أفغانستان “لعبة الأمم”

د. باسل معراوي

       مقالات

                     

لماذا أفغانستان لعبة أمم؟

للإجابة عن هذا السؤال؛ لابدَّ من استعراض المراحل الأربع التالية في التاريخ القريب:

1- كانت روسيا القيصرية من الدول غير الراضية على تزعُّم بريطانيا النظامَ الدولي في القرن التاسع عشر، وكانت درة تاج الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس هي شبه القارة الهندية، ونظراً لكونها غير قادرة على مجابهتها بحرياً؛ فقد حاولت روسيا مزاحمة بريطانيا في السيطرة على الهند عبر طردها منها، فاندلع صراع طويل تخللته حروب من عام 1829 إلى عام 1907 انتهى بسيطرة البريطانيين على أفغانستان كاملة (كل الحروب دارت على أرض أفغانستان) وتم ترسيم حدود أفغانستان الحالية وجعلها منطقة عازلة بين بريطانيا في الهند وروسيا القيصرية…وبالتالي  لم تتمكن روسيا من إزاحة بريطانيا عن قيادة وسيادة النظام الدولي انطلاقاً من أفغانستان.

 2- تدخل الاتحاد السوفييتي مباشرة لدعم حلفائه الشيوعيين في العام 1979..واستغلت الولايات المتحدة الحدث لإغراق السوفييت في المستنقع الأفغاني، عبر الإسلام الجهادي السني الذي استمر لعشر سنوات انتهت عام 1989 وانسحاب السوفييت منها، وسقوط كابل بيد المجاهدين الأفغان …وكانت الهزيمة السوفييتية من أهم أسباب سقوط الامبراطورية السوفياتية ..وبالتالي أزاحت الولاياتُ المتحدة المنافسَ الرئيسي لها انطلاقاً من الأراضي الأفغانية…

 3- وصلت طالبان للسلطة بأفغانستان في العام 1996 بدعم صيني باكستاني ..بعد 4 سنوات من الصراع بين الإخوة الأعداء الذين أسقطوا الحكم الشيوعي بكابول.. وكان تنظيم القاعدة الذي تأسس إبَّان الجهاد الإسلامي السني ضدَّ السوفييت بأسامة بن لادن والشيخ عبد الله عزام، موجوداً بقوة برعاية حركة طالبان .

كان تاريخ 11 ايلول 2001 حدثاً مميزاً في التاريخ الحديث، حيث استهدف تنظيم القاعدة القوة العظمى في العالم وضربها بعقر دارها؛ الأمر الذي جرح أمريكا في كبريائها، حيث كانت ماتزال منتشية بهزيمة السوفييت، وانفرادها بقيادة النظام الدولي الذي بات قطباً وحيداً دون منافس..

ويرى بعض المراقبين أنَّ هجمات أيلول 2001 لم تكن لتنفذ لولا دعم ورعاية من المحور المتضرر من انفراد الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة، حيث كان محور الصين وروسيا وإلى حد ما إيران (المحور المناهض لأمريكا) ..

لم تسقط أمريكا في أفغانستان كما سقط السوفييت، بل تم توريط الولايات المتحدة بحربين لمحاربة الإرهاب تمثل بغزو أفغانستان 2001..تلاه غزو العراق 2003… والحربان كانتَا فاشلتين بكلِّ ما للكلمة من معنى، باعتراف الأمريكان أنفسهم؛ فقد استنزفتا الكثير من الرصيد الأخلاقي والموارد المادية الأمريكية، والخسائر تقدَّر بالتريليونات.

انسحبت الولايات المتحدة من العراق بالعام 2011…وستكمل انسحابها من أفغانستان بـ11 أيلول القادم بعد عشرين سنة من الوجود بأفغانستان ..وهي أطول حرب تخوضها الولايات المتحدة بتاريخها.

ويقول الكثير من السياسيين الأمريكان إنَّ القرار الوحيد الصحيح الذي اتخذه الرئيس ترامب طيلة السنوات الأربع التي قضاها في البيت الأبيض، هو قرار الانسحاب من أفغانستان…

الرئيس جو بايدن ينفذ القرار الذي اتخذه سلفه

 4- بغض النظر عن الموقع الجغرافي المميز لأفغانستان واكتناز أرضها بالعديد من الثروات…وكون أكثر من 40% من المواد الأولية التي تحتاجها البشرية في القرن الحالي موجودة في آسيا الوسطى (بجوار أفغانستان)، إلا أنَّ الموقع الجيوسياسي لأفغانستان يثير شهية الدول العظمى ودول الإقليم؛ للسيطرة أو التموضع أو لعب دور ما في هذا البلد الشاسع المضطرب، وصاحب التضاريس الصعبة والتنوع الإثني والقبلي والمذهبي الموجود.

 يقول بعض المراقبين إنَّ انسحاب الولايات المتحدة في هذا الوقت “ضربة معلم” ..لوجود مصالح متناقضة لكلِّ الخصوم فيها، فلابدَّ من حدوث الصراع بينهم.

تعتبر أفغانستان الممر الطبيعي للمشروع الصيني الشهير، والحزام، والطريق الذي يفترض السيطرة الناعمة على المنطقة التي تلي أفغانستان للوصول لشواطئ البحر الأبيض المتوسط…وستكون الصين داعماً رئيسياً لحركة طالبان بالاشتراك مع حليفتها باكستان الداعم التقليدي للحركة الباشتونية الطالبانية (إذ تأسست أصلاً في كنف المخابرات الباكستانية بتسعينيات القرن الماضي..) وستشكل الصين محوراً يضم باكستان أيضاً، وتركيا…

لماذا تركيا؟

يعلم الجميع أنَّه بالقمة الأخيرة في بروكسل، على هامش قمة الأطلسي (14 حزيران)، تم الاتفاق بين الرئيسين التركي والأمريكي إبقاء الوجود التركي (الموجود أصلاً في ظل الناتو) لحماية مطار كابل، ومنطقة خضراء في العاصمة تضم: السفارات، ومكاتب المنظمات الدولية التي ستغلق مكاتبها وتعلق أعمالها إذا لم يتحقق الجو الآمن لعملها.. وكل أفرقاء الصراع متفقون على تواجد تلك المنظمات؛ لأنَّها تدر آلاف الدولارات على البلاد، وتتولَّى الجانب الإنساني الكارثي الذي سينجم عن الحرب الأهلية، والمطار الدولي ..

تستطيع تركيا فعل ذلك؛ نظراً لأنها دولة مسلمة لن يُنظر إليها كدولة أجنبية محتلة، وهي تستطيع تحمل الأعباء الأمنية التي لا تستطيع قوات أخرى أو شركات أمنية خاصة القيام بها…

كما أنَّ وجود تركيا في كابل (عاصمة الصراع الدولي الجديد) يؤهلها للعب دور دولي جديد، هي بالأساس طامحة له؛ نظراً لما تمتلكه من قوى عسكرية واقتصادية متنامية إضافةً لكونها تقع بجوار الدول الناطقة بالتركية، وهو المجال الحيوي لتركيا.

 التحالف الآخر الداعم لحكومة أشرف غني (الحكومة الشرعية)..هو الهند، والتي هي الحليف القوي الآن لأشرف غني في مواجهة عدوتها اللدودة باكستان الداعمة لطالبان .

الاتحاد الروسي بدأ الاستعداد من الآن؛ فهو حليف لحكومة أشرف غني والتي تضم تحالف الطاجيك والأوزبك والهزارة تحالف الأقليات المناهض للباشتون التي تتألف منها حركة طالبان…ولأنَّ الروس لن يسمحوا أبداً بوجود حركات جهادية سنية في حديقتهم الخلفية، والتي تتألف من دول عدة مثل طاجكيستان، وأوزبكستان،..وتركمانستان وقرغيزستان،.. جميع هذه الدول ــ إذا ما تم تأثر الحركات الإسلامية في تلك الدول بحركة طالبان ــ ستكون كل منها شيشان جديدة، والتي إلى الآن لم تتمكن روسيا من ابتلاعها كاملاً، إضافة للجمهوريات الإسلامية داخل الاتحاد الروسي..

 إيران حليفة قبائل الهزارة الشيعية، وعدوة طالبان السنية اللدودة، ستكون حتماً في الحلف الروسي الهندي، وقد راجت أخبار سابقة عن سحبها آلاف المقاتلين الأفغان من سورية المنضوين تحت “لواء فاطميون” وإرسالهم إلى أفغانستان ..وقد تجد إيران نفسها مضطرة للتدخل بنفسها، وليس عبر الوكلاء الحلفاء، إن تطلب الأمر ذلك.

 لم يكن غريباً تصريح بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي في عهد الرئيس ترامب، بعد صدور قرار الانسحاب..” لم يكن أحد أسعدَ من الصين؛ لأنَّ القوات الأمريكية في أفغانستان تحمي أمنها”

متوقع أن تحدث اضطرابات في باكستان نفسها؛ لتوفر كل عوامل الصراع المذهبي والعرقي والقبلي الموجود في أفغانستان، ولوجود حركات إسلام جهادي سنية قوية أيضاً.

إنَّ امتداد الفوضى إلى تركستان الشرقية الصينية وكشمير المسلمتين هو الغاية الأمريكية؛ لتطويق الصين بحزام من الفوضى وإحداث افتراق استراتيجي مع حلفائها التقليديين الداعمين للخصم في أفغانستان، وهما روسيا وايران…

وكم ستكون روسيا سعيدة عندما تكون أول المتدخلين، وهي تقول لأمريكا: أغرقتمونا 10 سنوات في أفغانستان، فغرقتم به  عشرين عاماً ..وقد خرجتم مدحورين منه، وعدنا نحن إليه!

المصدر: الطريق

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى