إيران وقلق الوجود

حسن فحص

زيارة بايدن للمنطقة ستؤسس لمسار سياسي وأمني وعسكري لن يكون في مصلحة مشروع طهران الإقليمي. الإشارات التي تضمنها كلام وزير الخارجية الإيرانية حسين أمير عبداللهيان خلال الاتصال الهاتفي الذي أجرها قبل أيام مع نظيره الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد، تكشف عن حجم القلق لدى القيادة الإيرانية من مآلات اللقاء المرتقب الذي سيجريه الرئيس الأميركي جو بايدن مع قادة دول المنطقة العربية (دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن والعراق) في العاصمة السعودية الرياض قريباً، خصوصاً ما يتعلق بالأجندة التي وضعتها الإدارة الأميركية والمرتبطة بالعمل على توفير منظومة إقليمية لتوفير الأمن، تبعد من إسرائيل الخطر والتهديد الإيراني.

أبرز محطات الوزير الإيراني في حديثه مع نظيره الإماراتي تمحورت حول مستقبل أمن المنطقة وأن “التدخل الأجنبي يزعزع الاستقرار”، واصفاً الوجود الإسرائيلي فيها بـ “المزعزع للأمن وعامل إرهاب وتخريب”، وهي مواقف تكشف عن منسوب المخاوف الإيرانية المرتفع من تداعيات المشروع أو الرؤية الأميركية المستقبلية التي سيحاول الرئيس الأميركي ترتبيها خلال زيارته المرتقبة.

لم تكن تصريحات وزير الخارجية الأميركية كولن باول في سبتمبر (أيلول) 2002 عن “الشرق الأوسط الكبير” مجرد زلة لسان أو محطة عابرة في الرؤية الأميركية لمشاريع الحل لأزمات هذه المنطقة، بل شكلت استراتيجية واضحة للإدارة الأميركية تقوم على ضرورة إحداث تغييرات جذرية في الشرق الأوسط من بوابة تعزيز الديمقراطية.

وعلى الرغم من اصطدام رؤية واشنطن بعوائق تتعلق بالدول الحليفة لها في المنقطة، لما تفتحه من باب واسع أمام تغييرات جذرية قد تدخل المنطقة في صراعات مفتوحة على جميع الاحتمالات، خصوصاً فقدان الأمن والاستقرار، فإن النظام الإيراني اعتبر نفسه المستهدف الرئيس في هذه الاستراتيجية الأميركية الجديدة، بخاصة أن واشنطن كانت تضع مسألة السعي أو العمل للقضاء على النظام الإيراني كأحد خياراتها الأساس.

ما كشف عنه الوزير الأميركي باول بداية دفع النظام الإيراني لاستنفار ما يملكه من أدوات لمواجهة هذا المخطط الذي يضعه في “عين الاستهداف والعاصفة”، مستفيداً من وجود الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي على رأس السلطة التنفيذية، من خلال محاولة تسويق مشروع مقابل أو مضاد تحت عنوان “الشرق الأوسط الإسلامي”، ويقوم على توظيف حال الانفتاح التي حققتها إيران على الخارج، وتحديداً باتجاه دول الجوار العربي ودول الخليج خصوصاً، لبناء منظومة إقليمية تكون طهران صاحبة الدور والتأثير الأبرز فيها.

في دردشة مع نائب رئيس الجمهورية نجف قلي حبيبي، حدثني حينها عن ضرورة أن تعمل إيران على بلورة هذه الرؤية أو المشروع الذي طرحه خاتمي وتبناه المرشد الأعلى بالتعاون مع الدول العربية والإسلامية لمواجهة المشروع الأميركي، بخاصة أن الخطر الذي يتهدد استقرار دول المنطقة وحجم التحديات العملية والسياسية ازداد بشكل واضح بعد التدخل العسكري الأميركي في العراق واحتلاله، وبالتالي وحسب رؤية قلي حبيبي، لا بد من العمل على منع دخول المنطقة في “العصر الإسرائيلي”.

المواجهة الإيرانية – الأميركية لم تقف عند البعد النظري، إذ دخلت مرحلة المواجهة المباشرة بعد احتلال العراق من خلال اعتماد النظام على استراتيجية تحول العراق إلى مستنقع أمني وعسكري، وإغراق واشنطن في وحوله وقطع الطريق على أهدافها اللاحقة سواء في إيران أو سوريا، بالتوازي مع محاولة توظيف تداعيات الكشف عن الأنشطة النووية لإيران، التي كانت تتم بعيداً من أعين الرقابة الدولية.

القراءة الإيرانية للأحداث التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، سواء حرب “تموز 2006” في لبنان التي نشبت بين تل أبيب وحزب الله حليف طهران على الساحة اللبنانية، أو الانتفاضات الشعبية التي شهدتها بعض الدول العربية، لم تخرج عن اعتبارها أحداثاً تهدف إلى بلورة الاستراتيجية والرؤية الأميركية القائمة على هدفين، الأول محاصرة النظام الإيراني والعمل للقضاء عليه، خصوصاً في الحال السورية، والثاني فرض تغييرات بالقوة في البنية السياسية لدول المنطقة وأنظمتها تحت عنوان “نشر الديمقراطية”، وقد عزز هذه القراءة المواقف المعلنة للإدارة الأميركية التي عبرت عنها العام 2006 وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس بوصفها لنتائج حرب لبنان بأنها ستنتهي إلى ولادة “شرق أوسط جديد”، في حين حاولت طهران الترويج لمفهوم “النهضة الإسلامية” في مواجهة مفهوم “الربيع العربي”، الذي تبنته واشنطن كأحد أبرز مخرجات الانتفاضات العربية.

ما لم تعترف به طهران من أهداف تشكل خلفية صراعها مع الولايات المتحدة، هو حقيقة هذا الصراع وأنه واجهة لمعركة محتدمة بينها وبين إسرائيل لتكريس نفوذها ودورها في المنطقة، حتى وإن كان على حساب أمن واستقرار دول الإقليم، وضرب مفهوم الجوار المستقر والمتعاون، وهي الحقيقة التي شكلت الدافع والمحرك لعمل وأنشطة “قوة القدس” التي تمثل الذراع الإقليمي للنظام، وشكلت المظلة السياسية لما مارسته من أدوار في لبنان وسوريا والعراق واليمن، بعد أن أسبغت عليه طابعاً أو بعداً أيديولوجياً وعقائدياً ينسجم مع الطبيعة التي يقوم عليها النظام.

ومع الخطوة المتقدمة التي قام بها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، إن كان في الانسحاب من الاتفاق النووي الذي لم يفلح في كبح طموحات طهران الإقليمية، أو في مشروع “السلام الإبراهيمي” بين إسرائيل ودولة الإمارات ومملكة البحرين، ارتفع إحساس النظام الإيراني بحجم الخطر والتحديات التي تتجمع في الإقليم لمواجهة مشروعه التوسعي، خصوصاً بعد خسارته رأس مشروعه وذراعه الإقليمي باغتيال قائد قوة القدس قاسم سليماني، الذي جرت معه انتكاسات واضحة على مساحات النفوذ، وضعته في مواجهة مكشوفة مع تل أبيب، ولم تفلح محاولة إعادة إحياء الاتفاق النووي مع الإدارة الجديدة للبيت الأبيض بقيادة بايدن في الحد من تصاعدها.

وعلى الرغم من حجم التوظيفات البشرية والسياسية والعسكرية والمالية والاقتصادية التي قام بها النظام الإيراني في الإقليم لمواجهة الرؤية الأميركية لمستقبل الشرق الأوسط، وعلى الرغم أيضاً من الرهان على تراجع اهتمام واشنطن بهذه المنطقة، يبدو أن النظام الإيراني وجد نفسه أمام خطوات عملية بدأت تتبلور على أرض الواقع في إطار ما سمي سابقاً “الشرق الأوسط الجديد أو الكبير”، وهذه المرة على حساب مشروعه بشكل واضح، وأنه بات مجبراً على الدخول في تسويات وتفاهمات تخفف تسارع حصاره وعزله وإضعاف نفوذه ودوره في هذه المنطقة، لحساب منظومة جديدة لن يستطيع اختصارها بجهة واحدة وتحييد فاعلين آخرين.

هذه الحقائق تشكل الخلفية الكامنة وراء مواقف طهران من “قمة الرياض” المرتقبة، وأنها لن تكون قادرة على منع تداعياتها، لأنها وإن لم تتوصل إلى نتائج مباشرة فإنها ستؤسس لمسار سياسي وأمني وعسكري في المنطقة لن يكون في مصلحة مشروعها الإقليمي.

المصدر: اندبندنت عربية

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى