هل ستغير الحرب الأوكرانية المعادلات الدولية، وإعلان انتهاء عصر القطب الواحد ؟

محمد علي صايغ

تباينت الٱراء والتحليلات بخصوص الحرب الاوكرانية .. كما تباينت المواقف حول خلفية هذه الحرب التي ستشكل منعطفاً تاريخياً في السياسة الدولية .. فما قبل هذه الحرب بالتأكيد لن يكون كما بعدها في توازنات القوى الدولية وتحالفاتها .. وبالرغم من أن جميع الاطراف الدولية تعمل على تخميد تطورها وانفجارها بكل الوسائل الى حرب نووية أو الدخول المباشر في حرب – ولو تقليدية – بين القوى العظمى لما قد تجر هذه الحرب من مخاطر كبرى .. لقناعة الجميع بأن الحرب عندما تبدأ ، فلا أحد يمكن ان يتحكم بنهاياتها ومٱلاتها . ولكن هذه الحرب بالرغم من الكوابح والضوابط والمسار الذي هي فيه ستفرز منعطفات جديدة ، ” ” فالحرب – كما يقول تروتسكي – تفرض تحولات تاريخية ” ، سترتد على اركان النظام العالمي الحالي وقد تفرض تغيرات حاسمة في تغيير أوراق اللعب السابقة ، إن كان في اوربا او بقية العالم ومنها الشرق الوسط والمنطقة العربية ، وقد ترتد ٱثارها على الملف السوري ، خاصة في ظل السعي الأمريكي المتسارع نحو انجاز الاتفاق النووي مع إيران على الرغم من الممانعة الروسية لما قد ينعكس سلبا هذا الاتفاق على حالة الحرب في اوكرانيا وعلى الاوضاع الروسية في ظل العقوبات الامريكية والغربية واسعة النطاق …. وإذا كان لروسيا مخاوفها من التهديد المباشر الذي يشكله دخول أوكرانيا في حلف الناتو والاتحاد الاوربي ووضع القواعد العسكرية وخاصة الصاروخية على حدودها بما يهدد الأمن القومي الروسي .. فإن لأمريكا مخاوفها في انفراط عقد سيادتها كقطب وحيد في السيطرة على العالم . ذلك أن التطور الروسي في ميدان الاسلحة النوعية وبدء تعافي اقتصادها بامتلاكها النفط والغاز الذي يغذي اوربا شكل رعبا يلاحق أمريكا ويقض مضجعها خاصة التقارب الروسي الصيني عبر العقود والاتفاقيات التي تم التوقيع عليها بين الطرفين بما يشكل قطبا موازيا لأمريكا في المستقبل القريب وخاصة بما لحق بهذا القطب من دول وما سيلحق به من دول أخرى ، مما قد يدخل العالم في صيغة جديدة من الحرب الباردة او التنافس الاستقطابي وبما يخل بالتوازنات الحالية …. وتشير الدلائل والمؤشرات الى أن أمريكا هي من حرضت ودفعت الى الحرب الأوكرانية بتحفيز ودعم الرئيس الاوكراني لاستفزاز ” الدب الروسي ” للدخول في الحرب ، إذ أن مراكز الأبحاث ومستشاري الأمن القومي الأمريكي وراسمي السياسات الأمنية الأمريكية يرون ان لا خلاص من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالعالم عام 2008 وما زالت منعكساتها موجودة إلا بالحرب ، وإن التقارب الصيني الروسي يهدد الأمن القومي الأمريكي ، وإن من مصلحة أمريكا جر روسيا الى حرب تستنزفها وتحولها الى دولة ” تحت عظمى ” لإضعاف هذا المحور الجديد الذي يتصاعد حضوره وتأثيره شيئا فشيئا .. مما يزيد من فرص نجاح ” التنين الصيني “، في صراعها على قيادة العالم ، متكأة على روسيا / بوتين كمخرز في إزعاج المحور الأمريكي / الغربي دون ان تلوث يديها في أي صراع مع هذا المحور . ومن هنا تمارس أمريكا ضغوطا عالية على الصين في محاولة لمنعها من دعم روسيا اقتصاديا والالتفاف على العقوبات الغير مسبوقة المفروضة على الاتحاد الروسي ، والعمل على انفكاك التحالف الصيني الروسي دون جدوى.. في حين أن الحسابات الصينية واستراتيجيتها وإن كانت لا ترغب في تحول القوة الروسية والاقتصاد الروسي الى قطب جديد قوي ومنافس على الساحة الدولية ، فإنها تريد من روسيا ملحقا بها في شراكتها معها ، بما يقابل الشراكة الأمريكية / الاوربية … ولقد استشعرت أمريكا بالخطر أيضا عندما طرحت روسيا وبدعم من الصين ” المشروع الأوراسي ” للدخول في ” شراكة مصالح ” مع اوربا التي تعتبرها أمريكا خاصرتها الاساسية في حلفها وبوابتها الخلفية في صراعاتها المحتملة ، وتخشى من انزلاقها عبر بوابة الشراكة الأوراسية الى تمردها على السيطرة الامريكية عليها ، خاصة بعد ان تبدى وجود نزوع الماني وفرنسي بالعمل على إعادة النظر بتبعيتها لأمريكا بعد أن أكتشفت ان الولايات المتحدة ليس حليفا مأمونا ومضمونا ، وانه في اللحظات الحاسمة لا يقف موقف الشريك الداعم ، وإنما يفضل الانسحاب وفقا لمصالحه ولو على حساب حلفائه .. فكان لابد من الدفع للحرب في أوكرانيا لإعادة التموضع الاوربي من جديد تحت الجناح الأمريكي في مواجهة القطب الصيني وحلفاؤه مستقبلا .. لم تكن الحرب الاوكرانية النافذة الوحيدة لجر أوربا الى الحضن الأمريكي ..بل عملت أمريكا قبل الحرب للضغط على اوربا والتلويح بوجود بديل قوي عنها ، بإحيائها قبل الحرب الأوكرانية الاتفاقية الأمنية التي كانت سرية وأعلنت باسم ” أوكس ” ووقعت بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين – الدول البحرية التي ليست لها حدود مباشرة باليابسة – بريطانياواستراليا وكندا ونيوزلندا كتحالف منافس لأوربا في مواجهة الصين ، وفي خلفيتة كان الضغط على فرنسا بدفع من أمريكا على أستراليا بإلغاء عقد الغواصات الفرنسية مع استراليا .. ومع استمرار الحرب الأوكرانية ، واستمرار جهود العديد من الدول لوقفها ووقف تداعياتها في مقابل الدفع الأمريكي لاستمرارها ومحاولة إفشال المفاوضات الروسية الاوكرانية ، والتلويح بمزيد من الدعم الامريكي المادي والتقني بالسلاح النوعي ، وإدخال مزيد من المتطوعين الى ساحة الحرب لإطالة أمد الحرب لتنفيذ المخططات الأمريكية وإدخال الحرب في إطار حرب أهلية طويلة المدى فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل سيبقى الرئيس الأوكراني راضخا للرؤية الامريكية في استمرار الحرب بالرغم من اكتشافه أن أمريكا دفعت بلاده للحرب ولكنها لم تفي بوعودها بالدعم القوي الذي وعدته به ، وتركته فعليا في مستنقع الحرب لوحده إلا من بعض الدعم الذي لا يغير من مسار التقدم الروسي في الأراضي الأوكرانية .. ؟؟ أم يمكن أن تعمل الدول الغربية المتضررة من الحرب مع بقية دول العالم لإيقاف الحرب والخروج بصيغة لا غالب ولا مغلوب وقبول الرئيس الأوكراني ببعض التنازلات وعلى رأسها ان تكون أوكرانيا دولة محايدة مقابل القبول الروسي ببقاء النظام الاوكراني على قاعدة التعامل بحسن الجوار ؟؟ أم أنه من السابق لأوانه تحديد وقت قريب لانهاء الحرب في ظل عدم اقتناع الأطراف بالوصول الى نتائج مرضية او عدم تحقيق مخططات الدول وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية التي حولت اوكرانيا اليوم – كما حولت سوريا قبلا – ملعبا لتصفية الحساب في التنافس الدولي او من أجل فرض أجنداتها ولو على حساب الدمار والخراب والقتل والنزوح والهجرة .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى