قراءة في رواية: الطريق الى مهاباد

أحمد العربي

عماد كوسا روائي سوري متميز، وهذا أول عمل روائي اقرؤه له. الطريق إلى مهاباد، رواية تتحدث عن الكرد في حياتهم عبر عشرات السنين، عبر نموذج أهل قرية كردية في شمال العراق بالقرب من رافد (آفاشين). عن حياتهم وتكوينهم الاجتماعي، من إقطاع وأغلبية فقيرة معدمة، كذلك رجال الدين (الملالي) وحضورهم الإيجابي والسلبي، عن انقسامهم القبائلي والعشائري، عدم توحدهم في مواجهة أعدائهم، انقسامهم الدائم، بين مهلل للغازي الخارجي، ومتعامل معه وبين ثائر ضده.

الرواية تتحدث عن ما قبل مرحلة الحرب العالمية الأولى وبعدها حتى تاريخ الحرب العالمية الثانية، سقوط السلطنة العثمانية، حيث كان الكرد والعرب يعيشون تحت حكمها. مجيء الإنكليز زاحفين من بغداد باتجاه الشمال حيث كركوك والسليمانية وبقية المناطق الكردية، لقد كانت العراق حصة انكلترا في قسمة المنتصرين، الانكليز والفرنسيين، مناطق الأكراد ضمنها، بعض الكرد هلل ورحّب واستقبل المحتل الجديد، ليكون وكيله. البعض الآخر وجدها فرصة لصناعة دولة مستقلة للأكراد ونموذجها الشيخ محمود الحفيد، كما استقلّ الأتراك وبنوا دولتهم. الرواية تنصب على هذه المرحلة بكل تفاصيلها، حياة الناس، الثوار، المتعاملون مع المستعمر، الخونة، الحب، الغدر… وعامة الناس في كل ذلك هم الضحايا دومًا.

تبدأ الرواية من حدث مفصلي بالقرب من رافد آفاشين؛ الأم زينب تحتطب، ابنها الصغير يلعب جوارها، ترقبه في لحظة ذاهلة، هناك من يطارده، بجوار الجرف، يحاول الإمساك به، لكنه يهرب يسقط من الجرف على عمق خمسة عشر مترًا، يصطدم بصخرة ويموت من فوره. ثم تنتقل الرواية الى ما بعد ذلك التاريخ بحوالي خمسة وعشرين عامًا ١٩٤٥م، حيث يهرب أهل البلدة الأكراد باتجاه الحدود الإيرانية إلى مهاباد، تلاحقهم قوات كردية متعاملة مع الانكليز لتقتل أكبر عدد منهم، كما تُغير من الجو عليهم الطائرات الانكليزية، تفتك بهم، أغلبهم نساء وأطفال وشيوخ، جوعى وعطشى، مرضى ومصابين، بين الحياة والموت يواصلون رحلتهم لعلهم يصلون، وينقطع عنهم الموت المتربص بهم من كل حدب وصوب.

القرية الكردية نموذج عن كل البلاد هناك، فيها فئة قليلة يملكون الأرض والمال والجاه والسلطة، هم الآغاوات، وهم في كل وقت أدوات الحاكم المسيطر على البلاد والعباد، وفيها مجموع الناس العاديين، كما أن هناك رجال الدين الملالي، الذين يسعون قدر إمكانهم أن يكونوا النموذج الخيّر في هذه البلدات. في البلدة يوجد الملّا نور الدين محمود، متزوج زوجته عادلة، لدية ابن هيمن وابنة كلشن، في البلدة عجوز وحفيدته زينب، يضع حفيدته أمانة عند الملا إن هو مات، يموت الجد وتصبح زينب بمثابة ابنة الملّا، زوجته ترفضها ضمنًا، الأولاد يتقبلونها، هي تعمل بدأب عندهم لتكون أهلًا لحياة تحلم أن تستمر، وأن تتوج بالزواج من هيمن ابن الملّا، في البلدة أيضًا امرأة مات زوجها، ولديها لوران ابن وحيد صغير، اعتمدت على الاستعطاء من أهل البلدة لتستطيع العيش وولدها، كانت حاقدة على نمط حياتها وفقرها، ربت ابنها على أن يحسّن حياته بأي طريقة، زرعت في نفسه، حب الحصول على المال وأي شيء دون تعب ولو عبر السرقة، أرسلته أكثر من مرة إلى بيوت البلدة ليسرق ما خف وزنه وغلا ثمنه، متسترًا بالظلام. أصبح لوران ممتهنا للسرقة ومستمتعًا بها. لقد أحسّ مع أمه بالوفرة وبدأ يفكر بما بعد ذلك. أحب لوران زينب وحاول أكثر من مرة أن يحدثها عن حبه، لكن زينب كانت تصدّه، كانت تفكر بهيمن ابن الملا، رفضته، مع ذلك قرر أن يخبر أمه حتى تطلبها رسميًا من الملّا، لأنه بمثابة والدها. قبل الملّا لكن اشترط موافقة زينب، لكن زينب رفضت، ورُدّ طلب لوران، حقد لوران على زينب وقرر أن ينتقم منها. توسع نشاط لوران بالسرقة، وسرق إحدى أغنام راعي البلدة، سرقها وذبحها وأحضرها إلى البلدة لحمًا لأمه ليلًا، اكتشف أنه نسي سترته، خاف أن يكشف أمره، وصل الراعي للسترة وعرف أنها ملك لوران، هدأته أمه وقالت: الراعي كان صديقًا لأبيك ولن يشي بك. وهكذا حصل فعلًا. استمر لوران يراقب حياة زينب التي تزوجها الملا بعد أن نضجت وكبرت. كما تطورت أحوال الأكراد بعد أن انهارت السلطنة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، وبدأ الإنكليز بالتقدم في ارض العراق لاحتلالها، لقد لاقت مقاومة، والبعض هلل لمجيئها. كذلك حصل بين الأكراد وفي مناطقهم، السليمانية وبرزان وغيرها، بعض الآغاوات التحق بالمحتل وشكل قوات كردية مساندة للمحتل، تقاتل الأكراد الذين قرروا الثورة والعمل لبناء دولتهم المستقلة على أرض كردستان، كان قائدهم الشيخ محمود الحفيد، وكان الملا نور الدين مع الثوار وبعث كل شباب البلدة للالتحاق بالثورة. كانت هذه المتغيرات فرصة للوران لكي يوسع نشاطه من السرقة إلى العمل مع المستعمر والقوات الكردية المتحالفة معه، كان شمكو قائدًا لهم، اتصل به لوران وعمل معهم جاسوسًا بين الثوار وبالقرب من الملّا والمحيطين به. يزاود بينهم ويدعي الثورية وقد يقف معهم على الجبهات، لكنه كان يخون وينقل تحركات الثوار وحالهم أول بأول للمستعمر الانكليزي والقوات الكردية المقاتلة معه. حملت زينب وانجبت طفلًا، كبر بين يديها بحب وحنان، قرر لوران أن يحرق قلب زينب ويقتل الطفل. كان شباب البلدة يقاتلون مع الثوار وكان قائدهم هيمن مع صديقة الاقرب سربست وآخرين، تزوج سربست من ابنة الملا أخت هيمن كلشن، بينما تزوج هيمن من فتاة أخرى تدعى داستان وقد أنجبت له طفلًا، يعاني من الربو. في الرواية شخصية متنقلة بمثابة طبيب اسمه فلك الدين مهاجر، مثقف ومطلع جدا، يقرأ الصحف والكتب ويعرف كل المستجدات ويخبر أهل البلدات عنها، كان نافذتهم على العالم والعلم والمعرفة، كان يعالج أغلب المرضى هنا وهناك، مستفيدًا من كثير من الأعشاب التي يجمعها من البراري. له ابنة اسمها زيبا وكانت في صحبته دومًا، تشربت مهنة والدها وصارت الطبيبة البديلة بعد وفاته. بدأت الثورة وشارك فيها الشباب وقدم الملا كل إمكاناته للثورة، أرسل الشباب للقتال، كان لوران ينقل المعلومات أول بأول للإنكليز وشمكو المتعامل معهم. أحس الثوار أن أخبارهم تصل للعدو، لقد أيقنوا وجود خائن بينهم، لكنهم لم يعرفوا أنه لوران، لأنه كان بينهم دومًا ويزاود عليهم ويقاتل معهم احيانًا. أدت خيانة لوران لاعتقال الملا وبعض أعيان البلدة، بعد أن سرق لوران وثائق تؤكد مساعدة الملّا للثوار. أصيب هيمن وأنقذته زيبا الطبيبة. قرر لوران أن يحرق قلب زينب وطارد ابنها مما أدى لسقوطه وموته. وأوحى لزينب أن الفاعل هو هيمن لأنه لا يريد أخا يرث أباه معه، فقررت زينب قتل هيمن، وبقي لوران يشعل نارها ويشجعها. زادت دوافع الشر في نفس لوران عندما اكتشف أن هناك علاقة محرّمة بين راعي البلدة ووالدته، كما كان يعيش كوابيس يفهم منها أن هناك من قتل والده، ضبط أمه والراعي في بيتهم في حالة التباس، أوصد البيت بإحكام، وأحرق البيت بمن فيه، ماتت أمه والراعي حرقًا. لم يبق عند لوران من يحبه ويهتم لشأنه، حبه لزينب انقلب إلى حقد. أحوال البلدة على سوء، والمستعمر مع قوات شمكو الخائن تتقدم باتجاههم، قرروا الهروب إلى مهاباد، هناك أمان لهم، بدأوا رحلة الهروب واللجوء، حصل ذلك في أربعينات القرن الماضي. طاردتهم قوات شمكو الكردي الخائن عميل الانكليز، وطيرانهم من الجو يقصفهم ويقتلهم. شباب القرية المتبقين يحمون مؤخرة طابور الرحيل من قوات شمكو، ويساعدون في علاج ومساعدة الناس الراحلين. على الطريق ماتت الطبيبة زيبا عندما انتهت نباتات علاجاتها إلا القليل السام احتفظ به لوران لنفسه دون معرفته بسميته. ماتت أيضا زينب قبل أن تقتل ابن هيمن الذي اعتقدت أنه قتل ابنها، مات الكثير من الهاربين بفعل الجوع والمرض والعطش وقصف الطائرات ونيران شمكو الخائن ورجاله. وصل القليل إلى الحدود الايرانية حيث الأمان من طائرات الانكليز، حيث سيواصلون مسيرهم ليصلوا إلى مهاباد. ليبدؤوا رحلة جديدة في التيه الكردي الذي لم ينته للآن. تنتهي الرواية عندما يقرر لوران ان يستأثر بالنباتات العلاجية ويشرب مغليها… لابد أنه دفع ثمن خيانته متأخرًا عبر موته.

في تحليل الرواية نقول:

نحن كقراء عرب وكرد نحتاج لهذه الرواية وأمثالها، لأنها تغطي مرحلة تاريخية مهمة من واقع الأكراد. سقوط السلطنة العثمانية ومجيء المستعمر الانكليزي، واحتلال العراق والمناطق الكردية، وما حصل منهم ومعهم. المظلومية التي عاشها مجموع الناس. تسليط الضوء على الصراعات الكردية الداخلية، إلى درجة أن يكون البعض ثوارًا، والبعض الآخر يصنعون مليشيات تقاتل مع المستعمر. كما تركز على الانقسام المجتمعي الحاد بين عموم الناس ومنهم رجال الدين وبين المالكين، أغلب الاغاوات الذين كانوا أدوات المستعمر دومًا.

الرواية قوية من حيث قدرتها على التعبير بعمق عن نفسيات شخصياتها، استطعنا كقراء أن نعيش في داخل الحالة ونكون جزء من الحكاية. اتعبتني الأسماء الغريبة بالنسبة لي، والانتقال بالزمان والمكان، الذي يجبر القارئ أن يكون متيقظًا ليربط الحكايات ببعضها. بحيث تكتمل حلقة الرواية مع آخر كلمة فيها. يلفت النظر تغول الشر وقدرته على الانتصار. لكن العاقبة ستكون أن الجزاء من صنف العمل. سيموت لوران بسمّ اعتقده علاج له. هل هكذا ينتهي الأشرار أعداء مجموع الناس فعلا في الواقع؟ أم هو قرار من الروائي ليزرع الأمل فينا بأن الشرير نهايته وبال عليه. لكن الواقع يقول إن الشر في العالم وفي الحياة ما زال المنتصر للأسف.

والرواية تعيدنا الى أصل مشاكلنا في المنطقة، الكرد الموزعون بين دول عدّة بإرادة الاستعمار في نهاية الحربين العالميتين. وكذلك العرب الموزعين على دول وأقطار. واقع القهر والظلم والاستبداد الذي مازال يهيمن علينا أهل المنطقة جميعًا. وبالنسبة للكرد سنجد أنهم منذ عصر الرواية وما بعد كانوا وقودًا في معارك الآخرين. وليس آخرها الاستخدام الأمريكي لهم ضد داعش. وقبله حافظ الأسد ضد تركيا، وابنه الآن يقوم بنفس الدور. يعيشون صراعات بينية، مختلفون على أمور كثيرة. بعضهم يؤمن بشرعية الحكم الذاتي الكردي في شمال العراق ويبني عليه. والبعض يعاديه. والتجربة نفسها تعيش صراعات بينية بين اربيل والسليمانية. وشكل الحكم الاستبدادي حكم العوائل هو القائم… والشعب في وادي آخر، ضحية ومستغل… الخ.

٠ أخيرًا لا بد من التوقف عند أهم معلم للرواية وهي انتصارها للناس العاديين (نحن) الذين يُحبون ويثورون ويقاتلون في سبيل قضايا يؤمنون بها، رغم فقرهم وتخلفهم وظروفهم القاسية.

الرواية تنتصر لهؤلاء وتدين الخونة فيهم لأنهم هم من يجعل واقعهم مستمرًا من سوء لأسوأ. ولأنهم كانوا دائمًا أدوات القوى العظمى ضد أهلهم وشعوبهم… للأسف.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. الكرد لمن يقرأ الحقائق بدون تزيف وتعاطف بحياد تام فهم شاركوا بالجرائم التي لحقت بالسريان والاشوريين والأرمن وكان الكرد اليد التي استخدمتها السلطات العثمانية في الإبادة الأرمن ومجازر سيفو ، وإغتصاب الارض الاشورية الكرد ينظرون الى إنفسهم بأنهم شعب الله المختار كاليهود متعصبين وعنصريين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى