أميركا والصين.. الصراع البارد الذي يرسم ملامح العالم الجديد || يوجد الآن نظامان قيد التشكل، أحدهما بقيادة صينية والآخر بقيادة أميركية.

ترجمة: كريم محمد

يتهاوى النظام العالمي يوما بعد يوم، ويبدو أن الجميع يدَّعي العلم بكيفية إصلاحه، حيث يرى البعض أن الولايات المتحدة عليها أن تعيد تكريس نفسها كي تقود النظام الليبرالي الذي أسهمت في إرساء قواعده منذ 75 عاما، بينما يحاجج آخرون بأنه يجب على القوى العظمى في العالم أن تُشكِّل ائتلافا لنقل المجتمع الدولي إلى عصر جديد من التعاون المتعدد الأقطاب، وأخيرا، يدعو البعض إلى مساومة كبرى تُقسِّم العالم إلى مجالات نفوذ مُستقِرة. والحال أن ما تشترك فيه هذه الرؤى جميعا حيال النظام العالمي هو الافتراض بأن الحوكمة العالمية يمكن تصميمها وفرضها من أعلى إلى أسفل.

بيد أن تاريخ النظام العالمي لا يُرجِّح كفة تلك الرؤى الواثقة في الحلول الرأسية والتعاونية، فلم تكن الأنظمة الدولية الأقوى في التاريخ الحديث -منذ قيام “وِستالفيا” في القرن السابع عشر إلى تشكُّل النظام العالمي الليبرالي في القرن العشرين- مؤسسات شاملة تعمل من أجل صالح البشرية جمعاء، بل كانت هذه الأنظمة تحالفات بنتها القوى العظمى لتسيير دفة منافسة أمنية ضد خصومها الأساسيين. إن الخوف والبغض تجاه عدو مشترك هو ما وطَّد من قواعد تلك الأنظمة الدولية المتعاقبة، وليست الدعوات المستنيرة لجعل العالم مكانا أفضل. فقد حدث التقدم بشأن القضايا العالمية في معظمه كنتيجة جانبية لتعاون أمني عتيد ضد تهديد مشترك، وحينما انقشع هذا التهديد أو تضخَّم للغاية، انهارت تلك الأنظمة الدولية. واليوم، يشهد النظام الليبرالي انهيارا مُماثلا لأسباب عديدة، إلا أن السبب الكامن هو أن التهديد الذي وُضِعَ هذا النظام الليبرالي لهزيمته -أي الشيوعية السوفييتية- قد تلاشى قبل ثلاثة عقود، ولم تدُم أيٌّ من الأهداف الجديدة المُقترَحة لاستمرار النظام الدولي كما نعرفه، لأنه لم يوجد تهديد واضح وقوي بما يكفي ليُجبر اللاعبين الرئيسيين على إقامة تعاون وثيق.

وقد بقي الحال على ما هو عليه حتى الأمس القريب، بيد أن الصين على ما يبدو قد أفزعت الدول المجاورة لها والبعيدة عنها على السواء عن طريق الزيادة المفاجئة في مستويات قمعها واعتداءاتها، فهي تتصرَّف بقوتها الغاشمة في شرق آسيا في محاولة منها لتشكيل مجالات اقتصادية حصرية لها في الاقتصاد العالمي، ثمَّ تُصدِّر في هذه الأثناء أنظمة رقمية تُعزِّز فعالية الأنظمة الاستبدادية. إذن، لأول مرة منذ الحرب العالمية الأولى، تواجه كتلة كبيرة من الدول تهديدات جدية على أمنها ورفاهها وسُبل حياتها، وكلها تهديدات لها منبع واحد.

تسبَّبت تلك اللحظة الكاشفة في طيف واسع من ردود الأفعال، فقد بدأ جيران الصين يسلِّحون أنفسهم ويتحالفون مع القوى الخارجية لتأمين أراضيهم ومعابرهم البحرية. وفي الوقت نفسه، تُطَوِّر الاقتصادات الكبرى في العالم بصورة تعاونية معاييرَ جديدة للتجارة والاستثمار والتكنولوجيا تُميِّز ضمنا ضد الصين، إذ تتآلف الديمقراطيات معا اليوم لتأسيس إستراتيجية مناهضة للسلطوية في الداخل والخارج، كما أُنشئت منظمات دولية جديدة لتنسيق هذه المعركة. وتبدو هذه الجهود المبذولة مبعثرة إذا ما نظرنا إليها في لحظتها الراهنة، لكن إذا أخذنا خطوة إلى الوراء تتَّضِح أمامنا صورة أوسع وأشمل: إن المنافسة مع الصين ترسم ملامح نظام دولي جديد، أيّا كانت الإيجابيات والسلبيات التي سيتمخَّض عنها بالمقارنة مع النظام الدولي الحالي.

تربط العقلية الليبرالية الحديثة النظامَ العالمي بالسلام والتوافق، بيد أن الأنظمة العالمية تاريخيا لطالما تعلَّقت بكبح المنافسين أكثر من توحيد الصفوف، وكما حاجج مُنظِّر العلاقات الدولية “كايل لاسكورِت”، فالأنظمة الكبرى في القرون الأربعة الخوالي كانت “أنظمة إقصاء” وضعتها قوى مُهَيمنة لنفي المنافسين وكبح جماحهم. إن الخوف من العدو، لا الثقة في الأصدقاء، هو ما أرسى حجر الأساس لكل نظام دولي على وجه البسيطة، ومن ثم فقد طوَّر أعضاء تلك النُظُم مجموعة مشتركة من المبادئ عبر تعريف أنفسهم بوصفهم نقيضا لهذا العدو، واستفادوا بذلك من الحافز الأكثر بدائية لدى البشرية، ألا وهو العمل الجماعي.

يطلق علماء الاجتماع على ذلك اسم “دينامية الإدماج والإقصاء”، ويسميها الفلاسفة “بُرهَان سالوست”، على اسم المؤرِّخ القديم الذي حاجج بأن الخوف من قرطاج هو ما صقل وحدة الجمهورية الرومانية. والحال أن هذه الدينامية السلبية تمتد على مدار تاريخ بناء الأنظمة الدولية. فقد أرست الممالك التي انتصرت عام 1648 في حرب الثلاثين عاما قواعد للدولة السيادية أثناء صلح “ويستالفيا”؛ بهدف تفكيك سلطة الكنيسة الكاثوليكية والإمبراطورية الرومانية المقدسة. ووضعت بريطانيا العظمى وحُلفاؤها معاهدة “أوتريخت” عام 1713 للاستيلاء على فرنسا، وذلك بتفكيك شرعية التوسع الإقليمي من خلال الزيجات الملكية، وهي الطريقة التي حبَّذها “لويس الرابع عشر” لمراكمة السلطة. واستُخدِم “الوفاق الأوروبي”، وهو السلام ما بعد النابليوني الذي أُرسِيَ في فيينا عام 1815، من قبل الملكيات المُحافِظة لإخماد صعود الأنظمة الثورية الليبرالية (إبَّان الثورة الفرنسية)*. ثمَّ بنى منتصرو الحرب العالمية الأولى نظام ما بين الحربين لكبح جماح ألمانيا وروسيا البلشفية، وأخيرا، وضع الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية تصميما مبدئيا لنظام عالمي يرتكز إلى الأمم المتحدة؛ للحيلولة دون عودة الفاشية والاتجارية (المِركانتيلية) على الشاكلة النازية، ثم صنع الغرب من ثناياه نظاما منفصلا لإقصاء الشيوعية السوفييتية والقضاء عليها.

إن السمات الرئيسية للنظام الليبرالي اليوم ما هي إلا وريث مباشر لتحالفات الولايات المتحدة في حقبة الحرب الباردة. وبعد أن قرَّر السوفييت ألا ينضموا إلى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي و”الجات (GATT)”، أعيدَ توظيف هذه المؤسسات وكيلا للتوسُّع الرأسمالي، في أول الأمر لإعادة بناء الاقتصادات الرأسمالية، وفيما بعد لترويج العولمة. وقد وضعت خطة “مارشال” أسس المجتمع الأوروبي عن طريق إغداق المساعدات الأميركية على الحكومات التي قبلت بلفظ الشيوعيين خارج صفوفها وبالعمل معا لإنشاء فيدرالية اقتصادية. وأنشأ حلف الناتو جبهة موحدة ضد الجيش الأحمر، وأُنشِئت سلاسل من التحالفات الأميركية بطول شرق آسيا لكبح جماح التوسُّع الشيوعي هناك، لا سيَّما من الصين وكوريا الشمالية. ولم تكن علاقة الولايات المتحدة مع الصين التي امتدت من السبعينيات إلى العقد الأول من القرن العشرين سوى مناورة لاستغلال الانقسام السوفييتي-الصيني.

في غياب تهديد الحرب الباردة، لم يكن لليابان وألمانيا الغربية أن يتسامحا مع الاحتلالات العسكرية الأميركية طويلة الأمد على أرضهما، وبالمثل، لم يكن بإمكان البريطانيين والفرنسيين والألمان أن يوحِّدوا مصادرهم الصناعية، ولم تكن الولايات المتحدة لتلقي بثقلها خلف المؤسسات الدولية بالصورة التي شهدناها آنذاك، وأن تُقدِّم الضمانات الأمنية والمعونات السخية وتلك القدرة على الوصول إلى الأسواق للعشرات من البلدان، بما فيها قوى المحور السابق، لولا صراعها مع السوفييت. وحده تهديد قوة عظمى نووية شيوعية هو ما أجبر هذا العدد من الدول على تنحية خلافاتهم جانبا، وبناء مجتمع أمني ونظام تجارة حرة من أقوى ما شهدناه في التاريخ.

لقد علِمت الولايات المتحدة، وكذلك حلفاؤها، منذ عقود مَنْ هو العدو، وما المبدأ الذي يحاربون من أجله، بيد أن الاتحاد السوفييتي سقط بعد ذلك، وأفسح الطريق لتهديدات صغرى سُرعان ما حلَّت محل التهديد الأكبر. وبدلا من إرساء نظام دولي جديد مناسب لتلك المرحلة، لجأ الحلفاء الغربيون إلى تعزيز النظام الناجح حينئذ رغم انقشاع مسوِّغاته. لربما تفكَّك عدوهم إلى غير رجعة، لكن مهمتهم التي آمنوا بها بقيت كما هي: العمل على ترويج مجتمع الديمقراطيات القائمة على السوق الحرة. لذا، انصبت جهود الدول الغربية طيلة العقود الثلاثة اللاحقة على مَدِّ النظام الليبرالي الغربي إلى نموذج عالمي، وتضاعفت تقريبا أعداد الدول الأعضاء في الناتو، وتحوَّل المجتمع الأوروبي إلى الاتحاد الأوروبي (EU)، وصارت “الجات” منظمة التجارة العالمية (WTO)، ورحَّبت بالعشرات من الأعضاء الجدد؛ الأمر الذي مهَّد الطريق لحقبة غير مسبوقة من العولمة الفائقة.

إلا أن ذلك لم يكن ليدوم طويلا. إن النظام الليبرالي، مثله مثل كل الأنظمة العالمية التي سبقته، ما هو إلا شكل من أشكال النفاق المُنظَّم الذي يحوي في داخله بذور نهايته، حيث ينبغي على بُناة الأنظمة الدولية أن يقصوا الأمم المناوئة لهم، وأن يحظروا السلوكيات غير المتعاوِنة، وأن يخمدوا المعارضة المحلية لقوانين النظام الدولي؛ إن هُم أرادوا صقل مجتمع دولي قوي. وتلك الأعمال القمعية بطبيعتها تُسبِّب في نهاية المطاف ردود فعلٍ عنيفة، فقد أبادت السلطات الفاشية المتضرِّرة أثناء الثلاثينيات النظام الليبرالي ما بين الحربين؛ ذلك النظام الذي وقف عائقا أمام مطامحها الإمبريالية. وسخر المسؤول السوفييتي في الأمم المتحدة أواخر الأربعينيات من مؤسسات “برِتون وودز” باعتبارها “أفرع لوول ستريت”. نعم، إن الأنظمة الدولية، ولأنها بطبيعتها إقصائية، تحفِّز ظهور مُعارضين من داخلها وعلى تخومها.

افترض الكثيرون في الغرب لأمد طويل أن النظام الليبرالي قد يكون استثناء عن تلك القاعدة التاريخية، فمن المفترض أن يؤدي التزام النظام بالانفتاح وعدم التمييز إلى “صعوبة الانقلاب عليه وسهولة الانضمام إليه” كما حاجج أستاذ العلوم السياسية “جون أيكِنبِري” عام 2008. فأي دولة، صغرت أم كبرت، بإمكانها أن تدخل الاقتصاد المعولم وتؤدي دورا فيه، ويمكن أن تتكيَّف المؤسسات الليبرالية مع جميع صنوف الأعضاء، حتى غير الليبراليين منهم. وكلما انضمت دول أكثر، اكتسبت تلك الدعوة المثالية أرضا جديدة: السوق الحرة تولِّد الرخاء؛ ما يُشيع الديمقراطية، ومن ثَمّ فهو يعزز التعاون الدولي، ومن ثم يؤدي إلى مزيد من التجارة، وهكذا. والأهم من كل ذلك، لم يواجه النظام الدولي الحالي معارضة كبرى تُذكر، لأنه هزم بالفعل عدوه الرئيسي، فقد أبلغ زوال الشيوعية رسالة ساطعة إلى الجميع بأنه ما من بديل واقعي عن الرأسمالية الديمقراطية.

بيد أنه تبيَّن لنا اليوم أن هذه الافتراضات خاطئة، إذ إن النظام الليبرالي إقصائي فعلا في أعماقه، وبترويجه وتشجيعه على الأسواق الحرة والحدود المفتوحة والمؤسسات العابرة للقومية واستعمال العقل لحل المشكلات، فهو يتحدَّى المعتقدات والمؤسسات التقليدية التي وحَّدت المجتمعات لعقود طويلة، مثل سيادة الدولة والقومية والدين والعرق والأسرة والقبيلة. لقد كُبِتَت هذه الأواصر المتينة بالدم والأرض، وفي حين أنها أثناء الحرب الباردة، حيث كان على الولايات المتحدة وحلفائها أن يحافظوا على جبهة موحَّدة لمواجهة الاتحاد السوفييتي، فإنها عاودت البزوغ مجددا على مدار حقبة ما بعد الحرب الباردة، وكما قال المسؤول السوفييتي “جورجي أرباتوف” لجمهور أميركي عام 1988: “نحن في الطريق إلى أن نقترف أمرا مريعا بحقكم… سنحرمكم من وجود عدو”.

تنهار اليوم كثير من ركائز النظام الليبرالي تحت وطأة الضغط عليها. مثلا، يعاني الناتو من التمزُّق بسبب الخلافات حول تشارك الأعباء بين أعضائه، وكاد الاتحاد الأوروبي أن يتفتت أثناء أزمة منطقة اليورو، وفقدَ عضوية بريطانيا، وغدا مهددا بسبب صعود الأحزاب اليمينية المعادية للأجانب. كما أن الجولة الأخيرة لمحادثات منظمة التجارة العالمية حول التجارة المتعدِّدة الأطراف مضى عليها عشرون عاما دون الخروج بأي اتفاق. ومن ثمَّ يبدو النظام الليبرالي إجمالا عليلا غير قادر على التعامل مع الإشكالات العالمية الملحّة مثل تغير المناخ والأزمات المالية والجوائح والتضليل المعلوماتي عبر الإنترنت ونزوح اللاجئين والتطرُّف السياسي، وهي المشكلات التي يمكن القول صراحة إنها نتيجة مباشرة لنظام مفتوح يروِّج للتدفُّق غير المُقيَّد للمال والبضائع والمعلومات والبشر عبر الحدود.

أدرك صناع السياسة هذه الإشكاليات منذ فترة، إلا أنه ما من فكرة من أفكارهم لإعادة إصلاح النظام قد جذبت انتباها؛ ذلك لأن بناء نظام دولي أمر مُكلف، فهو يقتضي من القادة تخصيص الوقت ورأس المال السياسي، بعيدا عن أجنداتهم للتملُّص من القواعد الدولية والترويج لأحزابهم أمام جماهير باتت متشككة فيهم أصلا. لا تأتي المبادرة بمثل هذه الإجراءات تلقائيا بطبيعة الحال، وهذا هو السبب في أن عملية بناء النظام الدولي تحتاج إلى عدو مشترك، فهذه القوة المُوحَّدة هي التي غابت على مدار ثلاثين عاما مضت، وأدت إلى تفكُّك عُرى النظام الليبرالي.

لم يكن ثمَّة شك حيال ما تريده الصين؛ لأن القادة الصينيين أفصحوا عن الأهداف ذاتها لعقود: الحفاظ على الحزب الشيوعي في سدة الحكم، وإدماج تايوان مجددا داخل الصين، وفرض السيطرة على بحرَي شرق الصين وجنوب الصين، وإعادة الصين إلى مكانها الملائم بوصفها القوة المهيمنة في آسيا والدولة الأقوى في العالم. وقد انتهجت الدولة الصينية طيلة العقد الماضي بأكمله نهجا مسالما ومتأنيا لإنجاز هذه الأهداف، فصرفت تركيزها إلى النمو الاقتصادي خوفا من إقصائها دوليا، وتبنَّت إستراتيجية “الصعود السلمي”، مُعتمدة بصورة أساسية على النفوذ الاقتصادي لإنجاز مصالحها.

ومع ذلك، فإن الصين في السنوات الأخيرة توسَّعت على صُعُد وجبهات مختلفة بعدوانية. ويتضح هذا التهديد بصورة أجلى في بحار شرق آسيا، حيث تتحرك الصين لترسيخ مزاعمها الإقليمية الواسعة. وتنتج بكين اليوم السفن الحربية على نحو أسرع من أي دولة منذ الحرب العالمية الثانية، كما ملأت الممرات البحرية الآسيوية بالحرس الساحلي الصيني وبسفن الصيد، وزادت من استخدامها لاصطدام السفن والاعتراضات الجوية زيادة ملحوظة من أجل الدفع بجيرانها خارج المناطق المتنازع عليها. هذا وتطوف الدوريات العسكرية الصينية في مضيق تايوان يوميا تقريبا، وتقوم بمحاكاة الهجوم على أهداف تايوانية وأميركية.

إن خطة الصين في السنوات الخمس الأخيرة تنادي بالسيطرة على ما يسميه المسؤولون الصينيون بـ”نقاط الاختناق (Chokepoints)” -أي السلع والخدمات التي لا يمكن للدول الأخرى أن تعيش بدونها- ومن ثم استعمال هذه الهيمنة لإرهاب الدول بتقديم التنازلات، إضافة إلى الإغراء الذي تتمتع به السوق المحلية الصينية. وقد غدت الصين، من أجل تحقيق هذا الهدف، الدولة الأبرز في توزيع القروض الخارجية، حيث أثقلت كاهل أكثر من 150 دولة بما يربو عن تريليون دولار من الديون. وأقامت الصين على نحو كبير صناعات إستراتيجية في هذه البلدان لاحتكار المئات من المنتجات الحيوية، وثبَّتت أنظمة الشبكات الرقمية بنفسها في أراضي تلك الدول.

أصبحت الصين أيضا قوة فعالة في معاداتها للديمقراطية، إذ تبيع أدوات متطوِّرة لترسيخ الاستبداد والفاشية في كل أرجاء العالم. وبربطها كاميرات المراقبة بأنظمة مراقبة شبكات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي والمقاييس الحيوية وتقنيات التعرُّف على الوجه والصوت، فإنها تبوَّأت موقع الصدارة لنشر منظومة تسمح للمستبدين بمشاهدة المواطنيين طوال الوقت، ومعاقبتهم فورا بحظرهم من الوصول إلى الأموال أو التعليم أو التوظيف أو أدوات الاتصال أو السفر. وتُعَد أجهزة المراقبة هذه حلم أي طاغية، وتبيعها الشركات الصينية بالفعل، بل وتُشغِّلها في أكثر من ثمانين دولة.

بينما تضرم الصين النيران فيما تبقى من النظام الليبرالي، فإنها تثير ردود فعل دولية عنيفة. فقد أظهر استطلاع قام به مركز “بيو” عام 2021 بأن ما يقرب من 75% من سُكَّان الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا يحملون رؤى سلبية تجاه الصين، ولا يثقون في أن الرئيس الصيني سيتصرَّف بمسؤولية في الشؤون الدولية أو يحترم حقوق الإنسان. وأظهر استطلاع آخر قام به مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية عام 2020 بأن 75% من نخب السياسة الخارجية في تلك البلدان نفسها يعتقدون بأن السبيل الأمثل للتعامل مع الصين هو تشكيل تحالف من الدول المتوافقة ضدها. لقد بدأت المشاعر المعادية للصين تتمظهر في ردود فعل ملموسة، وبدأت قوى فاعلة ومستقلة في توحيد جهودها لتقليص نفوذ بكين. وهم بفعلهم ذلك إنما يعيدون تنظيم العالم، فالنظام الناشئ المناهض للصين يحيد عن مبادئ النظام الليبرالي بشكل جوهري؛ إذ إنه موجَّه ناحية تهديد مختلف تماما عن الاتحاد السوفييتي. إنه نظام دولي سيقلب معادلة التعزيز النسبي للرأسمالية على حساب الديمقراطية إلى نقيضها.

لقد روَّج النظام الليبرالي أثناء حقبة الحرب الباردة للرأسمالية أولا، في حين أتت الديمقراطية في المرتبة الثانية. ودفعت الولايات المتحدة وحلفاؤها بالسوق الحرة إلى أقصى حد يمكن أن تَطُوْله قوتهم ونفوذهم، ولكن حينما أُجبروا على الاختيار، فإنهم دوما ما شجَّعوا المستبدين اليمينيين على حساب الديمقراطيين اليساريين. وما سُمي بالعالم الحر آنذاك لم يكن سوى هيكل اقتصادي بالأساس، وحتى بعد الحرب الباردة عندما أصبح ترويج الديمقراطية حرفة رائجة في العواصم الغربية، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها كثيرا ما نحّوا حقوق الإنسان جانبا مقابل كسب الوصول إلى الأسواق، مثلما فعلوا حينما أدخلوا الصين إلى منظمة التجارة العالمية.

بيد أن الانفتاح الاقتصادي غدا عبئا الآن على كاهل الولايات المتحدة وحلفائها بعد أن تغلغلت الصين فعليا في كل أركان النظام الليبرالي. إن النظام الرأسمالي السلطوي في الصين يبدو مُصمَّما تماما من أجل حلب الأسواق الحرة لتحقيق منافع تجارية. ويستعمل هذا النظام الدعم المادي الحكومي والتجسُّس كي تسيطر شركاته على الأسواق العالمية وتحمي سوقها المحلية، كما أنه يراقب الشركات والأفكار الغريبة على شبكة الإنترنت خاصته، ويدخل بكل حرية إلى شبكة الإنترنت العالمية لسرقة الملكية الفكرية ونشر بروباجندا الحزب الشيوعي الصيني، ويترأس مناصب قيادية في المؤسسات الليبرالية الدولية مثل مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، ومن ثم يأخذ هذه المؤسسات إلى اتجاهات غير ليبرالية، في حين يتمتع بشحن سلعه الآمن إلى شتى أنحاء العالم.

لقد استيقظت الولايات المتحدة وحلفاؤها على الخطر الصيني، حيث بات النظام الليبرالي، وبالأخص الاقتصاد المعولم، وسيلة لتمكين عدو شرس خطير. وردا على ذلك، فإنهم يحاولون بناء نظام جديد يُقصي الصين، وذلك عن طريق جعل الديمقراطية شرطا أساسيا للعضوية الكاملة في النظام. وحينما عقد الرئيس بايدن في مارس/آذار 2021 مؤتمره الصحفي الأول ووصف التنافسية الأميركية-الصينية بأنها جزء من تنافس أكبر بين الديمقراطية والأوتوقراطية، فلم يكن الأمر محض خطاب أجوف، إذ كان بايدن حينئذ يشير إلى خط المعركة مستندا إلى معتقد مشترك بأن الرأسمالية السلطوية تطرح تهديدا مميتا للعالم الديمقراطي. والحال أن الديمقراطيات العريقة إنما بدأت في طرح قواعد جديدة وتبني معايير وممارسات تقدمية مع إقصاء تلك البلدان التي لن تتبع هذه القواعد والممارسات. وليست الديمقراطيات بصدد إحداث توازن مع الصين فحسب، بل هي أيضا تعيد تنظيم العالم من حولها.

إن بنية النظام الجديد ما تزال قيد التشكُّل، إلا أن هناك سمتين رئيسيتين يمكن أن نستشفهما منها بالفعل: أولهما وجود كتلة اقتصادية فضفاضة أرستها مجموعة الدول السبع، وهي مجموعة الحلفاء الديمقراطيين الذين يهيمنون على أكثر من نصف ثروة العالم، وتتعاون هذه القوى القيادية مع الدول المشابهة لكبح جماح الصين عن احتكار الاقتصاد العالمي.

لطالما أوضح لنا التاريخ أن أي قوة تهيمن على السلع والخدمات الإستراتيجية في حقبة ما، فإنها تهيمنُ على هذه الحقبة. فمثلا، استطاعت بريطانيا في القرن التاسع عشر تشييد إمبراطورية لا تغيب الشمس عنها أبدا؛ لأنها امتلكت زمام الأمر فيما يتعلَّق بالحديد والبخار والتلغراف على نحو أسرع من منافسيها. وتسيَّدت الولايات المتحدة في القرن العشرين بسبقها في استخدام الفولاذ والكيماويات والإلكترونيات والعلوم الفضائية وتكنولوجيا المعلومات. وتصبو الصين الآن إلى أن تهيمن على القطاع الإستراتيجي الحديث وجعل الاقتصادات الأخرى في موقع التابع لها. وقد أخبر رئيس مجلس الدولة الصيني “لي كه تشيانغ” مستشار الأمن القومي الأميركي سابقا “هربرت رَيموند ماكماستر” بتصوُّره عن الولايات المتحدة والدول الأخرى وموقعهم في الاقتصاد العالمي المستقبلي قائلا: “سيتمثل دورهم ببساطة في تزويد الصين بالمواد الخام والمنتجات الزراعية والطاقة من أجل إنتاج المنتجات الاستهلاكية والصناعية المهمة في العالم”، كما أخبرني ماكماستر.

تسعى الديمقراطيات الليبرالية الآن إلى تجنب التحوُّل إلى تُرس في إمبراطورية اقتصادية صينية، وذلك بتشكيل شبكات تجارة واستثمار حصرية لها تُسرِّع من وتيرة تقدُّمها في القطاعات الحيوية، وإبطاء عجلة الصين في الوقت نفسه. والحال أن بعض هذه الشراكات، مثل “الشراكة الأميركية-اليابانية للتنافسية والمرونة” التي أُعلِنَ عنها عام 2021، تخلق مشاريع بحثية وتطويرية لمساعدة الأعضاء على سبْق الابتكار الصيني. وتركز مشاريع أخرى على إعاقة النفوذ الاقتصادي للصين عبر تطوير بدائل عن المنتجات والموارد المالية الصينية. على سبيل المثال، ستزوِّد مبادرة الدول السبع “إعادة بناء عالم أفضل (Build Back Better World)”، ومبادرة “البوابة العالمية” للاتحاد الأوروبي، الدولَ الفقيرة بتمويل البنى التحتية بوصفها بديلا عن مبادرة الحزام والطريق الصينية. كما أن أستراليا والهند واليابان أطلقوا معا مبادرة “مرونة سلاسل الإمداد” التي ستوفِّر الدوافع لشركاتهم كي تنأى في تشغيلها وعملها عن الصين. وبتوصية من الولايات المتحدة، فإن الدول التي تمثل ما يزيد عن 60% من سوق معدات الهواتف في العالم سَنَّت قيودا -أو تفكر في ذلك- ضد شركة “هواوي” الصينية.

في خضم ذلك، تقيِّد التحالفات الديمقراطية من مقدرة الصين على الوصول إلى التقنيات المتقدمة، فقد اتفقت مثلا هولندا وكوريا الجنوبية وتايوان والولايات المتحدة سرا على حرمان الصين من أشباه الموصِّلات المتقدمة والماكينات التي تصنِّعها. وثمَّة مؤسسات جديدة تُرسي القواعد لنظام تحكُّمي شامل لمراقبة الصادرات، فمجلس التجارة والتكنولوجيا بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بصدد وضع معايير مشتركة عابرة للأطلسي لمراقبة الصادرات إلى الصين في مجال الذكاء الاصطناعي وغيرها من التقنيات المهمة المتقدمة. كما أن مبادرة حقوق الإنسان ومراقبة الصادرات التي كُشف عنها عام 2021 تمثل مشروعا تعاونيا يجمع أستراليا وكندا والدنمارك وفرنسا وهولندا والنرويج وبريطانيا والولايات المتحدة، وتقوم بالشيء نفسه فيما يتعلق بالتقنيات التي قد تدعم الاستبداد والسلطوية الرقمية، مثل أدوات التعرف على الوجه والكلام.

أما السمة الثانية للنظام الناشئ فتتمثل في الحاجز العسكري المُضاعَف لاحتواء الصين، وتتشكَّل طبقته الداخلية من دول منافسة ومتاخمة لحدود الصين البحرية -بما فيها إندونيسيا واليابان والفلبين وتايوان وفيتنام- التي تهدف إلى تنصيب نفسها رأس حربة في إطار عملية حرمان الصين من السيطرة الجوية والبحرية قرب سواحلها. والحال أن هذه الجهود المبذولة إنما تُرسِّخها الآن طبقة خارجية من القوى الديمقراطية، وعلى رأسها أستراليا والهند وبريطانيا والولايات المتحدة. لقد غدا هذا التعاون الأمني أقوى ومُمأسسا أكثر من أي وقت مضى، ويشهد على ذلك بزوغ الحوار الأمني الرباعي بين أستراليا والهند واليابان والولايات المتحدة، وأيضا اتفاقية “أوكوس (AUKUS)” التي تربط بين بريطانيا وأستراليا والولايات المتحدة.

إن هذه الجهود حين يُنظَر إليها نظرة فردية، تبدو عشوائية ومحض رد فعل، لكنها مع ذلك تفصح مجتمعةً عن رؤية إيجابية لنظام ديمقراطي يختلف كلية عن النموذج الاتجاري الصيني، ويختلف عن النظام العالمي القديم، الذي ارتكز في جوهره إلى العقيدة النيوليبرالية. إن هذه الرؤية، بغرسها لمعايير العمل وحقوق الإنسان في الاتفاقيات الاقتصادية، إنما تضع الناس بوصفهم أولوية فوق مصالح الشركات وسلطات الدول، كما تعزز أيضا من البيئة العالمية وتنقلها من مجرد سلعة إلى مشاع مُشترك ومحمي من الجميع. ويسعى النظام الجديد بربطه الديمقراطيات داخل شبكات حصرية إلى إجبار الدول على إصدار أحكام قضائية وفرض عقوبات حقيقية على السلوك غير الليبرالي. فهل تريد أن تصنع فولاذا بوسائل ملوِّثة للبيئة وبواسطة العمالة بالسخرة؟ إذن، فلتستعد لمواجهة الرسوم الجمركية التي تفرضها الدول الأغنى في العالم. وهل تفكر في الاستيلاء على مياه دولية؟ فلتتوقع زيارة أسطول من مختلف الجنسيات.

إذا واصلت الصين إفزاعها للديمقراطيات لتعمل معا بصورة جماعية، فإنها بفعلها ذلك تُحدث التغييرات الأشد في بنية الحوكمة العالمية منذ جيل أو يزيد. فباحتواء التوسُّع البحري الصيني مثلا، يمكن للأمن البحري في شرق آسيا أن يصير آلية فعالة لإنفاذ القوانين المتعلقة بالبحر. وعن طريق الجهود الدولية للحيلولة دون انتشار السلطوية الرقمية، قد تُستلهم قوانين ولوائح جديدة بشأن حماية المعلومات والخصوصية الرقمية، كما أن حتمية التنافس مع الصين قد تستحث فورة غير متوقعة في الإنفاق على بنية البحث والتطوير في كل أنحاء العالم.

إن تاريخ تشكُّل النظام الدولي هو تاريخ من المنافسة الشرسة بين المنظومات المتصادمة، لا تاريخ تعاون متناغم. وفي أفضل الأزمنة، اتخذت تلك المنافسة شكل الحرب الباردة، ولكن تحولت المنافسة في كثيرٍ من الحالات إلى حرب مستعرة، وحينها تبوَّأت السلطانَ الدولي المنظومةُ المنتصرة إلى أن دُمِّرت من قِبَل منافسٍ جديد، أو حتى انهارت ببساطة دونما تهديد خارجي.

نجد اليوم عددا متزايدا من صانعي السياسات والمحللين يدعون إلى تنسيقٍ جديد للقوى لفرز مشكلات العالم وتقسيمه إلى مناطق نفوذ. غير أن فكرة النظام الشامل الذي لا تغلب فيه رؤية قوة بعينها هو ضرب من الخيال. لا يوجد سوى نظامين قيد التشكل الآن، أحدهما بقيادة صينية، والآخر بقيادة أميركية. إنّ وضع الصين نفسها في موقع المدافع عن الهرمية والتقليد في مواجهة الغرب المُضمَحِل والمضطرب، يدفع الولايات المتحدة لحشد حلفائها من أجل كبح القوة الصينية وجعل العالم مكانا آمنا للديمقراطية.

إن هذا الصراع بين النظامين هو ما سيُعرِّف القرن الحادي والعشرين ويقسم العالم. إذ ستنظر الصين إلى النظام الديمقراطي الناشئ بوصفه إستراتيجية احتوائية صُمِّمت لخنق اقتصادها، وردا على ذلك، ستسعى إلى حماية نفسها من خلال تأكيد سيطرةٍ عسكريةٍ أكبر على ممراتها البحرية الحيوية، وإنشاء منطقةٍ اقتصادية حصريةٍ لشركاتها، وكذلك دعم حلفائها الاستبداديين؛ الأمر الذي سيدفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى اجتناب بكين وبناء نظامٍ ديمقراطي.

لاقتناص لمحة صغيرة عما قد تبدو عليه هذه الحلقة المفرغة، تأمّل ما حدث في مارس/آذار عام 2021، حين فرضت كندا وبريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوباتٍ على أربعة مسؤولين صينيين بسبب انتهاكاتٍ لحقوق الإنسان في ولاية تركستان الشرقية (شينجيانغ)، وهي عقوبات كانت بمنزلة صفعة خفيفة، لكن بكين فسَّرتها بأنها اعتداء على سيادتها، وأطلقت العِنان لخطاب دبلوماسي عنيف مع سلسلة من العقوبات الاقتصادية، ثمَّ رد الاتحاد الأوروبي بتجميد اتفاقية الاستثمار الشامل المقترحة بين الصين والاتحاد الأوروبي.

ستستعر خلال السنوات القادمة الحروب التجارية والتقنية بين الصين والولايات المتحدة التي بدأت خلال فترة إدارة ترامب، وذلك لأن كلا الطرفين يسعى إلى توسيع مجالات نفوذه الخاصة. ومن ثمَّ ستدفع كلٌ من الصين والولايات المتحدة شركاءهما إلى الانحياز إلى أحد الطرفين، وستجبرانهم على إعادة توجيه سلاسل التوريد الخاصة بهم واعتماد النظام البيئي الشامل للتقنيات والمبادئ الخاصة بأحد الطرفين. وسينقسم الإنترنت إلى عالمين، وحين يرتحل الناس من واحد إلى آخر، فإنهم سيدخلون عالما رقميا مختلفا، فلن تعمل هواتفهم، وكذلك مواقعهم المفضلة وحسابات بريدهم الإلكتروني أو تطبيقات التواصل الاجتماعي الثمينة الخاصة بهم، في العالم الآخر.

لن تنتهي تلك المواجهة إلا حين يهزم أو يستنفد أحد الطرفين الآخر. ومن الآن فصاعدا، فإن الأموال الذكية ستكون في الجانب الأميركي، الذي يمتلك ثروة وعتادا وأسلحة تفوق ما لدى الصين، كما يمتلك آفاقا أفضل للنمو المستقبلي. فمع بدايات العقد المقبل (ثلاثينيات القرن الجديد)، ستبدأ الأزمة الديموغرافية الصينية بالتفاقم، حيث يتوقع أن تفقد الدولة ما يقارب من 70 مليون فرد ممن هم في سن العمل، وتكسب زيادة في عدد الكبار في السن تقارب 130 مليون شخص، وستكون مئات مليارات الدولارات من القروض الصينية في الخارج مُستحقة حينئذ، وسيكون العديد من شركاء الصين الأجانب عاجزين عن سدادها. من الصعب استشراف كيف يمكن لدولة تواجه العديد من التحديات بهذا الشكل أن تحافظ على نظامها الدولي لفترة طويلة، خاصة أنها تواجه معارضة حازمة من الدول الأكثر ثراء في العالم.

ومع ذلك، فإن بقاء النظام الديمقراطي الذي تقوده أميركا بعيدٌ كل البعد عن كونه أمرا مُسلَّما به. إذ يمكن أن تعاني الولايات المتحدة من أزمة دستورية في الانتخابات الرئاسية عام 2024 لتسقط في قبضة تناحر أهلي. ويعاني العالم الديمقراطي بدوره من أكبر أزمة ثقة ووحدة قومية منذ ثلاثينيات القرن الماضي؛ إذ نشهد الآن صعودا للقومية والشعبوية ومعارضة العولمة؛ ما يجعل العمل الجماعي بين تلك الدول صعبا. فديمقراطيات شرق آسيا منخرطةٌ في نزاعاتٍ إقليمية بعضها مع بعض، وبالمقابل ينظر العديد من الأوروبيين إلى الصين بوصفها فرصة اقتصادية أكثر من كونها تهديدا إستراتيجيا، ويشككون بجدية في مصداقية الولايات المتحدة باعتبارها حليفا لهم. كما أن لدى الأوروبيين وجهات نظر متباينة عن الأميركيين فيما يتعلق بأمن البيانات والخصوصية، وذلك إضافة إلى أن الحكومات الأوروبية تخشى هيمنة التكنولوجيا الأميركية بقدر ما تخشى الهيمنة الرقمية الصينية. وبدورها قد لا تكون الهند مستعدة للتخلي عن سياستها التقليدية المتمثلة بعدم الانحياز والانتقال لدعم النظام الديمقراطي دعما مفتوحا، خاصة أن قبضة القمع تشتد داخلها.

في حال فشل هذا التحالف في ترسيخ نظامه الدولي، فإن العالم سينجرف بثباتٍ نحو الفوضى، وتجاه صراع بين القوى العظمى والكتل الإقليمية، حيث يبذل الأقوياء ما بوسعهم ويعاني الضعفاء مما سيلاقونه حتما. يفترض بعض العلماء -أو يأملون- بأن العالم غير المُنظَّم هذا سيتدبَّر أموره من تلقاء نفسه، وأن القوى العظمى ستقيم مجالات نفوذ مستقرة وستتجنب الصراعات، أو أن انتشار التجارة الدولية والأفكار المستنيرة من شأنها أن تحافظ بشكلٍ طبيعي على السلام والازدهار العالميين. إلا أن السلام والازدهار في الحقيقة غير طبيعيَّين، وحين يتحققان فإنهما ينبعان من التعاون المستمر بين القوى العظمى كما أسلفنا، وهو بالضبط ما يعنيه النظام الدولي.

تشي لنا صفحات التاريخ بأن أزمنة الأقطاب المتعددة السائلة عادة ما ينتهي بها المطاف إلى كارثة، هذا بصرف النظر عن الأفكار المستنيرة والتقنيات المتقدمة الرائجة في تلك الأزمنة. لقد شهدت أواخر القرن الثامن عشر أوج عصر الأنوار في أوروبا، وذلك قبل أن تنحدر القارة إلى جحيم الحروب النابليونية. وفي مطلع القرن العشرين، تنبأت العقول الأذكى في العالم بنهاية الصراع بين القوى العظمى، حيث توقَّعوا أن تربط السكك الحديدية والتلغراف وكابلات الهواتف والبواخر البلدان بعُرى وثيقة، لكن سرعان ما تبع ذلك الحرب الأسوأ في التاريخ حتى وقتنا هذا. إذن، الحقيقة المُحزنة والمعضلة هي أن الأنظمة الدولية شديدة الأهمية لاجتناب الفوضى، بيد أنها لا تظهر عادة إلا في خضم فترات التنافس بين القوى العظمى.

إن الولايات المتحدة وحلفاءها، ومن أجل أن يبنوا مستقبلا أفضل، بحاجة إلى اعتناق رؤى أكثر استنارة لمصالحهم أكثر مما كانت لديهم حتى في فترة الحرب الباردة، إذ توافقت مصالحهم الاقتصادية آنذاك مع مصالحهم الجيوسياسية تماما، على عكس اللحظة الحالية. إن الطمع وحده لا أكثر يُمكن أن يجبر الدول الرأسمالية على التعاضد لحماية الثروات الخاصة ضد الانقضاض الشيوعي (مثلما حدث في الحرب الباردة)، أما الآن، فإن الاختيار ليس ببسيط، فالوقوف ضد الصين قد تترتب عليه آثار اقتصادية كبرى، لا سيَّما على المدى القصير.

إن كان ثمَّة أمل، فإنه يكمن في الالتزام المتجدد بالقيم الديمقراطية. إن الولايات المتحدة وحلفاءها يتشاركون طموحا مشتركا لنظام عالمي قائم على مبادئ ديمقراطية، ومُصان باتفاقيات وقوانين دولية. والحال أن نظاما كهذا يجري تشكيله في خضم التنافس مع الصين، يمكن أن يصير النظام الأكثر استنارة الذي لم يشهد العالم مثيله قط، عالم حر بما تعنيه الكلمة. بيد أنه يتوجَّب على الولايات المتحدة وحلفائها أن يتبنوا عقيدة التنافس مع الصين لأجل ذلك، وأن يسيروا معا عبر صراع طويل آخر يخرج فيه النور من ثنايا الظلام.

——————————————————–

هذا المقال مترجم عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر: الجزيرة. نت/ Foreign Affairs

 

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى