نحن ننتصر أو ننتصر

حازم نهار

صُمِّمت أيديولوجية “المقاومة” بطريقة تجعلها منتصرة دائمًا. إنها لا تخسر أبدًا، بل تكسب الحرب قبل دخولها. النصر مكتوب على جبينها دائمًا؛ لذلك عبثًا أن تجادل أصحابها في معنى الانتصار والهزيمة، وفي معاييرهما. على العموم، يكاد الانتصار أن يصبح أيديولوجية عامة في منطقتنا، فهو ليس من نصيب “المقاومات” فحسب، فالسلطات والمعارضات أيضًا منتصرة على طول الخط. لا أحد يخسر، جميعنا منتصرون! نحن ننتصر من اللحظة الأولى للمعركة. لا توجد مفاجآت. نحن منتصرون قبل الحرب وبعدها، وفي كل وقت.
كما كان متوقعًا، انتصرت حماس. ليس انتصارًا عاديًا؛ فحماس لا تقبل، شأنها شأن حزب الله، بأقل من الانتصار الإلهي. هل كان هناك من يتوقع أن يعلن أيٌّ منهما عن هزيمته في أي وقت؟! هذا أمر مستحيل. لكن حتى هذا الأخير “الانتصار الإلهي”، على ما يبدو، لم يعد كافيًا، ما دفع رئيس المكتب السياسي لحماس لإضافة تعبير جديد “الانتصار المركب”؛ النصر على المستوى الوطني الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية وعلى مستوى المجتمع الدولي.
تضخيم قوة الخصم أو أثر المعركة شكل من أشكال تفخيم الذات في الجوهر. ألم يُضف معمر القذافي صفة “العظمى” إلى “جماهيريته” كونه حارب دولة عظمى؟! ومثله فعل صدام حسين عندما أطلق على معركته في حرب الخليج الثانية وصف “أم المعارك”. يبدو أن الهزيمة عندما تكون قاسية، ومعشِّشة في العظام، ترتفع وتيرة الحديث عن الانتصارات.
هناك حكومات عربية ترى أن حماس تعرضت لهزيمة مؤخرًا، وأن فشل إسرائيل في القضاء على صواريخ حماس لا يعني أنها انتصرت، بل يعني أن إسرائيل لم تحقق نصرًا واضحًا. وحكومات أخرى ترى أن استمرار إطلاق الصواريخ على المستوطنات الإسرائيلية هو إحدى علامات الانتصار. على الرغم من الصحة النسبية لوجهتي النظر إلا أن الانتصار والهزيمة أعقد كثيرًا من الرؤى التبسيطية هذه. على العموم، نحن نحرث بعيدًا من الطرفين؛ طرف يسعى لتبرير تقاعسه وتطبيعه، وطرف محكوم بالأيديولوجيا أو مغرم بالمتاجرة بالقضية الفلسطينية.
مفهوم الانتصار في الثقافة السائدة يعادل فكرة عدم السقوط. نحن ننتصر عادة لأننا لم نسقط. هذا هو جوهر انتصاراتنا. وفي بعض الأحيان ندلِّل على انتصارنا في حال كان عدونا في أزمة؛ أزمة الآخر لا تعني أنني انتصرت. على العموم، لا توجد أي علاقة في رأسنا بين الانتصار والتقدم. اعترضت السلطة البعثية في عام 1967 على تسمية حرب الخامس من حزيران/ يونيو بالنكسة أو الهزيمة، وفاجأتنا بأنها انتصرت؛ لأن هدف العدو كان إسقاطها، ولم يفلح في هذا. الشعبوية، حتى لو كانت صادقة، لا تؤدي إلا إلى الهلاك.
فالانتصار عند السلطات محدّد ببقاء القائد في سدّة الحكم، بقية الأمور لا قيمة لها. انتصر صدام في “أم المعارك”، في حرب الخليج الثانية ضدّ أميركا التي قادت تحالفًا دوليًا ضمّ ثلاثًا وثلاثين دولة، مع أن العراق كان في حالة حصار ودمار بعد الحرب. وانتصر نظام الأسد في مواجهة المؤامرة الكونية بحكم أن “الرئيس” ما زال في الحكم، ولا يهم حجم الدمار والضحايا وتحوّل سورية إلى ساحة لصراع القوى الدولية والإقليمية. وهو اليوم يكمل انتصاراته بفوزه المحتوم في “الانتخابات” قبل دخولها. وانتصر نظام الأسد في معاركه كلها في لبنان، والدليل هو لبنان الذي يعيش في النعيم!
في لحظة نادرة، اتفق النظام السوري ومعارضوه من الفصائل الموالية لتركيا، عندما أعلن كل من الجانبين انتصاره ضد الطرف الآخر في 2018، فكل من الطرفين نظر إلى الاتفاق الروسي التركي آنذاك، بوصفه انتصارًا للسوريين؛ ففيما رأى النظام السوري وموالوه أن الاتفاق انتصار لهم، وتمهيد لسيطرتهم على المدينة، رأى المعارضون أن الاتفاق يمثل تحجيمًا للقوة الروسية أمام القدرات التركية. ما معنى الانتصار في ظل ضياع سورية وتمزقها؟!
“جيش الإسلام” في الغوطة الشرقية هو الآخر أغرقنا بانتصاراته، ومثله فعلت فصائل أخرى. لكن لا ندري كيف نصنف نتائج المعركة بين “جيش الإسلام” و”فيلق الرحمن” في الغوطة، تحت أي نوع من الانتصار؟! القوى المسلحة كلها في سورية، طوال عشر سنوات، كانت تعلن دائمًا عن انتصاراتها. غرقت سورية في بحر الانتصارات إلى أن تكسّرت أوصالها وتشظى شعبها.
في منطقتنا، كل السلطات انتصاراتها تاريخية، والجماعات الإسلامية انتصاراتها إلهية، فيما القوى الأخرى تنوس بين التاريخي والإلهي أو تلهث في ذيل أي منهما. لكن، ما دامت الانتصارات تملأ حياتنا، ننام ونصحو على الانتصارات، لماذا نعيش في آخر سلم الشعوب، سياسة وثقافة، وعلمًا، وتنظيمًا، واقتصادًا؟
أذكر أن أحدهم، بعد عودة “طابا” إلى السيادة المصرية، كتب آنذاك “كسبنا طابا، لكننا خسرنا مصر”. هذا تعبير حقيقي عن جوهر انتصاراتنا؛ نضخِّم مكاسبنا الصغيرة فيما نحن نخسر خسارات جوهرية أو كبرى. هذه ليست رغبة جامحة لدينا في إعلان هزيمتنا، ومن ثم بثّ روح التشاؤم والتقاعس، بل رغبة في وضع بوصلة حقيقية للانتصار. ماذا يعني الانتصار؟ الانتصار هو كل خطوة تأخذنا في اتجاه حرية المواطن وكرامته، كل خطوة نتقدم فيها نحو بناء دول وطنية ديمقراطية مستقلة. هذا هو جوهر الانتصار المطابق لحاجاتنا وواقعنا وأهدافنا. لا ينتصر إلا من يعترف بهزائمه أولًا، ويملك الإرادة على تجاوزها ثانيًا.
أما عندما تتحدث سلطات الأمر الواقع، في المنطقة كلها، عن الانتصارات، فليس لهذا من معنى سوى أن الدكتاتوريات والأصوليات و”المقاومات” باقية وتمدد، ولا مشكلة في اقتصاداتنا المنهارة، ولا في غياب السلم الأهلي، ولا في غياب القانون والعدالة، ولا في قمع الحريات، ولا في التشريد والفقر وانسداد آفاق المستقبل. طوال عقود استمرت السلطات و”المقاومات” والجماعات المتطرفة والميليشيات في انتصاراتها. ومع انتصاراتها لم نخسر شيئًا سوى الدولة والشعب والمواطن!
حياتنا كلها انتصارات. نحن في انتظار الانتصار المقبل. كل انتصار وأنتم بخير!

المصدر:المدن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى