لبنان والعراق.. ضحية «الأصوليات» والغباء العربي!

ياسين شبلي

 على خطى رئيس الوزراء اللبناني الأسبق  سعد الحريري في لبنان، أعلن زعيم التيار الصدري في العراق السيد مقتدى الصدر، تعليق مشاركته في العملية السياسية في بلاده، بعد أن قدم نواب كتلته البرلمانية إستقالاتهم من مجلس النواب العراقي، في أعقاب الفشل بتشكيل حكومة أغلبية، غداة الإنتخابات النيابية التي جرت في شهر تشرين أول الماضي، والتي تلاها محاولة إغتيال رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي – على الطريقة اللبنانية – إذا صح التعبير بعد أقل من شهر على إجرائها.  هذه الخطوة من قبل السيد مقتدى الصدر وقبله الرئيس سعد الحريري في لبنان، هي خير تعبير عن المأزق السياسي في كلا البلدين الناتج عن تحكُم و”تغوّل” أنصار النظام الإيراني، في السيطرة على  النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية والمذهبية  البعيدة كل البعد عن التفكير بمشاكل البلد ومصالح الناس الأساسية، وذلك خدمة لأجندات خارجية ومشاريع إمبراطورية، تتخذ من البلدين وشعبيهما وقوداً ل “تخصيب” هذه المشاريع ومحاولة تحقيقها عن طريق “البلطجة” المتأتية من فائض القوة، الذي يؤمنه السلاح الموازي للسلاح الشرعي، والمتلطي خلف شعارات كالمقاومة في لبنان والحشد الشعبي في العراق، وكذلك تعبير عن الضعف والعجز العربيين، إن لم نقل الغباء العربي في التعامل مع تطورات الأحداث في المنطقة منذ زمن طويل.   على الرغم من أن الصدر يعتبر واحداً من “أهل البيت”  السياسي الشيعي في العراق، إلا أن النتيجة كانت واحدة في كل من لبنان والعراق تمثلت بتعليق العمل السياسي وعلى الرغم من إختلاف تجربة الصدر عن تجربة الحريري، سواء من حيث الإختلاف في شخصية كل من الرجلين، أم في طريقة ممارستهما للسياسة بإختلاف ظروف البلدين رغم التشابه، وطريقة وصول كل منهما إلى الحياة السياسية، مع الإشارة إلى إمتلاك الصدر لقوة عسكرية – ولو مجمدة – متمثلة بجيش المهدي، وعلى الرغم من أن الصدر يعتبر واحداً من “أهل البيت”  السياسي الشيعي في العراق، إلا أن النتيجة كانت واحدة في كل من لبنان والعراق تمثلت بتعليق العمل السياسي،  وإستحالة الإستمرار في التعايش مع مكون سياسي “مصفح” بالسلاح، من دون الإصطدام به وهو ما يعني الدخول في حرب أهلية ربما لا تبقي ولا تذر.  الحقيقة أن هذا التشابه في الظروف السياسية بين البلدين ليس بجديد، فلطالما كانت الأحداث في العراق تعتبر مؤشرا للأحداث في لبنان والعكس صحيح، ربما بسبب تميزهما في المنطقة بوجود تعدد طائفي في لبنان من جهة، ووجود شيعي وازن في العراق، من جهة أخرى ما سمح ببروز حركة حزبية ناشطة من كافة الأطياف السياسية القومية واليسارية في البلدين منذ خمسينيات القرن الماضي، ولاحقاً الحركات الإسلامية السنية، منها كالإخوان المسلمين والشيعية خصوصاً مع تأسيس حزب الدعوة في العراق أواخر الخمسينيات  لمواجهة المد الشيوعي والقومي الذي إستجد بعد “ثورة” 14 تموز، وهو ما قد تكون رأت فيه أطراف الصراع الإقليمي والدولي جواز مرور  يُسَهِّل ” الإختراق ” – إذا صح التعبير – تبعاً لسياسة فرق تسد التي إتبعتها ولا زالت الدول الإستعمارية، وذلك بعكس بقية الدول العربية حيث يغلب على سكانها الطابع السني.  وهو ما أدخل البلدان  ساحة الصراع الدولي والحرب الباردة  في أعقاب الخروج البريطاني من المنطقة العربية، الذي كان النظام في كل من لبنان والعراق إبان الحكم الملكي بشكل أو بآخر، يمثلان آخر معاقل هذا  النفوذ في المشرق العربي، وذلك بعد العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956 وحلول الطرف الأميركي محله، حيث كانت البداية بأحداث العام 1958 في البلدين والتي تعتبر إمتداداً لحرب السويس، فقد إندلعت في لبنان ما سمي بعدها بثورة 58 ضد حكم الرئيس كميل شمعون  في أعقاب إغتيال الصحافي المعارض نسيب المتني إنتهت بنزول قوات المارينز على سواحله، وبتفاهم أميركي – مصري جاء بقائد الجيش يومها فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية، على خلفية الأحداث في العراق، حيث قام إنقلاب عسكري دموي أطاح بحكم العائلة الملكية الهاشمية سمي بعدها بثورة 14 تموز،  وأقام نظام حكم “جمهوري”، ما لبث أن تحول إلى نظام توتاليتاري، بدءاً بحقبة عبد الكريم قاسم التي شهدت صراعاً شرساً بين الشيوعيين والقوميين، وصولاً إلى حقبة البعث بقيادة صدام حسين وقبله أحمد حسن البكر ، مروراً بحقبة عبد السلام عارف.  مع إنتصار “الثورة الإسلامية” في إيران بقيادة آية الله الخميني برز العامل الإسلامي الشيعي الأصولي على الساحة العربية خاصة مع تطورات الحرب الأهلية اللبنانية مع إنتصار “الثورة الإسلامية” في إيران بقيادة آية الله الخميني، وشعاراتها ضد الصهيونية و”الشيطان الأكبر” الأميركي، برز العامل الإسلامي الشيعي الأصولي على الساحة العربية خاصة مع تطورات الحرب الأهلية اللبنانية، والإجتياح الصهيوني الأول للجنوب اللبناني في العام 1978، وهو الإجتياح الذي ووجه بعجز عربي كالعادة، وكذلك مع إختطاف السيد موسى الصدر الذي كان يومها بضيافة “الأمين على القومية العربية” معمر القذافي، ومن ثم جاء الغزو السوفياتي لأفغانستان ليخرج الإسلام السني الأصولي من القمقم، وهو ما رأت فيه الولايات المتحدة حجراً يصيب هدفين، الأول مواجهة المد الشيوعي السوفياتي والثاني مواجهة المد الإسلامي الشيعي، ترافق ذلك مع تراجع المد القومي العربي الذي بقيت شعاراته عن “الصمود والتصدي” حبراً على ورق ، خاصة مع دخول العراق الحرب مع إيران، التي كانت مثار خلاف بين الأنظمة العربية “القومية” في كل من العراق من جهة، وسوريا وليبيا من جهة أخرى اللتان وقفتا إلى جانب النظام الإيراني وزودتاه بالدعم السياسي من سوريا ، والعسكري من ليبيا، حتى كان إجتياح بيروت من قبل العدو الصهيوني في مثل هذه الأيام من العام 1982، ليكشف زيف شعارات الأنظمة  القومية العربية، بحيث كان سقوط بيروت في الحقيقة، وكما أظهرت الأحداث حتى اليوم، هو بداية سقوط الخيار العربي في هذا البلد للأسف ليحل مكانه الخيار الإيراني رويداً رويداً مع تأسيس حزب الله الذي يحتفل هذه الأيام بذكرى تأسيسه الأربعين. كما كان الإحتلال الصهيوني لبيروت هو بداية الدخول الإيراني إلى هذا البلد، كذلك كان الإحتلال الأميركي للعراق هو السبب فيما نشهده اليوم  وكما كان الإحتلال الصهيوني لبيروت هو بداية الدخول الإيراني إلى هذا البلد، كذلك كان الإحتلال الأميركي للعراق هو السبب فيما نشهده اليوم، من سيطرة إيرانية عليه في مفارقة غريبة عجيبة، تظهر مدى تطابق المصالح بين كل من أميركا وإسرائيل وإيران – إذا إفترضنا حسن النية، بعيداً عن نظرية المؤامرة – في تدمير هذين البلدين اللذين يمكن القول أنهما كانا من ضحايا “الأصوليات” جميعها في المنطقة، من الأصولية اليهودية المتمثلة بالصهيونية إلى الأصولية المسيحية الممثلة بالمحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأميركية، مروراً بالأصولية الإسلامية السنية التي كانت السبب في أحداث الحادي عشر من سبتمبر في أميركا، وتداعياتها على كل من العراق وفلسطين ولبنان، وصولاً إلى الأصولية الإسلامية الشيعية الممثلة بإيران وأتباعها التي قطفت – حتى الآن على الأقل – ثمرة هذه التطورات نتيجة  إجتماع الحقد الغربي – الصهيوني على المكون العربي، مع الخبث الإيراني الفارسي، مدعوماً بالغباء العربي الذي تُرجم ولا يزال بالتشتت المؤدي إلى العجز، الذي أضاع كل من فلسطين ولبنان وسوريا والعراق واليمن، حتى وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم ، بحيث بات يُنظر إلى التطبيع مع العدو الصهيوني، الذي تأسست القومية العربية الحديثة على فكرة معاداته، على أنه خشبة الخلاص بحيث بات ينطبق علينا قول الشاعر كالمستجير من الرمضاء بالنار، وذلك بدل محاولة أخذ العبر من الماضي القريب لإعادة تأسيس مشروع  عربي ولو بالحد الأدنى أقله لحماية ما تبقى ، ووقف الإنهيار وإنقاذ ما يمكن إنقاذه في مواجهة المشاريع الأخرى في المنطقة سواء الصهيونية منها أو الإيرانية أو التركية وحتى الإثيوبية، التي إذا لم تواجه بموقف عربي موحد وداعم لكل من مصر والسودان في قضية سد النهصة، قد تتمادى على قاعدة أن “المال السايب بيعلم الناس السرقة” .  إن ما يشهده العراق اليوم من إنسداد سياسي، مشابه لما شهده لبنان في السنوات الماضية ولا يزال، وأدى إلى ما أدى إليه من إنهيار وتعليق العمل السياسي في كلا البلدين لمكونين أساسيين من مكوناتهما، بغض النظر عن الموقف السياسي أو الممارسة السياسية لكل منهما، إنما هو تطور خطير ويعتبر بمثابة دق آخر مسمار في نعش الدور العربي والهوية العربية والوطنية لكلا البلدين،  وأخشى ما نخشاه بأن يكون هذا الإنسداد قد بلغ نقطة اللاعودة، بحيث يكون البديل هو إما الإستسلام للأمر الواقع على قسوته، وإنتظار الحل عبر تفاهمات إقليمية وربما دولية تكرس هذا الواقع، وإما إنفجار حرب نفوذ بين المشاريع المطروحة في المنطقة تكون وقودها الناس والحجارة والمستقبل العربي، على قاعدة بأن ما أخذته إيران في كل من لبنان والعراق بعد غزوهما وإحتلالهما من قِبَل إسرائيل وأميركا، لا يسترد إلا بإعادة غزو وإحتلال هذين البلدين أو تدميرهما بالكامل. نعود إلى نقطة الصفر لندور في حلقة مفرغة جديدة من الصراعات كالتي عشناها في شبابنا ولا نزال، ليعيشها الجيل الذي أتى بعدنا وبهذا نعود إلى نقطة الصفر لندور في حلقة مفرغة جديدة من الصراعات كالتي عشناها في شبابنا ولا نزال، ليعيشها الجيل الذي أتى بعدنا وكأنه قدر لا فكاك منه، وما هذا إلا لأننا أُبتلينا وسلمنا مصائرنا لبعض الأشخاص، الذين منهم من أعماه الجشع والطمع  ولا يرى فينا سوى سلعة تباع وتشترى في سوق المساومات الإقليمية والدولية، ومنهم من أعمى بصره وبصيرته المجد الشخصي وإنتفاخ الشخصية، بحيث بات يرى نفسه صلاح الدين الأيوبي أو غيره من شخصيات التاريخ القديم أو الحديث، ولو على حساب الناس والأوطان وذلك عبر طرح شعارات جوفاء عفا عليها الزمن وجُرِّبت وأستُهلكت في كثير من الأماكن والأزمان  قديماً وحديثاً، وما أدت إلا إلى الخراب والدمار والتفتت والتحلل.. فهل هناك من يتعظ ويطرح البديل الممكن والمعقول قبل فوات الأوان وقبل “خراب البصرة” وبيروت مجدداً ؟ وحدها الأيام هي الكفيلة بالجواب على هذا السؤال، وهو الجواب الذي سيترتب عليه مستقبل أوطان وربما المنطقة بأكملها.

المصدر: جنوبية

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى