دفع لقانون أوروبي شبيه بـ”قيصر”: مهمة صعبة لحشد إجماع

عماد كركص

يبدو أن بدء المحاكم الأوروبية التعاطي مع الانتهاكات والجرائم المرتكبة بحق المدنيين في سورية، لا سيما محكمة كوبلنز الألمانية التي بدأت قبل عام محاكمة شخصين مشتبه بارتكابهما جرائم حرب وأدانت أحدهما قبل أيام، شجع منظمات حقوقية سورية، وبالشراكة مع منظمات ومراكز أبحاث حقوقية في أوروبا، للتحرك بشكل فاعل أكثر ضد النظام السوري. يأتي هذا على الرغم من التباين على الصعيد السوري بالتعاطي مع قرار محاكمة كوبلنز، سواء بالترحيب بقرار إدانتها ضابط الصف إياد غريب، والحكم عليه بأربعة أعوام ونصف العام، قابل للطعن، أو اعتبار الكثير من النشطاء والحقوقيين السوريين أن غريب كان “كبش فداء”، بالمقارنة مع مجرمين حقيقيين لا يزالون خارج دائرة العقاب والملاحقة.

وانطلاقاً من إفادات قدمت داخل محكمة كوبلنز، لما بات يعرف بالشاهد “z30″، أو “حفار القبور”، الذي قدّم شهادات مروعة عن مقابر جماعية دفن فيها نحو مليوني جثة، تم حفرها في مناطق متفرقة على أيدي فرق مختصة تعمل يومياً طيلة أعوام، كان هو من بينهم، وكان الضحايا الذين دفنوا في تلك المقابر، من الذين قضوا داخل السجون والأفرع الأمنية للنظام أو المجازر المختلفة لا سيما في دمشق وريفها، بات حقوقيون يسعون لتحويل الشاهد “z30” إلى “قيصر 2″، بهدف التحرك والضغط لإصدار عقوبات جديدة للضغط على النظام ورموزه والحد من إعادة تعويم النظام ضمن أي صفقة دولية.

وكشف المحامي والحقوقي أنور البني، الذي يدير “المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية”، ومقره ألمانيا، أن منظمات حقوقية سورية وحقوقيين سوريين يعملون لتوحيد الجهود بهدف الضغط لإصدار قانون عقوبات جديد، على غرار “قانون قيصر” الأميركي، يفرضه الاتحاد الأوروبي على النظام.

وتحاول المنظمات جمع شهادات المعتقلين والمنشقين عن النظام، بالإضافة إلى كثير من الأدلة على تورط النظام ورموزه في مجازر الإبادة الجماعية، وعمليات القتل، والتعذيب بحق الأفراد في السجون والمعتقلات وغيرها، ليكون لديهم ملف كامل لدعم الحملة أمام الاتحاد الأوروبي. وكانت الحملة قد بدأت فعلياً قبل فترة، بالتواصل مع سياسيين أوروبيين للاستفادة من جهودهم في تحريك الملف، بغية إخراج المشروع إلى النور، ليكون قانوناً أوروبياً فاعلاً.

وأشار البني، في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى أن لقاءات عدة جمعتهم، أي المنخرطين في الحملة، مع سياسيين أوروبيين فاعلين خلال الأشهر الأخيرة، تضمّنت طرح الفكرة ومناقشة حيثياتها، كاشفاً عن اجتماع جديد سيكون الأهم بين تلك الاجتماعات مع البرلمان الأوروبي في الثالث من مارس/آذار المقبل. وعلى الرغم من أن البني امتنع عن تفصيل الجهات المشاركة في الحملة من السوريين، إلا أنه أوضح أن مشروع القانون سيتطلب موافقة 27 دولة أوروبية سيجري التنسيق معها جميعاً، مشيراً إلى أن المهمة صعبة، كون الكثير من الدول الأوروبية لا تزال ترتبط مع النظام بعلاقات، أو لا يعتبرونه عدواً على الأقل، وبالتالي من الصعب حشد الإجماع الأوروبي لقانون شبيه لـ”قيصر” الأميركي. لكن البني أكد أن المساعي مستمرة، بالعمل مع دول تتبنى قضايا وحقوق الإنسان، ولا سيما دول أوروبا الغربية، كألمانيا وبريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا والسويد والنرويج والنمسا، على سبيل المثال، وهذه الدول لديها دعاوى موجّهة ضد النظام أمام قضائهم. وقال: “علينا العمل وسنقوم بما يمكن، وبأفضل الوسائل”.

واستفسرت “العربي الجديد” من البني حول الدور الذي من الممكن أن تلعبه بريطانيا في هذا المشروع، لا سيما أنها باتت خارج الاتحاد الأوروبي، بعد دخول اتفاقية “بريكست” حيز التنفيذ، فأشار إلى أنه “حتى وإن كانت بريطانيا خارج الاتحاد الأوروبي، إلا أنه من المهم الانضمام إلى هذا المشروع، أو إصدار مشروع أو قانون خاص بها، في هذا الخصوص”.

في سياق متصل، أشار مصدر من داخل لجنة التحقيق الدولية الخاصة في سورية، في حديث مع “العربي الجديد”، إلى أن تقريراً جديداً سيصدر عن اللجنة حول الجرائم المرتكبة في سورية، متوقعاً ألا يتجاوز موعد إصداره نهاية الأسبوع المقبل. وفي حين علمت “العربي الجديد” من مصادر متقاطعة أن دعوى جديدة سيتم الإعلان عنها في فرنسا، تتعلق باستخدام النظام السوري للسلاح الكيميائي ضد المدنيين في عدد من الوقائع. وأشارت المصادر إلى أن من بين المدعى عليهم قد يكون رئيس النظام بشار الأسد وشقيقه ماهر قائد “الفرقة الرابعة” في قوات النظام، وربما أحدهما، إلى جانب العديد من أسماء مسؤولين عن إعطاء أوامر، أو شاركوا بمجازر ارتكبت بحق المدنيين عبر استخدام السلاح الكيميائي، لا سيما في الغوطة الشرقية عام 2013، وخان شيخون في 2017.

وكانت لندن قد أعلنت، مطلع العام الحالي، عن نقل العقوبات الأوروبية المفروضة على النظام لتكون ضمن نظام عقوبات مستقل وخاص بها، قابل للتحديث والإضافة بشكل مستمر، وذلك بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وأعلنت وزارة الخارجية البريطانية، حينها، التزامها بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم في سورية. وأشارت، في بيان، إلى أنه اعتباراً من مطلع 2021، “ستنقل المملكة المتحدة عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد نظام الأسد وأعوانه إلى نظام العقوبات البريطاني المستقل والخاص بسورية”. وأضافت “تهدف عقوباتنا إلى إنهاء القمع الوحشي للمدنيين من قبل نظام الأسد، وزيادة الضغط عليه من أجل حل سياسي دائم لكل السوريين”. ونبّهت إلى أن “المملكة المتحدة تدعم بالكامل العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، ويجب على النظام السوري التعامل معها بجدية من أجل رفع هذه العقوبات”.

وفي الولايات المتحدة، وقبيل انتهاء العام الماضي بأيام، قدّمت لجنة الدراسات في الحزب الجمهوري مشروع قانون جديد ضد نظام الأسد، يحمل بين بنوده ومواده مفاعيل أقوى من تلك التي جاءت ضمن “قانون قيصر”، الذي وقّعه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب نهاية العام 2019 وبدأ سريانه منتصف العام الماضي. وجاءت مسودة القانون الجديد، الذي حمل عنوان “أوقفوا القتل في سورية”، في 32 صفحة، تقدّم بها 150 نائباً للكونغرس، تتضمّن مزيداً من المقترحات لعقوبات أوسع وأشمل لشل قدرة النظام، بل إطاحته في حال إصدار القانون وتطبيقه.

وتأتي كل هذه التحركات مع استمرار النظام بتعطيل العملية السياسية، على الرغم من كل الجهود الرامية لإجباره على الجلوس إلى طاولة التفاوض، من خلال مسارات الأمم المتحدة، المدعومة غربياً، لحل القضية السورية. ولم تنفع كل الجهود الدولية والغربية لدفع النظام التعاطي بجدية في عملية التفاوض، والذهاب نحو تغيير سياسي في البلاد، على الرغم من كل العقوبات الأوروبية والأميركية والبريطانية المفروضة عليه، وعشرات مذكرات التوقيف بحق رموزه وأجهزته والكيانات المرتبطة به، في ظل دعم كامل من روسيا، لا سيما في مجلس الأمن، واستخدام حق النقض “الفيتو” لصالحه.

أما “حفار القبور” أو الشاهد “z30″، فهو رجل سوري، جرى تجنيده من قبل أحد عناصر المخابرات السورية، ليعد فريقاً مختصاً بدفن جثث الذين قضوا في المعتقلات والأفرع الأمنية التابعة للنظام. ودفن، مع فريقه، بين العامين 2011 و2017، آلاف الجثث في حفر ضخمة بالقرب من دمشق، قبل أن يخرج من سورية إلى أوروبا ويتحول إلى شاهد ضد النظام. بيد أنه سيتحول كذلك إلى “قيصر 2″، نظراً لتطابق ما في جعبته نوعاً ما، مع ما خرج به المصور العسكري في الشرطة العسكرية للنظام، المقلب “قيصر”، الذي حمل 55 ألف صورة لـ 11 ألف معتقل قضوا في سجون النظام تحت التعذيب، والذي أصدرت الولايات المتحدة قانوناً حمل اسمه نهاية 2019، وفرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية على النظام.

 

المصدر: العربي الجديد

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى