كيف نجعل العولمة مقاوِمة للوباء

شانون ك. أونيل       ترجمة: علاء الدين أبو زينة

مع تباطؤ أو إغلاق المطارات والمصانع والمحلات التجارية، تختبر جائحة فيروس كورونا المستجد سلاسل التوريد الدولية التي تميز عصر العولمة الحالي. وتثبت عمليات التصنيع متعددة المصانع، والتي غالبًا ما تكون متعددة البلدان، التي تستخدمها الشركات في جميع أنحاء العالم أنها أكثر هشاشة مما كان متوقعاً. وإذا لم يتم احتواء الفيروس والحطام الاقتصادي الذي يتسبب به في القريب، فلن يكون التوت البري والأفوكادو هما الشيئان الوحيدان المفقودان من رفوف الأسواق عبر الغرب الأوسط وشمال شرق الولايات المتحدة اللذين ما يزال طقسهما بارداً جداً. سوف يكون هناك نقص في السيارات، والملابس، والإلكترونيات، والأدوية الأساسية عندما تنقطع الصلة بين المصانع البعيدة في الخارج.

حفز انهيار سلاسل التوريد العالمية الآن ظهور موجة من الدعوات إلى إعادة إنتاج الإمدادات الطبية والتكنولوجية الحاسمة إلى الولايات المتحدة -وهي خطوة من شأنها أن تقطع العلاقات التجارية الدولية وتُعجل بالتراجع عن العولمة. لكن إعادة الشركات إلى الوطن ستتسبب في مشاكل أكثر من التي تحلها على المدى القصير والمتوسط، وستجعل الشركات الأميركية أقل تنافسية على المدى الطويل. بدلاً من التخلي عن سلاسل التوريد العالمية، يجب على الحكومات وغرف اجتماعات مجالس الإدارات التركيز على جعلها أكثر وفرة وتكراراً. وقد يجعل وجود المزيد من الموردين والمزيد من المخزونات عمليات التصنيع العالمية أقل كفاءة بعض الشيء، لكن هذه الوفرة ستزيد من الموثوقية والمرونة، بحيث تفيد البلدان والشركات والمستهلكين على حد سواء.

قليلة الهدر، لكنها هشة

على مدى العقود الأربعة الماضية، تغيرت طبيعة التجارة بشكل جذري. على مدى قرون، كانت البلدان ترسل في الغالب بضائع مكتملة الصنع إلى الخارج: الزيتون من إيطاليا؛ النبيذ من إسبانيا؛ الفراء من كندا؛ وبعد ذلك السيارات من ألمانيا؛ وماكينات الخياطة، وآلات الطباعة وماكينات “الكاش” في المحلات من الولايات المتحدة. والآن، أصبحت البلدان ترسل إلى الخارج في أغلب الأحيان قطعاً أو مكونات ليتم تثبيتها، أو لحامها أو إدخالها أو حياكتها معاً في مصانع ومتاجر أجنبية.

أصبح تقسيم الإنتاج إلى خطوات منفصلة ممكناً بسبب التقدم الذي تم إحرازه في قطاعات النقل والتكنولوجيا والاتصالات، بالإضافة إلى افتتاح الأسواق العالمية. فقد انخفضت تكاليف الشحن مع تكاثر حاويات الشحن ذات المواصفات القياسية. وسمحت كابلات الألياف الضوئية، والهواتف المحمولة، والإنترنت، والحوسبة السحابية، وخدمات الاتصال عريض النطاق، وتطبيقات مؤتمرات الفيديو المجانية تقريبًا، سمحت كلها للناس بالتعاون -من خلال مشاركة الملفات والمستندات والأفكار- حتى عندما يكونون متباعدين جغرافياً. ودعم الإجماع الواسع على التجارة الحرة الذي تكوّن بعد نهاية الحرب الباردة هذا التحول إلى الإنتاج العالمي، سامحاً للعلاقات التجارية الدولية بالازدهار.

على الرغم من دورها الكبير بطريقة استثنائية في إقامة هذا النظام الدولي المفتوح، لم تتبنّ الولايات المتحدة إجماع التجارة الحرة بالكامل على الإطلاق. وحافظت بدلاً من ذلك على حصص في السكر والتونة؛ والتعريفات على الصلب والألمنيوم والأحذية والتبغ؛ والإعانات لكل أنواع المنتجات الزراعية. ولكن، حتى مع ذلك، أصبحت الولايات المتحدة تعتمد بكثافة على الروابط التجارية العالمية. ويتكون ما يقرب من ثلث الصادرات الأميركية من مكونات لأشياء أخرى، والتي يتم إنتاجها في أماكن أخرى: القطن، والصلب، وأشباه الموصلات، والمحركات، وآلات خطوط التجميع، من بين أشياء كثيرة. كما يعتمد المستهلكون الأميركيون أيضاً على سلاسل توريد بعيدة للمنتجات التي يشترونها كل يوم، متمتعين بأسعار أقل لأن التبادل الدولي جعل إنتاج هذه السلع أكثر كفاءة. ووفقاً لمعهد بيترسون للاقتصاد الدولي، فإن الأسرة الأميركية المتوسطة توفر مبلغ 10.000 دولار سنوياً عن طريق التجارة.

لكن جائحة فيروس كورونا سلطت ضوءاً جديداً على المخاطر التي تشكلها سلاسل التوريد العالمية على الناس والاقتصادات وأمن الدول. فعندما يتم إنتاج أحد المكونات حصريا في بلد واحد أو منطقة واحدة -أو حتى في مصنع واحد في بعض الحالات- يمكن أن تجد الشركات في جميع أنحاء العالم نفسها فجأة من دون مدخلات حيوية. وبالإضافة إلى ذلك، مع توزيع المصادر عالمياً، جاء التركيز على تقنيات التصنيع قليلة الهدر، والتي تسعى إلى خفض المخزونات، والعمال، واللحظات الخاملة والأخطاء. وتقوم كليات إدارة الأعمال جميعها بتدريس هذه الأساليب، وتكافئها مجالس إدارة الشركات والمساهمون. ولكن، في أوقات الأزمات تترك هذه الممارسات الشركات بمخزونات قليلة، ومع القليل من البدائل القابلة للتطبيق عندما يتم قطع سلاسل التوريد. وفي الأزمة التي تسبب بها فيروس كورونا، انخفضت المخزونات في العديد من الشركات من ما يكفي للأسابيع الأخيرة إلى ما يكفي للأيام الأخيرة، وفي بعض الحالات، ما يكفي لساعات فقط، حيث كانت البرمجيات المتطورة وأجهزة الاستشعار والذكاء الاصطناعي تمكِّن الأجزاء من الوصول مباشرة قبل إدخالها في السيارات، وأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي، أو أجهزة الحاسوب أو الرافعات الشوكية، بينما تجري على طول خطوط التجميع. وبعبارات أخرى، فإن هامش الخطأ رقيق مثل حد الموسى.

الآن، أصبحت الاختلالات في إنتاج المستلزمات الطبية واضحة مسبقاً. فبينما تواجه المستشفيات والعاملون في مجال الرعاية الصحية في الولايات المتحدة موجات متزايدة من المرضى، عانوا من ندرة في أقنعة الوجه ومعدات الحماية من العدوى. ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أن معظمها يُصنَع في الصين. ويخشى الكثيرون من أن الأدوية ستكون التالية. ومن المؤكد أن المصانع في جميع أنحاء العالم تقوم بإنتاج مختلف أشكال الأدوية، من الحبوب والمراهم والشراب. لكن العديد من المكونات النشطة في المضادات الحيوية، ومسكنات الألم، والأنسولين، ومضادات الاكتئاب والأدوية الأخرى تأتي من الصين أيضاً. وإذا تأخرت شحنات هذه المكونات بسبب الانقطاع الذي يصنعه فيروس كورونا، فقد تعاني صحة عشرات الملايين من الناس.

عملياً، يمكن أن تتأثر من هذه الأزمة كل صناعة وكل نظام يدعم الاقتصاد الأميركي. الليثيوم الضروري لصناعة الهواتف الخلوية وبطاريات الحواسيب؛ والمعادن الأرضية النادرة التي تدخل في تركيب الألواح الشمسية وتوربينات الرياح؛ وأشباه الموصلات وشاشات عرض الكريستال السائل LCD في الإلكترونيات، كلها مكونات تُصنع في مكان واحد أو في أماكن قليلة. وإذا تعثر تدفق الإمدادات من هذه المكونات لفترة طويلة جداً، فقد تفشل الاتصالات، وقد تنقطع الطاقة، وقد يصاب التطور التقني الأميركي بالركود. ويمكن أن تختفي المزيد من المنتجات غير التقليدية أيضاً: تعتمد قطع غيار السيارات والغسالات والثلاجات وخلاطات الأسمنت والكثير من الأشياء الأخرى على المصانع الموجودة على بُعد حدود أو بحار.

لا ينبغي أن يشكل أي من هذا مفاجأة كاملة. لطالما أخذ مديرو سلاسل التوريد (وهي واحدة من أسرع فئات الوظائف نمواّ وارتفاعاً في الأجور في الولايات المتحدة) في اعتبارهم منذ فترة طويلة مخاطر انقطاع سلاسل التوريد، وقاموا، بالطبع، بإنشاء نماذج لحساب محاذير المخزون والنظر في مضاعفة الموردين. ولكن، بما أن مثل هذه الإجراءات الوقائية والضمانات تؤثر على النتائج المالية، قاومتها مجالس الشركات والمساهمين.

تنويع البدائل، وليس إعادة الصناعات إلى الوطن

كان التصنيع متعدد المراحل ومتعدد البلدان تحت الضغط حتى قبل تفشي وباء فيروس كورونا. فقد أدت الحرب التجارية التي خاضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع الصين، وصعود النزعات الحمائية بشكل أكثر عمومية، إلى رفع تكاليف الإنتاج وتعطيل التدفقات التجارية مسبقاً. ودفع وعد تقنيات الأتمتة، والطباعة ثلاثية الأبعاد، والتصنيع الذكي، العديد من الشركات إلى إعادة التفكير -إن لم يكن التحرك نحو- استبدال المصانع البعيدة خارج البلاد. والآن، بينما تتباطأ سلاسل التوريد الدولية، وتنقصف في بعض الحالات تحت ثقل وباء فيروس كورونا، يصبح نموذج الأعمال المعولمة هذا موضعاً للمزيد من الشك.

اقترح البعض في إدارة ترامب خططًا لفرض استعادة صناعات المعدات الطبية والأدوية إلى الوطن من خلال الإعفاءات الضريبية وتفعيل أحكام قانون “اشتر البضائع الأميركية” التي تمنع الحكومة الفيدرالية من شراء المنتجات المصنّعة أجنبياً. كما تحدث ترامب أيضًا عن الحاجة إلى استعادة مصانع التقنيات والمنتجات المتطورة الأخرى، مثل الروبوتات، والمعالِجات الميكرويّة الدقيقة والسيارات الكهربائية. ومع ذلك، على المدى القصير إلى المتوسط ، سوف تشكل هذه الأساليب خطرًا أكبر على الإنتاج، لأن إعادة إنشاء سلاسل توريد موثوقة يمكن الاعتماد عليها هي شأن صعب. وقد اكتشفت شركة “آبل” ذلك بالطريقة الصعبة عندما حاولت تصنيع جهاز الحاسوب النقال الشخصي MacBook Pros في تكساس في العام 2013: لقد فشل المشروع بأكمله بسبب عدم وجود برغي محلي الصنع هناك.

وعلى المدى الطويل، سوف يؤدي تفكيك سلاسل التوريد الدولية إلى جعل الشركات الأميركية أقل قدرة على المنافسة، وسيضعف تفوقها التقني العالمي. لم تختف بعد فوائد الميزة النسبية التي دفعت المشترين والموردين إلى النظر إلى الخارج في المقام الأول. ويهدد نقل كل شيء إلى الوطن برفع التكاليف وتقليل جاذبية المنتجات الأميركية بالنسبة لـ95 بالمائة من المستهلكين في العالم الذين يعيشون خارج حدود الولايات المتحدة. كما أن العزلة تحد من الابتكار أيضاً: حافظت الولايات المتحدة على ميزة التفوق التقني على وجه التحديد بسبب انفتاحها على الأفكار والناس، فضلاً عن المصادر العالمية لإنتاج المكونات والأجزاء.

ليست العزلة هي الجواب -لا سيما عندما يكون العدو وباء. لقد اجتازت الجراثيم والفيروسات الحدود لقرون، قبل وقت طويل من وجود حاويات شحن، أو طائرات شحن، أو تطبيقات مؤتمرات الفيديو أو منصات التراسل الفوري. اليوم، تبدو البلدان المترهبنة، مثل كوريا الشمالية، هشة أمام الأوبئة أكثر من كونها محمية منها.

لكن صانعي السياسات والمديرين التنفيذيين يحتاجون حقاً إلى إعادة التفكير في كيفية إدارة مخاطر تعطل سلسلة التوريد. ولهذه الغاية، تحتاج كل من القيادة الحكومية والشركات في الولايات المتحدة إلى التركيز على وفرة البدائل. يجب أن تتطلع الصناعات إلى تصنيع -أو تنويع مصادر المكونات- لتكون في أماكن متعددة ومن موردين متعددين. ويجب أن تكون مستعدة لدفع المزيد مقابل خيارات الدعم الاحتياطي البديلة، والإبقاء على قدر أكبر من المخزون في متناول اليد مما اعتادت أن تفعل. ويجب على حكومة الولايات المتحدة أن تنظر في بناء مخزون استراتيجي -ليس من النفط والمعدات الطبية فحسب، وإنما من الموارد الحيوية الأخرى، مثل المعادن التي تدخل في صناعة التقنيات المتقدمة.

تعود المصانع الصينية الآن إلى الحياة ببطء بعد توقف دام شهرين. وسوف تعود شركة فوكسكون Foxconn، الرائدة في إنتاج جميع منتجات “أبل”، إلى إنتاج أجهزة الهاتف النقالة “آي-فون” وأجهزة الحاسوب المحمولة مرة أخرى في القريب. وسوف يعيد صانعو أدوات المطبخ والألعاب وشاشات التلفاز وعشرات المنتجات الأخرى فتح أبوابهم أمام العمال المهاجرين الذين يعودون متأخرين من عطلات رأس السنة القمرية الصينية.

لكن حقيقة أن قطاع التصنيع في الصين جُلب إلى توقف كامل فعلياً بسبب فيروس كورونا، تؤكد هشاشة سلاسل التوريد العالمية كما هي اليوم -وهي نقطة الضعف التي تتكشف من جديد بينما يتفشى فيروس كورونا المستجد في مراكز التصنيع المحورية الأخرى في الأسابيع والأشهر المقبلة. ويجب على الشركات والأعمال وواضعي السياسات العمل على تعزيز وتقوية سلاسل التوريد، وليس إغلاقها.

المصدر: (فورين أفيرز)/ الغد الأردنية

اترك تعليقاً
1+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى