بالدَّمعِ أبدَأُ شِعري.. ليسَ بالحِبرِ

صفية دغيم

ما بينَ أن أنسى وأن أتذكرا

عينانِ لا أدري بأيهما أرى

 

أأغضُّ طرفاً عن محاسنهِ التي

حَلَفت بهذا الليلِ أن تَتَقمَّرا ؟

 

أم أطرقُ الأبوابَ حتى تستحي

من أن تردّ الصبَّ عن طلبِ القِرى

 

ما زلتَ تفتكُ في شراييني إلى

أن ذُبتَ في مجرى دمائي سُكَّرا

 

ما مرَّ عطرٌّ قربَ جيدكَ خِلسةً

إلا وعادَ بما تحمّلَ أعطرا

 

لو كانَ لي ان أستميلكَ بالذي

قد ظلَّ من عمري فلن أتأخرا

 

لكنني أدري بأن هناك مِن

ما نشتهي ما لا يُباع ويُشترى

 

واللهِ ما هُزَّت جذوعكَ في دمي

إلا وزدتَ  تَغلغلاً وتَجذُّرا

 

من أي شيءٍ قُدَّ قَلبُكَ؟، والذي

أحياهُ لو من صخرةٍ لتَفجَرا

 

أنظر نداكَ يطلُّ من عليائِهِ

سَئِمَ المكوثَ وآن أن يَتحدَّرا

 

——–

وكآخرِ الرّشَفاتِ في فنجانِهِ

خَلَّاكِ مهملةً وراحَ لِشانِهِ

 

وكآخرِ اسمٍ خَطَّهُ فوقَ الرِّمَا

لِ ، مَحاهُ موجُ البحرِ مِن شُطآنِهِ

 

وكآخرِ الأوراقِ حانَ خَريفُها

فاسَّاقَطَت صفراءَ مِن أغصانِه

 

لستِ الوحيدةَ، لستِ أوَّلَ خاتمٍ

يلهو بهِ ويُديرُهُ ببنانهِ

 

ما كنتِ إلا قِصَّةً عَبثيةً

كُتبت وَما قُرِئت على جُدرانِه

 

أغرى سرابُ الضوءِ عينكِ فاصطلي

مثلَ الفراشةِ في لَظى نيرانهِ

 

كانت (أحبك أنت) أوَّلَ كذبةِ

ماجاوزت يوماً حدودَ لسانهِ

 

غوصي ببحرٍ ليسَ بحركِ وابحثي

في القاعِ لن تجدي سوى حيتانهِ

 

طولاً وعرضاً قلبيه ونَقِّبي

لن تَلمسي الإنسانَ في إنسانهِ

 

———-

 

بالدَّمعِ أبدَأُ شِعري ..ليسَ بالحِبرِ

مِن آخرِ القَهرِ لا مِن أوَّلِ السَّطرِ

 

مِن حيثُ يَنضحُ شَوقُ العاشقينَ دَماً

مِن العروقِ ومِن حيثُ الهَوى يَسري

 

رحماكِ يا شام ، إنِّي مُذ خُلِقتُ فِدا

هذي الدموعِ فلا تَحني بِها ظَهري

 

هَرِمتُ يا شام ، لكنّي على هَرَمي

أخيطُ زهركِ من أوراقيَ الصُّفرِ

 

خَلفَ الحُدودِ تركتُ القلبَ منكسراً

وزدتُ في غربتي كسراً على كَسرِ

 

وكنتُ أدري بأن الشوقَ محرقةٌ

وكنتُ أُكوَى بهِ مِن حيثُ لا أدري

 

صبري فُتاتٌ، وشَوقي لِلرُّؤى نَهِمٌ

هل يشبعُ الشّوقُ إن أطعمتهُ صَبري؟؟

 

———–

أضعتَ دربكَ أم ضاقت بكَ الطرقُ ؟

وعُدتَ حيرانَ لا تدري بمن تَثقُ

 

أمِن هُنا أنتَ ؟؟ لا ،أُخرِجتُ من بَلدٍ

سُكّانهُ الوردُ والريحانُ والحبقُ

 

بأي ذنبٍ ؟؟ بلا ذنبٍ ولا سَبَبٍ

سَل كلَّ من أُوقِدُوا بالصمتِ واحترقوا

 

أكنتَ في الفُلكِ اذ ناداك نوحُ ؟؟ أجل ..

وكنتُ أوّلَ مَن مِن بَعدهِ غَرِقُوا

 

وكنتُ في الجُبِّ إذ أدلوا مشانِقهُم

وكنتُ بالخوفِ قبلَ الحبلِ أختنقُ

 

جرمي كبير وإني لستُ أنكرهُ

شهوده الحبر والاقلام والورقُ

————

سالتي للدنيا

——————–

مُرِّي على الجُرح واستوصي بهِ وَجَعَا

لا تترُكي لِقليلِ اللّومِ مُتَّسَعَا

 

مُرِّي عليَّ بِمَجموعي ولا تَذَرِي …

فأسهلُ الموتِ أن آتيهِ مُجتمِعا

 

صُبِّي على الدمعِ دمعاً غيرهُ وَخُذي ….

عَيني مع الدمعِ إن لم تُتخَمي شبَعا

 

قولي إذا حوتُكِ المجنونُ غَيَّبَني …

لي صيدُ بَحري ولي حوتي وما بَلعَا

 

قولي لثديكِ يا شمطاءُ إن فتىً …

من غيرِ حلمتكَ السوداءِ ما رَضَعَا

 

قولي إذا حَضَنَ الدمعُ الحزينُ دمي….

إن الحزينَ على أشباههِ وَقعَا

 

خوضي حروبَكِ بعد الموتِ واغتنمي ..

ما كان مني قُبيلَ الموتِ مُمتنِعَا

 

لا تجعليني أعيشُ العمرَ مرتبكاً …

صعبٌ هُوَ الوقتُ إن أعطى وإن مَنَعَا

 

فإن تأخرتِ بالموتِ الأخيرِ فقد …

أموتُ في كلِّ يومٍ ميتةً جَزَعَا

 

ثم اصلبيني وقولي لم يَمُت بِيَدي ..

شَبّهتموهُ ولكن للسَّما رُفِعا

 

————

الذاهبونَ فِدى والعائدونَ مَدى …

والباسطونَ لكفِّ السائلينَ يَدا

 

الحاملونَ على أكتافهم وطناً ..

والتاركونَ فِداهُ الأهلَ والولدا

 

المتعبونَ إذا ما الغيمُ ظلّلَهُم ..

نادوا عليهِ بأن يستدركَ البُعَدَا

 

الوادعون وغَيظُ الأرضِ في دمهم…

كالجمر إن نفخت ريحٌ بهِ اتّقَدا

 

مجرّدون سوى من نارِ غيرتهم ..

تكفي لطُلاّبِها في حربِهم مَدَدا

 

هم ملحُ هذا الثرى مذ أن تعمَّدهم

لو غابَ مِلحهُمُ عن طينهِ فَسَدا

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى