “سعيّد سيرسي كما قال أقرب المقربين له، الصادق بلعيد (رئيس اللجنة الاستشارية لصياغة الدستور) حكماً ديكتاتورياً فرعونياً لحكم الرجل الواحد، ولا يمكن المجتمع التونسي أن يقبل بذلك في ظل المشاكل التي تعيشها البلاد اقتصادياً واجتماعياً، في وقت يتطلب الأمر وحدة وطنية لمجابهة ذلك”.

ولفت إلى أن “المعارضة ستواصل القيام بدورها، وكل مرحلة تمر لها معطياتها الخاصة، وبالتأكيد فإن المعارضة تنتظر استكمال المشهد لتحديد مواقفها المستقبلية”، مشيراً إلى أن “المعارضة ستظل وفية لمواقفها السابقة، وبرغم غياب وحدة الصف في الشارع في صفوفها، فإن موقفها موحد من الانقلاب، ونتمنى أن يتطور إلى توحيد صفوفها”.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى