حتى لا تفاجئنا سفارات الأسد

غازي دحمان

لنقلها بصراحة، في ألمانيا وتركيا والسويد، الدول التي رفضت إجراء التصويت لانتخابات الأسد على أراضيها، فعلت ذلك انطلاقا من مواقف خاصة بها، مبدئية أو سياسية. ولم تفعل ذلك نتيجة جهود اللاجئين السوريين في تلك البلدان، بدليل أن دولا كثيرة في أوروبا وخارجها، توجد فيها أعداد كبيرة من اللاجئين، مثل فرنسا والنمسا، سمحت بإجراء التصويت، أيضا لاعتبارات وأسباب خاصة بها. لكن الدول الثلاث المشار إليها أكبر حواضن اللاجئين السوريين، في أوروبا وفي العالم. وفيها أعداد لا بأس بهم من مؤيدي نظام الأسد. ولنا أن نتصوّر كيف سيكون المشهد، لو حصل التصويت في هذه البلدان؟ مؤكّد أن مؤيدي النظام، أو الموالين، أو الشبّيحة، سيظهرون بشكل منظم، وهم يصطفون في طوابير للدخول إلى قاعات التصويت في السفارات، ويردّدون أهازيج بـ “الروح والدم”، ويحملون أعلام النظام وصور بشار الأسد، فيما سيقف المعارضون على الضفة المقابلة بشكل فوضوي بدون تنظيم ولا توافق، حتى على شعارات موحدة، على الرغم من حماسهم وشعورهم بعدالة قضيتهم.

وعلى الرغم من أن مؤيدي الأسد ليسوا على قلب واحد، وليست بينهم مشتركات، فهم خليط من طائفيين يؤيدون الأسد نكاية بالأكثرية، أو حتى ربما تخوفاً من وصول أحزاب إسلامية إلى السلطة، أو أشخاص وصلوا إلى أوروبا قبل الثورة وما زالت لهم ارتباطات مصلحية مع النظام. جاء بعضهم مبتعثاً من النظام للدراسة وتخرّج وبقي يعمل في أوروبا، أو جاء في أثناء الحرب في سورية، للبحث عن فرص اقتصادية أفضل. على الرغم من ذلك يتفقون على كره الثورة ورموزها وشخصياتها ومبادئها وأهدافها، وينسّقون مع أجهزة النظام ومؤسّساته على كيفية التأثير في الرأي العام الأوروبي عبر قنوات، بعضها إعلامي وحزبي له علاقات سابقة مع نظام الأسد، وخصوصا أحزاب اليمين في أوروبا.

ليس سرّاً وجود مئات آلاف المعارضين الصادقين والكارهين لحكم الأسد، والواعين لضرورة التغيير في سورية وأهميته، وإزاحة هذا النظام الذي يعيق تقدّم السوريين صوب تأسيس دولة مدنية ديمقراطية في سورية، وبين هؤلاء الآلاف من حملة الشهادات وأصحاب التخصصات في القانون والإعلام والاقتصاد والسياسة. وجزء كبير منهم أتقن لغات المجتمعات التي لجأ إليها، وربما ساهموا بإيصال صورة واضحة عما يحصل في سورية إلى هذه المجتمعات.

لكن، حتى اللحظة، تبدو جميع هذه الجهود مضيّعة، كما أن هذه الطاقات لم يتم استثمارها بالشكل الحسن، وبقيت مجرّد جهود فردية متفرّقة غير مؤثرة بشكل عام، تسيّرها الحماسة والعاطفة، بدون تخطيط واستراتيجيات واضحة لتحقيق أهداف من شأنها إفادة السوريين في نضالهم ضد الطاغية وعصابة الحكم في دمشق.

يدل هذا كله على أن السوريين ما زالوا يعتقدون أن الكلام الأفعل هو لساحات المعارك. وبالتالي، فإن موازين القوى المائلة بشدة لصالح النظام وحماته الروس والإيرانيين لا يمكن تعديلها بأدواتٍ أخرى، وإن نشاطهم ومظاهراتهم الحماسية هي مجرد تنفيسٍ عن غضبهم وشعورهم بالعجز. ومن جهة ثانية، هم، وبحسب الاعتقاد، لا يستطيعون التأثير حتى على المعارضة السياسية المفترض أنها تمثلهم، والتي بات قرارها بأيدي الدول التي ترعاها وتحتضنها، ومن ثم ليس من داع للتفكير بتغيير هذه الوقائع الصلبة التي يصعب على اللاجئين تغييرها.

ولكن هذه الذرائع لا تكفي لتبرير حالة الفوضى والعجز للاجئين السوريين في أوروبا وتركيا، وحتى لبنان والأردن، ذلك أن نظراءهم في الولايات المتحدة، وهم نسبة قليلة بالمقارنة مع اللاجئين في المناطق المذكورة، استطاعوا بالفعل التأثير على السياسات الأميركية ودفع الإدارات إلى سن قوانين وقرارات لصالح المتضرّرين من نظام الأسد والداعين إلى تغييره. والتجربة الفلسطينية شاهد على أهمية تنظيم اللاجئين وتأطيرهم، فقد رأى العالم المظاهرات الصاخبة في كثير من دول القرار العالمي وتأثيرها على النخب والرأي العام في هذه الدول ضد الحرب الإسرائيلية على غزة، ومحاولات تهويد حي الشيخ جرّاح.

والواقع، إنه ما لم يتنبه السوريون إلى ضرورة إيجاد أطر لتنظيم اللاجئين والاستفادة من طاقاتهم، فإنهم سيخسرون معركتهم الطويلة مع النظام. وفي هذا الإطار، عليهم أن لا يضعوا كل رهاناتهم على احتمالية سقوط النظام نتيجة الواقع الاقتصادي المتردّي أو حصول خلافات داخل نواته الصلبة، أو إمكانية حصول ثورة جياع أو تمرّد الموالين عليه، ولا حتى على إمكانية استمرار الموقف الغربي المعادي للنظام والرافض إعادة تأهيله قبل تحقيق تقدّم في العملية السياسية على أساس قرار مجلس الأمن رقم 2254.

علينا أن نتذكر أنه في عام 2012 اعترفت أكثر من 120 دولة، في الجمعية العامة للأمم المتحدة، بالمعارضة السورية ممثلاً شرعياً للشعب السوري. وكان هناك عشرات من الدول التي تجتمع في إطار “أصدقاء سورية” لم يبق منها إلا القليل، كما أن قضية السوريين ستكون في خطر إزاء أي تغيير سياسي قد يحصل في البلدان المستقبلة للاجئين، ولن ينقذهم من تلك المخاطر إلا إذا كانوا قوّة منظمة ومؤطّرة، عندئذ سيصبح لهم تأثير فاعل في المعارضة السورية، ويصبحون أحد أهم مكوناتها أيضاً.

الصراع مع الأسد وأجهزته وأدواته، ومن خلفه روسيا وإيران، يحتاج قوّة مقابلة منظمة ومؤثرة وفاعلة، تُبرز قدرات السوريين ونضالهم في سبيل وطن حر وديمقراطي، وتستطيع إقناع العالم بأنهم يستحقون ذلك عن جدارة.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى