كورونا.. مصالح دولية متربّصة

فاطمة ياسين

تبدو الحكومات، وليس السلطات الصحية فقط، منهمكةً بشدة في إجراءات منع انتشار الفيروس، ويظهر السياسيون في الخطوط الأولى لمواجهة تهديد كورونا العالمي. كل شيء مؤجل حالياً، لصالح الحرب المستعرة في سبيل تقليص انتشار المرض الذي استطاع أن يجد له موطئ قدم في كل الدول، مع تركيز على المناطق الصناعية بشكل خاص، وهو يرتع في دول الاتحاد الأوروبي، ولم يوفر بريطانيا المنزوية خلف المانش في المنطقة الشمالية، فعلى الرغم من خروجها من المنظمة الأوروبية إلا أنها تسجل أعداد مصابين متزايدة. وعلى الجانب الآخر من الأطلسي، ينتشر الفيروس بسرعة في عدة ولايات أميركية، حتى تصدّرت الولايات المتحدة عدد الإصابات العالمي وعدد الوفيات وسرعة الانتشار أيضاً، مع ظهور يومي لرئيسها في مؤتمر مخصص للحديث عن الوباء.. الانهماك العميق للسياسيين في متابعة إجراءات محاصرة المرض، وإعطاء أوامر المواجهة، جعل بعض القضايا التي كانت راهنة معلقةً من دون أي محاولة لحسم نهائي، وتأجّلت معارك سياسية كثيرة ملتهبة، لعل أهمها حرب أسعار النفط التي هوت بشدة بعد أن زادت السعودية إنتاجها لإجبار الأسعار على الانخفاض، في سياسة ضغط اقتصادي على دولٍ بعينها، للوصول إلى موقف سياسي مرغوب، ما جعل الأسعار تهبط بشكل دراماتيكي أوصل نفط الأورال الروسي إلى ما قيمته 11 دولاراً، وهذه أقل قيمةٍ يصل إليها هذا النوع من النفط، منذ أن جاء فلاديمير بوتين إلى السلطة قبل عشرين عاماً، قد يكون هذا الانخفاض هو ما دفع روسيا إلى إرسال طائرة مساعدات إلى أميركا، يندرج ذلك تحت خطط سياسية تأخذ شكلاً صحياً، وكان دونالد ترامب قد أجرى اتصالاً ببوتين تحت ضغط مضاعفات انتشار الفيروس، ويبدو أن الاتصال والأجواء الودية كانا بمثابة إشارةٍ إلى السعودية، لتعلن عن رغبتها بعقد اجتماع “أوبك”، ما جعل الانتعاش يعود قليلاً إلى الأسواق.

التحرّكات السياسية بمجملها مغلّفة بأجواء المرض، مع ترقّب مرتعش لمؤشر الإصابات الذي يسير كل ثانية باتجاه الأعلى. الوباء العالمي الذي يوصف بأنه أكبر تحدٍّ للإنسانية المعاصرة، منذ الحرب العالمية الثانية، جعل الأمين العام للأمم المتحدة يدعو إلى وقف إطلاق النار في العالم، والتفرّغ لمقارعة الفيروس، ويبدو أن بعض الدول تنظر بموضوعية أكبر إلى همّها الداخلي، في محاولةٍ من حكامها لإنقاذ حظوظهم في الانتخابات التالية، ومثل هذا التحدّي فرصة لا تعوّض يمكن فيها لمرشح أن يضمن الفوز، وقد يحدث العكس تماماً، بانهيار أصواته، وذلك حسب أداء أجهزة الدولة في التصدّي للفيروس، أو حسب مؤشّرات الخوف لدى المواطنين وشعورهم بالحاجة للتمسّك بالقيادة الحالية، أياً كان أداؤها. من جهة أخرى، قد تستيقظ الإنسانية الرازحة في الدرك الأسفل، ويتم التوقف عن كل الأطماع إلا طمع القضاء على الوباء، وهي حالةٌ مطلوبة في هذه الآونة، وقد تكون كفيلةً بوقف الزحف المميت للفيروس، والاستجابة لدعوة أمين عام أكبر منظمة أممية واجبة بالتأكيد، فلا معنى لإذكاء العداء في ظلّ التهديد المباشر لحياة الجميع..
في الأجواء نفسها التي تستنفر فيها الأنظمة للمواجهة الكبرى، قد تستيقظ أهواء أخرى تستفيد من أجواء الانهماك العالمي، والانشغال الكلي لمعاودة أنشطة شيطانية سرّية قد لا يتنبه إليها أحد، فيستيقظ العالم من بيئة العزل الصحي، على أخبار تطوير دول معينة لأسلحة دمار شامل كانت ممنوعةً عنها، أو بناء ترسانات أسلحة في أماكن كانت محرّمة عليها، فيصبح التخلّص منها عسيراً ومكلفاً، وهناك أنظمةٌ مهمتها بالفعل القيام بمثل هذه “الإنجازات”، وتتطلّع إليها، وقد تستفيد من الغفلة الحالية لتشكّل تهديداً جدّياً لم يكن متاحاً لها في ما مضى، تلك الدول التي دأبت على الكذب في نشراتها، والكذب على شعوبها، هذه بالذات قد تستمتع بخراب العالم، وقد تبني من أنقاضه ما كانت تحلم به طوال حياتها.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى