العام العاشر للثورة السورية والخطاب الوطني الشامل

عقاب يحيى

تسع سنوات مضت على اندلاع الثورة السورية التي عرفت مزيد التعرّجات، والتراجعات، وسط جو من الإحباط، وتعدد الآراء في الأسباب الذاتية والعامة التي أدّت إلى وصولها لهذه الوضعية، وإلى فقدان القرار الوطني وتعدد المشاريع والمصالح الخارجية وتنازعها غالباً، وتناغمها في المنعطفات المهمة بما يلقي الكثير من المسؤولية على المنتمين للثورة، القابضين، بقوة، جمر الإيمان بها، وبحتمية الانتصار مهما غلت التضحيات وطال الزمن.

في أشهر الثورة الأولى وهي تتصاعد بسلمية حضارية رائعة، وهي تلخص مضامينها بعدد من الشعارات: «ثورة الحرية والكرامة والعدالة»، و «واحد واحد واحد الشعب السوري واحد»، كتبت مقالاً بعنوان «الزلزال السوري» تناولت فيه دور الثورة السورية فيما لو انتصرت، وأقامت النظام التعددي، المدني، الديمقراطي بأنها ستكون بمثابة الزلزال الشامل في المنطقة، لما لسوريا من خصائص بنيوية تمكنها من ممارسة أدوار قيادية في محيطها العربي، والمنطقة، حيث ظلّت سوريا على مدار العقود الحديثة المحفّز الأكبر لانتفاضات الشعوب العربية، تاركة بصماتها القوية في مجمل المتغيّرات التي عرفتها المنطقة، وبالتالي فالانتصار ستكون له ارتداداته القوية في الدول المحيطة، ومنها إلى عموم الوطن العربي والمنطقة.

هذه الخصوصية ستدفع عديد الدول والقوى إلى الوقوف ضدّ الثورة، وإلى العمل على حرفها، وتشويهها، وتجريفها، وتجويفها. وهو ما حدث بتراكب عوامل مختلفة، ولهذا لن يكون من مصلحة أغلبية الجهات الجوارية والإقليمية انتصار الثورة، وإقامة نظام ديمقراطي، وستكون إسرائيل في مقدمة القوى التي ستعمل على شلّها، ومنع انتصارها.

النظام بتركيبته الأقلوية (الأقلوية شاملة ولا تعني فقط الجانب الطائفي) يعتبر أن أي استجابة لمطالب الشعب المنتفض تنازلاً، والتنازل عنده بداية الانهيار، لذلك يرفضه ولو بأبسط صوره، وبديله نهجه المجرّب في استخدام الحل الأمني، الدماري ولو أدّى ذلك ـ كما حصل بالفعل ـ إلى قتل مليون وأكثر، وإلى اعتقال وتصفية مئات آلاف الناشطات والناشطين، وشنّ حرب إبادة منظمة وشاملة تطال البشر والحجر وكل شيء.

المشكلة في الثورة

وفوق ذلك كان قراره المدروس العمل بكل الوسائل على شيطنة الثورة، وتشويه جوهرها من خلال:

ـ تحويلها إلى حركة مسلحة.

ـ إقحام وتسهيل مشاركة القوى المتشددة، بما في ذلك الجهات المصنفة إرهابية.

ـ توظيف الموضعات المذهبية لتعميق الشروخ العمودية وتصوير الثورة على أنها حالة (سنية) ضدّ الآخرين بالتركيز على المناطق السنية بشكل خاص، وتنصيب نفسه كحام لكل الأقليات الدينية والمذهبية.

ـ الاستنجاد بالميليشيات الخارجية الشيعية التابعة لإيران، ثم باستقدام الاحتلال الروسي، ولو على حساب فقدان القرار الوطني بالكامل.

لكن ومع ثقل فعل وتأثير هذا العامل وتراكبه مع العوامل الخارجية فإن أسّ أزمة الثورة يكمن فيها، أي داخلها. في تركيبها، وطبيعة القوى التي تصدّرت المشهد السياسي. في المؤسسات التي نهضت لتمثيل الثورة بدءاً من التنسيقيات ووصولاً إلى المجلس الوطني، والائتلاف. في واقع القوى التقليدية المعارضة وضعفها وأزماتها، وفي خصائص الثورة التي افتقدت وجود القيادة المركزية المسبقة لها، أو في ولادة قوى حقيقية من صلبها، من دون أن نغفل طبيعة العسكرة ودورها في المسار والنتائج.

كانت الثورة السورية أكبر ممن صعد إلى صفوف تمثيلها، وبدأ الإشكال في ذلك الاضطراب الذي حصل في قيام مؤسسات حاولت التكلّم باسمها، والتي تمّ إنشاؤها من خلال بعض الأفراد والمجموعات بعيداً عن مشاركة شعبية واسعة، وظهرت إشكالية المعارضات التقليدية في عجزها عن وحدة عملها، وتجاوز الخلافات القديمة والمستجدة، في حين بدا صعباً الوصول إلى صيغ فاعلة لتمثيل الثورة عبر وجود النشطاء الفاعلين، ومن خلال شكل تنظيمي يؤمّن مشاركة أعداد كبيرة منهم في اختيار الأفضل، وصولاً إلى نمو المحاصصات، والكتل القائمة على أسس إيديولوجية، وغيرها للإمساك بالقرار في تلك المؤسسات وفرض نمطية من التفكير وأساليب عمل تؤدي إلى الاستحواذ.

ظاهرة العسكرة

وحين انتشرت ظاهرة العسكرة، التي تشكّلت كرد فعل طبيعي على تغول النظام في قتل النشطاء والمتظاهرين، ومن خلال تصاعد حركة انشقاق الضباط والجنود الوطنيين وعشرات آلاف الإطارات الفاعلة الذين قرروا الانضمام للثورة والوقوف مع شعبهم الثائر، فقد انتشرت الفصائل العسكرية بشكل فوضوي، وهي تفتح الأبواب لتدخلات متصاعدة من الجهات الإقليمية والخارجية، خاصة وأن الحاجة للسلاح والمستلزمات الضخّمة دفعت إلى الاستنجاد بالدول الصديقة التي دخلت على الخط وكلّ منها لها مشروعاتها وخططها، وبما أوجد حالة فوضوية عصّية على التنسيق، والتوحيد، وإهمال جلّ الضباط المنشقين، أو إبعادهم عن مراكز القيادة والقرار، وتولي عدد من المدنيين مواقع حساسة وهم يفتقرون للمهنية والخبرة والقدرة على مواجهة أعداء منظمين، موحدي القرار والخطط. ثم بروز عديد الظواهر السلبية تتجاوز إهمال السياسي، واحتقاره إلى ولادة أفكار مناقضة لجوهر الثورة، كأمراء حرب، وممارسات مرفوضة، وإلى الاقتتال البيني، وغياب التنسيق والعمل المشترك مما كان له أثره في الهزائم المتتالية، وفي تمكين النظام المستند إلى الاحتلال الروسي والدعم الإيراني من استعادة معظم المناطق التي كانت تابعة للفصائل.

في هذا الصدد، ونحن نحتاج إلى مراجعات شجاعة نقف فيها على الأخطاء والسلبيات، ونتصدى بقوة للأسباب التي كان لها فعلها في الواقع الراهن، فإن خطأ الرهانات على الخارج، منذ البدايات، أدّى إلى إهمال قوى الثورة على الأرض، والابتعاد عن الحاضن الطبيعي بما أوجد فجوة اتسعت على مدار السنوات، وتعمّقت مع المتغيّرات القاسية التي فُرضت من قبل مجموع القوى الخارجية، وكان لذلك إسهامه الكبير في فقدان القرار الوطني وتهميش الدور السياسي في معادلة الحل السياسي، وقبله في منع الحسم العسكري.

وبات واضحاً على مدار السنوات أنه لا يوجد قرار دولي من الدول المعنية بإيجاد حل سياسي للمأساة السورية، وكأنّ استمرار النزيف يخدم جهات عدة في مقدمها إسرائيل التي وقفت وتقف ضدّ تغيير النظام، وهي تعلن تخوّفها من وصول قوى راديكالية، إسلامية أو غيرها تخلّ بأمنها المستقر الذي وفره لها النظام السوري، على الجبهة السورية، لعقود، بل إن قيام نظام ديمقراطي حقيقي يطلق طاقات الشعب السوري الخلاقة لن يكون في مصلحة إسرائيل والقوى الداعمة لها، وهذا عامل يجب أخذه بالاعتبار دوماً في استمرار المأساة السورية لزمن مفتوح.

رغم كل هذه المعطيات السلبية وما حصل من أخطاء وانزياحات وانكشاف المواقف الدولية فإن تصميم الشعب السوري على انتزاع حقوقه لا بدّ وأن يصل إلى النتائج المرجوّة في إنهاء نظام الاستبداد والفئوية، وإقامة البديل التعددي، الديمقراطي، والأمور لا يمكن أن تعود إلى ما كانت عليه قبل الثورة، وسينتهي دور القتلة والمجرمين، وفي مقدمهم رأس النظام وكبار رموزه الملطخة أيديهم بالدماء.

إن من أهم نتائج السنوات السابقة، ونحن نلج العام العاشر للثورة، إعادة النظر بالخطاب السابق والانتقال به من صيغة أو مساحة أو حيّز المعارضة إلى خطاب وطني شامل يتجه إلى الشعب السوري بكل أطيافه ومكوّناته السياسية والقومية والدينية والمذهبية، انطلاقاً من حقيقة الثورة كثورة لجميع السوريين، ولمسؤولية الهيئات القائمة عن جميع السوريين، بمن فيهم ما يعرف بـ «الكتلة الرمادية»، أو الحيادية، بل وحتى تلك التي غشّها النظام وجرجرها إلى صفوفه.

الخطاب الوطني يعني بداهة الارتقاء فوق جميع الانتماءات الفرعية، إيديولوجية، عقيدية كانت أم فكرية، وإثنية وسياسية والاصطفاف في خندق الوطن المهيّأ لاحتضان جميع الفئات والأطياف والعمل معا في برنامج الإنقاذ الوطني للحفاظ على وحدة سوريا الجغرافية والسياسية والمجتمعية من جهة، وإقامة الدولة المدنية الديمقراطية من جهة أخرى.

المصدر: القدس العربي

اترك تعليقاً
1+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى