كارثة إدلب.. هل سنشهد حربا شاملة بين تركيا وروسيا في سورية؟

محمد السعيد

يُعرف دولت بهجلي، رئيس حزب الحركة الوطنية التركي البالغ من العمر 72 عاما، بخطبه الرنانة وكلماته الحماسية ونزعته القومية المتعصبة في كثير من الأحيان، لكن الكلمات التي صرّح بها منذ أيام قليلة، 11 فبراير/شباط الحالي، أمام أعضاء المجموعة البرلمانية لحزبه كانت غريبة و”متطرفة” حتى بمعايير بهجلي نفسه، إذ دعا الزعيم القومي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان صراحة إلى “غزو دمشق وتدمير إدلب وحرق سوريا” حد تعبيره انتقاما من النظام السوري إثر مقتل 13 جنديا تركيا في إدلب خلال الأسبوع السابق.

لم يكتفِ بهجلي بذلك فحسب، ولكنه ذهب لأبعد من ذلك مُحمِّلا روسيا مسؤولية دماء الجنود الأتراك الذين قُتلوا في سوريا لأنها “تُهيئ المناخ لجرائم النظام السوري” حد قوله، وداعيا الحكومة التركية لإعادة النظر في علاقاتها مع موسكو التي “تحاول السيطرة على سوريا وعلى تركيا أيضا”، كما قال، عبر الاتفاقات الدبلوماسية في أستانا وسوتشي وجنيف والتي لم تجنِ منها تركيا فوائد تُذكر، بحسب رأي السياسي التركي المخضرم.

لم تكن تصريحات بهجلي عبثية كليا فيما يبدو رغم ما تحمله من مبالغة واندفاع واضحين، فبالنظر إلى كون بهجلي هو الحليف الأهم لأردوغان على الساحة السياسية في الوقت الراهن، ومع اعتبار كونه أحد المُعبِّرين الصادقين عن النزعة القومية التي تصبغ السياسة التركية، فإن تصريحاته المتشددة كانت تعبيرا واضحا عن استياء تركي(1) عابر للأطياف السياسية تجاه حملة النظام السوري المدعومة من قِبل روسيا على محافظة إدلب، آخر معاقل المعارضة السورية الواقعة قرب الحدود مع تركيا، استياء بدا واضحا أيضا في تصريحات وزير الدفاع التركي “خلوصي أكار” خلال مقابلة مع وكالة أسوشيتد برس في اليوم نفسه، قبل يوم واحد من اجتماع وزراء دفاع حلف الناتو في بروكسل، حيث أكّد أكار أن أنقرة تتوقع من أوروبا والناتو اتخاذ “خطوات ملموسة ضد هجمات النظام السوري على القوات التركية في إدلب”.

في اليوم التالي لهذه التصريحات، دخل الرئيس أردوغان نفسه على خط التصعيد مُهدِّدا أن أنقرة “ستضرب قوات النظام السوري في أي مكان” إذا واصلت دمشق اعتداءاتها على الجنود الأتراك، وذلك أعقاب مكالمة هاتفية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يبدو أنها فشلت في احتواء الخلاف المتفاقم بين الجانبين، وفي الوقت نفسه -وفي رسالة واضحة إلى موسكو على ما يبدو- وصل المبعوث الأميركي للشؤون السورية “جيمس جيفري” إلى أنقرة لإجراء مباحثات مع المسؤولين الأتراك، وفي مغازلة أميركية واضحة لتركيا ولعب مكشوف على وتر الخلاف المتصاعد بين أنقرة وموسكو قام جيفري بتقديم التعازي للشعب التركي في وفاة الجنود الأتراك الذين وصفهم نصا بـ “الشهداء”، قبل أن يؤكد دعم واشنطن الكامل للمصالح التركية في إدلب.

بدأت هذه الموجة من التوتر المتصاعد منذ أقل من شهر، في نهاية يناير/كانون الثاني الماضي، حين قامت قوات النظام السوري بالاستيلاء على بلدة “معرة النعمان” بمحافظة إدلب، ما سمح لها بتعزيز تقدُّمها على الطريق السريع (M5) باتجاه مدينة سراقب الإستراتيجية التي تسيطر عليها المعارضة السورية المسلحة، وفي الثالث من فبراير/شباط الحالي، أقدم نظام الأسد على أكثر خطواته استفزازا مستهدفا موقعا للمراقبة تتمركز فيه القوات التركية مما أدّى إلى مقتل ثمانية من العسكريين والمدنيين الأتراك، وهو ما دفع أردوغان للتهديد(2) بالتدخل بالقوة لطرد قوات النظام ما لم تقم بالانسحاب إلى ما قبل الخطوط التي حدّدتها مراكز المراقبة التركية بحلول نهاية فبراير/شباط أيضا.

لكن النظام السوري المدعوم بضوء أخضر روسي لم يُبالِ بتهديدات أنقرة، وفي السادس من الشهر سقطت سراقب في أيدي القوات الحكومية السورية، لتضمن بذلك خط إمداد متصلا على طول طريق (M5) يمتد من دمشق إلى حلب الواقعة تحت سيطرة النظام أيضا، ومنذ ذلك الحين عزّز الجيش التركي تحركاته منشئا ممرات آمنة لحماية المعارضين في إدلب عبر إنشاء(3) “حزام أمني محصن” بموازاة طريق (M5)، ومُعزِّزا تحصيناته العسكرية في نقاط تفتناز يوم 6 فبراير/شباط، وإدلب في اليوم التالي 7 فبراير/شباط، ثم المسطومة في 8 فبراير/شباط، لكن قوات النظام السوري ردّت على التحركات التركية بالقوة المميتة مجددا بعدها بيومين فقط في العاشر من الشهر مستهدفة الموقع التركي الجديد في قاعدة تفتناز الجوية (ثمانية أميال شمال سراقب) بالمدفعية مما أدّى إلى مقتل 5 جنود أتراك آخرين على الأقل.

ردا على ذلك، شنّ الجيش التركي جولة جديدة من الضربات الانتقامية قالت أنقرة إنها استهدفت خلالها 115 موقعا سوريا و”حيّدت” مئة من الجنود السوريين وثلاث دبابات وطائرة هليكوبتر ونظامين للمدفعية، ما تسبّب في رفع درجة حرارة الصراع لمستوى غير مسبوق مع احتمالات لحدوث مواجهات مباشرة بين القوات التركية وقوات النظام السوري، وربما روسيا أيضا. ورغم كل ذلك تظل هناك الكثير من الأسئلة الجوهرية بالغة الأهمية حول تطورات الصراع في إدلب بلا إجابة واضحة حتى الآن، وتشمل هذه الأسئلة المدى الذي تبدو أنقرة مستعدة للذهاب إليه لدعم المعارضة المسلحة في إدلب، وما إذا كانت أنقرة على استعداد للدفع بقواتها البرية لخوض صراع مفتوح مع النظام السوري، ومدى قدرة الدعم التركي -أيًّا كان شكله وحجمه- على ردع تقدُّم قوات النظام، والأهم من ذلك مستقبل التفاهمات طويلة الأجل بين أنقرة وموسكو في سوريا وخارجها، وإذا ما كانت إدلب سوف تكتب شهادة وفاة تحالف المصالح بين تركيا وروسيا، أم أن الطرفين سيتجاوزان خلافاتهما حول إدلب ليُنشئا اتفاقات جديدة تسمح لهذا التحالف في الاستمرار لفترة أطول في نهاية المطاف.

معضلة إدلب

تقع إدلب في الجزء الشمالي الغربي من سوريا بالقرب من البحر الأبيض المتوسط على الحدود مع تركيا مباشرة، وتُقدِّر الأمم المتحدة أن المدينة اليوم هي موطن لأكثر من 4 ملايين شخص بينهم مليون طفل، ويُعَدُّ قرابة نصف سكان المدينة من النازحين من مناطق أخرى كانت تسيطر عليها المعارضة المسلحة في وقت سابق، لكنهم اضطروا للمغادرة مع سيطرة قوات النظام السوري بالقوة الوحشية على مدنهم ومناطقهم السابقة.

على المستوى العسكري تكتسب إدلب(4) أهمية متزايدة بوصفها آخر معاقل المعارضة التي تحاول الإطاحة بنظام الأسد، بجانب معاقلها الأخيرة في أجزاء محدودة بشمال حماة وغرب حلب، وتقع إدلب على ملتقى الطرق السريعة الممتدة من حلب نحو حماة وصولا لدمشق وحتى اللاذقية على البحر المتوسط، ما يعني أن المدينة تقع على مفترق طرق بين المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، وأن استيلاء النظام عليها يعني الهزيمة النهائية للمعارضة المناهضة للأسد، والنهاية الفعلية للحرب في سوريا.

ميدانيا، خضعت(5) إدلب منذ وقوعها في يد المعارضة لسيطرة عدد من الفصائل المعارضة المتنافسة، منها فصائل إسلامية جهادية وأخرى متمردة قومية، لكن منذ يناير/كانون الثاني العام الماضي 2019، سيطرت جماعة “هيئة تحرير الشام” الجهادية على معظم المحافظة وقامت بطرد الكثير من المقاتلين من الفصائل الأخرى من إدلب إلى عفرين وأجبرت أولئك الباقين على قبول سيطرتها على المدينة، وتشير التقديرات إلى أن إدلب تضم اليوم قرابة 50 ألف مقاتل سوري نصفهم على الأقل من الموالين لهيئة تحرير الشام، إضافة إلى آلاف المقاتلين التابعين للحزب التركستاني الإسلامي (الذي يضم المقاتلين الإيغور الصينيين) وجماعة حراس الدين التي يُعتقد أنها تُمثِّل الفرع الجديد لتنظيم القاعدة في سوريا.

قبل الاستيلاء على إدلب من قِبل هيئة تحرير الشام، كانت معظم الجماعات غير الجهادية في المدينة تقاتل تحت لواء الجبهة الوطنية للتحرير التي رعت تركيا تأسيسها في مايو/أيار 2018 ودعمتها سياسيا وعسكريا، وهو ما أهّل أنقرة للدخول في مفاوضات مكثفة مع داعمي الأسد في موسكو وطهران حول مستقبل المحافظة في سبتمبر/أيلول للعام المذكور نفسه في سوتشي، حيث اتفق كلٌّ من الأتراك والروس على إنشاء منطقة منزوعة السلاح بعرض 20 كيلومترا حول المحافظة مع تسيير دوريات مشتركة بين الجانبين في هذه المنطقة، وذلك بعد شهر واحد من تعهّد نظام الأسد بالتحرك نحو إدلب واستعادتها من أيدي المعارضة المدعومة من تركيا.

حقّق الاتفاق(6) مع روسيا هدف تركيا بشكل مؤقت في ذلك التوقيت والمُتمثِّل في منع هجوم شامل جديد للنظام على إدلب، وسمح الاتفاق لأنقرة أيضا بزيادة نقاط المراقبة الخاصة بها في المحافظة من 12 إلى 18 نقطة مراقبة كجزء من مهام الأمن المشتركة التي تولّتها تركيا بالشراكة مع روسيا، ورغم ذلك فإن هذا الاتفاق لم يخلُ من تكاليف ليست باليسيرة على الأتراك الذين التزموا بطرد المعارضين السوريين من المنطقة المنزوعة السلاح حول إدلب كجزء من الصفقة، فضلا عن التزام أنقرة أمام موسكو بتحجيم “الجماعات الجهادية” العاملة في المحافظة وعلى رأسها هيئة تحرير الشام والحزب الإسلامي التركستاني.

لكن جهود أنقرة نجحت بالكاد(7) في احتواء “الجماعات الجهادية” التي كانت تشعر بالفعل بشكوك كبيرة تجاه نيّات تركيا منذ تأسيس الجبهة الوطنية لتحرير سوريا، وهي جبهة أتى تأسيسها كمحاولة من تركيا لمنع استئثار “الجهاديين” بالقرارات في صفوف المعارضة المسلحة. ونتيجة لذلك، وتزامنا مع استيلاء هيئة تحرير الشام على إدلب مطلع العام الماضي 2019، فإن نظام الأسد وموسكو وجدا ذريعة جيدة للالتفاف على تفاهمات سوتشي وبدء مناوشات جديدة على حدود إدلب مُعلِّلين ذلك بقيام هيئة تحرير الشام بشنّ هجمات على منشآت روسية وحكومية في المنطقة.

نتيجة لذلك شنّت موسكو ودمشق نهاية أبريل/نيسان من العام الماضي هجمات محدودة(8) على شمال حماة وجنوب إدلب تسبّبت في نزوح أكثر من ربع مليون سوري إلى الحدود مع تركيا هربا منها، وأتت تلك الهجمات في محاولة لزيادة الضغوط على أنقرة والتمهيد لإفشال اتفاق سوتشي، وعلى مدار الأشهر التسعة التالية تسبّبت الهجمات المتواصلة للجيش النظامي السوري المدعومة من قِبل الطائرات المقاتلة الروسية في خسائر بشرية ومادية كبيرة في محيط إدلب، حيث دمرت الغارات الجوية وهجمات المدفعية النظامية المستشفيات والمخابز والمدارس وغيرها من هياكل البنية التحتية الحيوية في إدلب وفي القرى والبلدات المجاورة، مثل قلعة المضيق وكفر نبودة وخان شيخون ومعرة النعمان، في محاولة صريحة لإثارة ذعر المدنيين ودفعهم للنزوح شمالا، ووفقا للمفوضية العليا لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة فقد قُتِل ما لا يقل عن 1500 مدني خلال هذه الضربات، وهُجِّر مئات الآلاف ودُمِّر ما لا يقل عن 53 منشأة طبية.

ورغم هذه التكلفة المدنية الهائلة فإن النظام لم يُحقِّق سوى تقدُّم عسكري محدود، ولم ينجح إلا في استعادة الحلقة الخارجية المحيطة بمحافظة إدلب التي تُشكِّل 25% من الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة، ويبدو أن النظام وموسكو كانا يدركان أن محاولة الاستيلاء الكامل على المحافظة ستخاطر بإغضاب أنقرة وجرّها للصراع بشكل عسكري فعلي، وهو خيار لم تكن موسكو تُفضِّله في ذلك التوقيت، لذا ركّزت الإستراتيجية التي صمّمتها روسيا على استخدام ضربات محدودة ومؤثرة في الآن نفسه لإجبار فصائل المعارضة الروسية على الخروج من مواقع إستراتيجية على طول الطرق الرئيسة المحيطة بإدلب تمهيدا لتطويق المدينة الكبرى والاستيلاء عليها في النهاية.

إلا أن إستراتيجية روسيا والنظام السوري شهدت تحوُّلا نحو مزيد من التصعيد مطلع العام الحالي بفعل تطورين مهمين؛ أولهما(9) استياء موسكو من الصفقة الضمنية التي أبرمتها أنقرة مع واشنطن لإقامة منطقة آمنة في شمال شرق سوريا، وهي الصفقة التي مهّدت لعملية “نبع السلام” التركية نهاية العام الماضي، وأظهرت موسكو هذا الاستياء علانية في شكل إدانة رسمية باعتبار العملية “انتهاكا لسيادة سوريا الإقليمية” كما وصفتها. أما التطور الثاني فتمثَّل في دخول تركيا للصراع في ليبيا دعما لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا في مواجهة قوات الجنرال خليفة حفتر المدعوم رأسا من موسكو.

ورغم أن تركيا وروسيا قرّرتا العمل معا لتهدئة الجبهة الليبية من خلال رعاية اتفاق لوقف التصعيد أُجبر حفتر على عدم الالتزام به في نهاية المطاف من قِبل قائدي ميليشياته وداعميه الإقليميين كما يُرجّح، رغم ذلك فإن موسكو أعطت فيما يبدو بالتزامن الضوء الأخضر للنظام السوري لتسخين جبهة “إدلب” في محاولة لتحقيق مكاسب سريعة على حساب أنقرة المشغولة بصراعها الليبي الجديد، وعنت هذه التطورات مجتمعة الوفاة الإكلينيكية لاتفاقات أستانا وسوتشي، ونهاية حقبة طويلة نسبيا من التفاهمات الروسية التركية حول سوريا، وبدء مرحلة جديدة من الصراع بين الغريمين.

إستراتيجية حافة الهاوية

من الواضح إذن أنه على الرغم من أن الحرب الأهلية في سوريا أجبرت تركيا وروسيا على العمل معا خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، وبرغم وصف قادة البلدين -والأتراك على وجه الخصوص- للعلاقة بينهما بأنها “علاقة إستراتيجية”، فإن حقيقة العلاقات التركية الروسية ظلّت أبعد ما تكون عن ذلك الوصف، حيث لم يتمكّن كلا البلدين من تجاوز حقيقة أنهما يمتلكان أهدافا مختلفا في العديد من المسارح، لذا كلما اقتربت الحرب السورية من نهايتها تقلّص حجم الإطار المتفق عليه بين الطرفين وزادت مساحة المصالح المتباينة وبرزت الخلافات على السطح بسبب رغبة كل طرف في فرض أكبر قدر من النفوذ لضمان مصالحه في سوريا ما بعد الحرب.

بالنسبة إلى أنقرة وموسكو فإن المشكلة الرئيسة تكمن في أن كلتيهما تريد الشريحة نفسها(10) من الكعكة وهي شمال سوريا، وهو ما يضع الطرفين في مواجهة بعضهما بعضا مرة تلو الأخرى مهما حاولا تفادي المواجهة. فمن ناحية، تُواصِل موسكو تقديم الدعم لنظام الأسد الحليف في دمشق من أجل استعادة كامل السيطرة على الأراضي السورية وحسم الحرب بشكل نهائي، وهو ما يضعها في مواجهة مصالح تركيا. وعلى النقيض، ورغم أن أنقرة تُدرك أن نظام الأسد قد حسم الحرب بشكل فعلي، فإنها تتمسّك بنفوذها، حيث تأمل أن يعمل الشمال السوري في النهاية كمنطقة عازلة بين تركيا وبين مختلف التهديدات القادمة من سوريا.

بخلاف ذلك، لدى البلدين حزمة أخرى من المصالح المتباينة في مناطق الشمال السوري، ففي حين تُركِّز موسكو بشكل رئيس على احتواء الفصائل “الجهادية” في المنطقة ومنع انتشار “التمرد الجهادي” إلى المحيط الروسي في آسيا الوسطى والقوقاز، وتحاول إنشاء منطقة عازلة لحماية أصولها السياسية والعسكرية في دمشق وعلى البحر المتوسط ولمنع سقوط سوريا تحت نفوذ إيران، أو أيٍّ من القوى الحليفة الإقليمية للولايات المتحدة، فإن لدى أنقرة بدورها مصالح جيوسياسية مباشرة في الشمال السوري يأتي في مقدمتها إنشاء منطقة عازلة على طول حدودها مع سوريا تُوفِّر لها ضمانة ضد أي اعتداءات محتملة، سواء من قِبل النظام في الشمال الغربي، أو من قِبل وحدات الشعب الكردية التي تُصنِّفها أنقرة كـ “منظمة إرهابية” في الشمال الشرقي، حيث يرى الأتراك أن أي نصر يُحقِّقه الأسد في إدلب من شأنه أن يُشجِّع القوات السورية على تحويل انتباهها إلى مناطق النفوذ التركي الأخرى في الشمال الشرقي وخاصة في عفرين وشمال حلب، والعكس بالعكس أيضا.

أما الأمر الأكثر إلحاحا(11) حاليا فهو خوض تركيا لسباق مع الزمن لمنع اندلاع أزمة لاجئين جديدة على حدودها، فمع استضافة إدلب لـ 4.5 مليون سوري نزحوا من أماكن أخرى من البلاد، فإن النظام التركي لا يرغب في إضافة هذا العبء الكبير على رصيده المتضخم بالفعل من اللاجئين السوريين (تُقدِّر الأمم المتحدة أن 700 ألف شخص فرّوا بالفعل باتجاه الحدود التركية منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي)، خاصة في خضم الأزمة الاقتصادية التي تعانيها البلاد ومعضلة تهاوي قيمة العملة، وموجة العداء المتزايد للاجئين التي تجتاح الناخبين الأتراك، والتي عانى الحزب الحاكم من تداعياتها السلبية خلال الانتخابات البلدية الأخيرة التي خسر فيها حزب العدالة والتنمية معظم البلديات الكبرى وفي مقدمتها إسطنبول لصالح خصومه.

نتيجة لذلك، فإن تركيا لديها كل الأسباب لتكثيف دعمها للمعارضين السوريين في إدلب لجعل مهمة نظام الأسد في التقدُّم نحو المحافظة ودفع المزيد من اللاجئين نحو الشمال أكثر صعوبة، وختاما فإن أنقرة ترغب في ربط مستقبل وجودها العسكري في إدلب بالعملية السياسية النهائية في سوريا، ولذلك ترى أن أي تقدُّم للنظام السوري في المحافظة سيُقلِّل من النفوذ التركي على طاولة المفاوضات بشكل كبير، نفوذ ترغب تركيا في توظيفه في المقام الأول لتقليص المكاسب السياسية للأكراد السوريين إلى الحد الأدنى ومنع حصولهم على أي وضع دستوري خاص في سوريا ما بعد الحرب.

في ضوء ذلك، من المُرجَّح أن تركيا ستعتمد إستراتيجية متعددة الوجوه لإبطاء تقدُّم نظام الأسد وكسب المزيد من الوقت قبل نشوب أزمة لاجئين جديدة، وزيادة مخاطر التقدُّم عليه وعلى حليفه الروسي، بينما في الآن نفسه تتفاوض مع موسكو على تسوية جديدة حول الوضع في المحافظة، ويُعَدُّ أول عناصر هذه الإستراتيجية التركية هو توسيع النطاق الجغرافي للتصعيد من خلال دفع قوات المعارضة الموالية لأنقرة لشن هجمات ضد النظام في غرب حلب مستغلة الموقف الضعيف نسبيا لروسيا في شرق الفرات والوجود المتزايد للقوات الأميركية في المنطقة، وهو وجود سيجعل روسيا مترددة في تصعيد وجودها المباشر على هذه الجبهة تحاشيا لاستفزاز ترامب والبنتاغون خلفه، بالتزامن مع سعي أنقرة لاستغلال وجودها في إدلب لتأمين طريق حلب – دمشق الدولي لإعاقة الإمدادات المباشرة لقوات النظام بين حلب ودمشق، حيث تُشير تقارير حديثة إلى نجاح قوات النظام في الاستيلاء على 13 بلدة في ريف حلب الشمالي والشمالي الشرقي واقترابها من الاستيلاء على حلب بشكل كامل.

بطريقة مماثلة فمن المُرجَّح أن أنقرة ستُواصِل تكثيف الدعم للمعارضين على جبهة إدلب (تُشير التقديرات إلى أن هناك 12 ألف جندي في المحافظة بالفعل) بغية تصحيح توازن الردع مع النظام وروسيا على هذه الجبهة، وإرسال رسالة لموسكو مفادها أن تحقيق أي نصر عسكري على حساب مصالح تركيا سيكون باهظ التكلفة، غير أن أنقرة تُدرك أن هذه التكلفة الباهظة ستنال من الطرفين معا، وأن الطريقة الوحيدة لإيقاف تقدُّم نظام الأسد بشكل فعلي هي خوض معركة برية تشمل نشر أعداد كبيرة من القوات التركية في معارك مباشرة على الأرض، وهو خيار لا يبدو أن أنقرة على استعداد لفعله على الأقل في الوقت الراهن، لكنها بالتأكيد ستلجأ له قريبا إن وصلت المباحثات مع الروس لطريق مسدود.

على المستوى الدبلوماسي، من المُرجَّح أن الأتراك سيواصلون ممارسة عادتهم الأثيرة في تبديل بوصلة علاقاتهم بين موسكو والغرب، فمع اتجاه علاقة أنقرة مع موسكو نحو المزيد من التوتر، من المُرجَّح أن الأولى ستتوجّه مرة أخرى إلى البيت الأبيض في محاولة لانتزاع تأييد واضح لسياستها في إدلب، وربما الحصول على تعهُّد أميركي بشنّ هجمات ضد نظام الأسد حال استخدم الأسلحة الكيميائية في الصراع حول المحافظة (كان هجوم النظام بالأسلحة الكيميائية على خان شيخون في إدلب هو ما دفع ترامب والبنتاغون لتوجيه ضربات للنظام السوري عام 2017)، ويمكن لهذا التعهُّد الأميركي إن حدث أن يجعل نظام الأسد وموسكو أكثر تردُّدا في تصعيد هجماتهم على المحافظة، وسيُوفِّر لتركيا نفوذا إضافيا لا يُستهان به في أي اجتماعات محتملة مع رجال الكرملين.

ورغم ذلك، فإن أردوغان يُدرك بوضوح أن مفاتيح التسوية في إدلب تقع في يد بوتين وليس في يد ترامب، لذا يبدو أن رهان تركيا النهائي مع كل هذه الخطوات هو أن روسيا لن تكون راغبة بدورها في ترك الأمور تتدهور لحافة المواجهة المباشرة معها، وأنه في مرحلة ما قبل بلوغ الصراع ذروته سيضطر الطرفان للجلوس معا لاستكشاف خيارات أخرى للحل، وربما إبرام صفقة جديدة تُعيد تعريف حدود المنطقة العازلة وتُثبِّت الوضع الراهن في المحافظة، لكن المشكلة أن هذا الرهان المستند إلى سياسة حافة الهاوية يُوفِّر مجالا هائلا لحدوث المزيد من الأخطاء، وبالتالي استمرار دورة التصعيد.

وحتى إذا نجحت تركيا وروسيا في تقديم مصالحهما المشتركة (المتقلصة باستمرار) والتغلب على الجولة الحالية من التصعيد، فليس هناك ضامن أن الأولويات المتناقضة للبلدين لن تُعيد تجديد الصراع(12) في وقت قريب. فمن ناحية، لا يبدو أن موسكو على استعداد لممارسة ضغوط على الأسد للتراجع عن حلمه باستعادة السيطرة على كامل أراضي سوريا أو أنها ستكف عن تحميل تركيا المسؤولية عن احتواء “الجماعات الجهادية” في إدلب.

وفي المقابل، لا يبدو أن أنقرة ستكون مستعدة لتجاوز مخاوفها الجوهرية بشأن سوريا مقابل الحفاظ على تحالفها مع روسيا، ويعني ذلك في النهاية أن مستقبل المقاطعة الشمالية الغربية في سوريا سيبقى الامتحان الأكثر ديمومة وجدية لتحالف المصالح بين روسيا وتركيا، وأن هذا الاختبار سيُعيد فرض نفسه على الساحة مرة تلو المرة حتى لو نجح الطرفان في الالتفاف عليه مؤقتا في الوقت الراهن، وأن استمرار تصادم المصالح في الحدوث في تلك المنطقة من سوريا ربما تخرج نتائجه عن أيدي الجميع في مرة ما من تلك المرات، وربما تكون تلك المرة هي كل ما تحتاج إليه العلاقات الروسية التركية للانهيار، وكل ما يحتاج إليه الشمال السوري ليشهد معركة شاملة بين النظام السوري والجيش التركي وربما بداية نهاية الحرب السورية بشكل كامل، نهاية لا يمكن لأي طرف أن يضمنها، على الإطلاق.

المصدر: الجزيرة نت

اترك تعليقاً
0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى