قراءة في رواية: باب الأبواب

أحمد العربي

يوسف دعيس روائي سوري متميز، ينتمي للثورة السورية، رواية باب الأبواب أول عمل أقرؤه له. تعتمد الرواية أسلوب السرد بلغة المتكلم للشخصية المحورية فيها “عطا الله”. من خلال فصول يقسمها أبوابا؛ موحياً بعمق صوفي، يصبغ الرواية كاملة. يبدأ من باب الجذور إلى الغربة، المعرفة، السبيل، الشاهد، الجهاد، الهجرة، الموت، الرؤيا، الحجر، العبور، الخروج من الجحيم، المنتهى، الخواتيم. يحكي قصته بدءاً من جده الأكبر حيث يعود للماضي إلى قرون عدة. تابع محطات من حياة أسلافه. ينتهي السرد بتوسع في السرد عن حياته هو في مدينة الرقة. وما حصل فيها خاصة في سنوات الثورة السورية.

تعود جذور عطا الله إلى جده الأول شامل الذي جاء من مدينة دربند من داغستان، ولقب شامل الداغستاني. الذي جاء إلى اسطنبول في أيام السلطان سليمان القانوني. يعود نسب الجد شامل الى الحسين بن علي بن أبي طالب، وهكذا ينتسب الشيخ شامل لرسول الله (ص). شامل الذي استثمر أصله ذلك في التنجيم والرقية والعلاج الروحاني. ذاع صيته في زمن السلطان سليمان القانوني. وكان أوقع خليلة السلطان بألاعيبه. وعندما علم السلطان بأمره. حاسبه ومنع التنجيم، وكان مصيره الإعدام شنقاً. وهكذا يأتي من نسل الجد شامل أولاد لا يبتعدون كثيراً عن مسار الأب. يأتي عابدين من أسلافه ثم وهبي أوغلو الذي يعمل عند السلطان عبد الحميد. وينتقل للعيش في البوكمال السورية. وهكذا تنتقل العائلة للعيش بين سورية وتركيا. ويكون من سلسلة العائلة من جهة الأم عطا الله الحسني، ابن حسين الحسني إحدى أهم الشخصيات المحورية في السردية، هو ذلك الرجل الذي عاش حياته محملاً بميراث معنوي كبير؛ كونه وريث وسليل الشيخ عبد القادر الكيلاني، المتصوف المعروف، وفي ذات الوقت منفتح على العيش، ومنحاز لأهوائه ورغباته. تزوج من تركية (فاطمة تنكيز حفيدة شامل الدربندي) أولاً ثم تزوج من قريبته من دير الزور. أنجب الكثير من الأولاد ذكوراً وأناثاً. عمل في الهجانة بين حدود العراق وسورية، تنقل بين كثير من المواقع. وصل إلى حدود الجولان. كان شديداً مع من يقعون تحت سطوته. وفي مرة أساء لمن له سلطة وحظوة. أدت إلى طرده من الخدمة. حصل على تعويضات. أنفقها على ملذاته وموبقاته. عاد يبحث عن مصدر رزق، جرّب فتح مقهى، عاد للاستفادة من كونه حفيد الشيخ الكيلاني. وكان له بعض “الكرامات”، عاش حياته دون ضابط أو رادع. وفي أواخر عمره، قرر الذهاب للحج صحبة بعض معارفه. وهناك توفي وهو يطوف حول الكعبة، دفن هناك.

ترك حسين الحسني عائلة واسعة مؤلفة من زوجتين تركية وديرية وأولاد كثيرون، نتابع حياة عطاء الله وأخيه محمد أولاد حسين الحسني من أمهم التركية. الذين استقر بهم العيش في مدينة الرقة السورية. عطاء الله الذي بدأ حياته من تميز اسمه حيث علم من عائلته أن اسمه هذا جاء نتيجة رؤية وأنه سيكون له شأن عظيم. كبر عطاء الله وشقيقه الأكبر محمد، في كنف أمهم، عاشوا في مدينة الرقة. تحملت أمه مسؤولية العائلة بعد وفاة والده المفاجئ في الحج. أصرّت على متابعة أولادها لدراستهم وهكذا دخل عطا الله كلية الحقوق وتخرج منها. لم يعمل محامياً. فله تجربة مؤلمة مع أحد المحامين الذي استغل علمه للضرر بهم فسرق منهم حقهم في ملكية أرض باعوها بأبخس الأثمان، عبر التلاعب بالقانون. لذلك تابع عمله بالتعليم حيث كان يعمل معلماً وكيلاً منذ أيام دراسته الجامعية. عندما كبر عطا الله وأصبح بحاجة للزواج. صارت تأتيه أحلام تعيد اليه ذكرى فاطم الفتاة التي أحبها أيام مراهقته وغرقت بالفرات. بحثت أمه عن فتاة مناسبة. عرّفته على عائلة جاءت حديثاً الى الرقة. والتقى بابنتهم سناء. وحصل إعجاب متبادل الذي أدى للزواج. وهكذا استمرت حياة عطا الله على وتيرتها في الرقة. أصبح له حضور اجتماعي إيجابي. وما أن جاءت الثورة السورية وبدأت تظهر آثارها في الرقة عبر التظاهر. كان بعض أبنائه مشاركين فيها. اعتقله الأمن وحقق معه وأخبره أن عائلته تشارك بالتظاهر وتصور الفديوهات وترسلها للفضائيات. وتحذره من العواقب. لكن تطور الأحداث، وردة فعل النظام العنيفة وقتل المتظاهرين واعتقالهم، دفع الثوار لتشكيل كتائب الجيش الحر الذي بدأ يناوش النظام، وكانت سنة ٢٠١٢م سنة حصار للرقة وصراع بين الجيش الحر والنظام، استمر ذلك إلى آذار ٢٠١٣م حيث تم تحرير الرقة من سلطة النظام. لكنها لم تنجُ من القصف والبراميل المتفجرة والدمار الدائم. لم تهنأ الرقة كثيراً في تحررها من سيطرة النظام، فهناك قصف دائم عليها من خارجها، أدى لحصول المجازر اليومية التي تطال الأطفال والنساء. وداخلها صراع بين مجموعات الجيش الحر والنصرة وداعش، بعد ذلك. يتحدث عطاء الله عن أدهم ابن خاله، التركي الجنسية. أدهم الذي كان يعيش في مرعش، وكيف تابع ما يحصل في سورية. ودعوة خطباء المساجد لمساعدة أهل الشام في جهادهم ضد النظام المستبد القاتل. ومن ثم قرار أدهم الالتحاق بالجهاد في الرقة ومجيئه إلى هناك ملتحقاً بالثورة ولقائه بأبناء عمته عطا الله ومحمد. والعيش معهم حيث التحق بالثوار. أصبح قريبا من أحرار الشام وكذلك النصرة وداعش. تابع كل التحولات التي حصلت في الرقة. كما التقى الأب باولو الإيطالي المنتمي للثورة السورية. أحاديثه التي تدافع عن حقوق الشعب السوري بالعيش بحرية وكرامة وعدالة وديمقراطية. وكيف لم يرق طرحه لداعش حيث دعته لمكتبها في الرقة، ذهب ولم يعد. البعض قال إنه محجوز هناك والبعض قال إنه قُتل. تابع أدهم كل ذلك. ووجد أن الشعب السوري في الرقة وسواها صار ضحية القتل المنهمر عليهم من السماء. وصراع بين من يدعي أنه ينتصر للشعب من الثوار والناس ضحايا هذا الصراع أيضاً. تزوج أدهم ابنة خاله محمد واكتشف مأزق الصراع بين المسلحين. وأن هناك الكثير من الظلم والقتل وإن تحول الثورة من ثورة حقوق، إلى ادعاء بناء الدولة الإسلامية والخلافة، ومراقبة ضمير الناس وحصارهم وقتلهم عشوائياً لأتفه الأسباب. جعله يبتعد عن الانخراط بالعمل المسلح، والانتقال للعيش مع عائلة أبناء عمته بصحبة زوجته. ومع سيطرة داعش على الرقة. وزيادة الهجمة من التحالف الدولي على الرقة جعل الناس يفكرون بالهجرة. فالبقاء بالرقة يعني الموت تحت الأنقاض. كثيرة هي العائلات الكاملة التي قتلت بشكل جماعي. صبر عطا الله وأخوه على القصف، وتحمل العيش معهم أدهم وزوجته. لكن القصف لم يمهل عائلة محمد شقيق عطا الله، قتلها كاملة. محمد اختفى. قرر عطا الله أن يهاجر إلى تركيا فلم يعد له من قدرة على الاستمرار. أخذ عطا الله تعويضه من المال بعد فصله من العمل لأنه يناصر الثورة. واستدان القليل وأمّن ما يعطيه للمهرب ليستطيع العبور إلى تركيا. كان هو وأدهم وزوجته. تعبوا كثيراً حتى وصلوا إلى الحدود. مروا على حواجز داعش والجيش الحر. كان الموت احتمال قد يصيبهم في كل وقت. استطاعوا العبور من الحدود التركية. أصابت رصاصة طائشة أدهم عند العبور وأدت لوفاته. بقي عطا الله بصحبة ابنة أخيه الحامل من زوجها أدهم. عاش في أورفا. مدينة سيدنا ابراهيم عليه السلام. يعيشون فيها بسلام.

كما كانت عائلة أخت عطا الله قد تأخرت بالخروج من الرقة وقتل بعض عائلتها وخرجت أخيراً. لتلتحق بمخيمات عين عيسى لتعيش فيها مع من تبقى من عائلتها تحت سلطة قوات سورية الديمقراطية. ال ب ي د جناح حزب العمال الكردستاني السوري. كما التحق أولاد عطا الله الاثنين به في أورفا عندما انقطعت بهم السبل للعيش في الرقة. يعملون في تركيا ويعيشون مع والدهم وابنة عمهم.

كانت قد مرت على عطا الله أحوال وجدانية صوفية عايش فيها حضور جده الباز عبد القادر الكيلاني وقد اعطاه عقيقة زرقاء، حملها على يقين منه أنها تحميه….

كما تحدث الموتى الضحايا عن أحوالهم قبل موتهم وكيف قتلوا. في توصيف مؤلم ومؤسف. القتل بالبراميل المتفجرة. أو بتفجير لغم. أو قصف الصواريخ. الكل يحلم أن يجد من يحترم موته ويدفن جثته أو أشلاءه ولا تبقى في العراء أو للجوارح أو تنهشها الكلاب….

تنتهي الرواية وعطا الله ومثله الكثير مشردين في تركيا والحدود السورية وفي كثير من بلاد العالم.

في تحليل الرواية نقول:

نحن أمام رواية تسير وفق خط ناظم واحد، وهي ملاحقة حياة عطا الله الحسني حفيد عبد القادر الكيلاني (الباز الأكبر). لكنها فوق ذلك هي رواية تغوص عميقاً في التاريخ الذي يخدم موضوع الرواية، بحيث تعود إلى عصر السلطان سليمان القانوني وتتحدث عن زمانه وأحواله. وتعود بالعمق أكثر لتتحدث عن مدينة أورفا التركية والصراع بين نبي الله إبراهيم والنمرود. لتستمر بعد ذلك للتحدث عن الترابط العضوي بين تركيا الحديثة وسورية المعاصرة. مظهرة أن الجغرافيا كانت واحدة قبل قرن من الآن. وكذلك العائلات الواحدة التي مازالت تعيش موزعة بين البلدين سورية وتركيا.

كذلك يظهر في الرواية النفس الصوفي مهيمناً، حضور وجداني يغوص عميقاً في ذات الكاتب، وفي ذات القارئ، وفي ذاتنا القومية. فمن حيث نحن عرب ومسلمون. الإسلام حفر عميقاً في ذاتنا ووجداننا وثقافتنا. كذلك التصوف حاضر في كثير من أمور حياتنا وأفكارنا ومواقفنا وما نعيش.

الرواية تعيش الثورة السورية في الرقة وجوارها. بما انعكس عليها واقع التجربة عملياً. تحدثت عن اندفاع الناس ضد الظلم والفساد والاستبداد والمطالبة بالحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية. في مرحلة الحراك السلمي للثورة. كانت واضحة في إدانة النظام المجرم القاتل في كل ما فعله عبر القصف والقتل والتدمير والتهجير والاعتقال والإذلال والتعذيب. كذلك ضياع الثورة بين الجماعات المسلحة التي سميت بداية الجيش الحر ثم أصبحت بعد ذلك تكنى بالمجموعات الإسلامية. ثم أوغلت بالادعاءات الإسلامية وولادة القاعدة بمسماها النصرة، والدولة الإسلامية داعش. الصراع بينهم. وتحول حياة الناس إلى جحيم من صراعاتهم البينية، وصراعهم مع النظام. وتدخل النظام العالمي الذي أعلن حرباً على داعش باسم الحرب على الإرهاب. ودعم حزب العمال الكردستاني وفرعه السوري ال ب ي د، وتوسعه ببعض العرب وتسميته قوات سورية الديمقراطية، تحت نفس الحجة. كان الناس أهلنا هناك هم الضحايا. موت وتهجير للبشر وتدمير للبلاد. المأساة لم تنتهِ للآن؛ حيث سيطرة قوات سورية الديمقراطية على جزء من سورية في الجزيرة وشرق الفرات. وهناك طموح انفصالي عبر ادعاءات قومية لفصيل كردي لا يملك من الحق شيئاً.

أن نهاية الرواية بسجال بين عطا الله ورجل تركي حول خيانة السوري لسورية وجبنه وهروبه من المعركة، وجواب عطا الله له. بأن السوري لم يعد يريد إلا الحياة. نعم إنه يفتقد حق الحياة. لذلك تخلى عن كل شيء؛ عن الوطن والبيت والعمل والمقاومة.. الخ ، لأجل أن يعيش.

نعم ألا يكفي أن يموت أكثر من مليون إنسان سوري ظلماً في حرب النظام على الشعب. وأن يصاب ويعاق عدد مماثل. وأن يشرد نصف الشعب السوري؛ ما يزيد عن ١٢ مليون إنسان داخل سورية وخارجها. وأن يعيش أغلب السوريين داخل سورية في مناطق سيطرة النظام وخارجه دون حد الفقر. وأن تكون سورية مقسمة واقعياً بين دول عدة، يحتلها الروس والإيرانيون والأمريكان. يتوزع الكثير من السوريين في كثير من دول العالم مشردين.

شبعت من أجسادنا، نحن السوريين، الأرض والبحر، وبكت على عذاباتنا السماء. نعم نحن السوريون نطالب بحق العيش فقط.؟!. فهل نناله…؟!. هذا ما تطرحه سردية “باب الأبواب” بلغة بسيطة تخلو من التنميط والتنميق البياني، بعيداً عن المباشرة والتقعير، وتدعو إلى فتح الباب الذي يفضي إلى كل الأبواب..!

 

 

اترك تعليقاً
1+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى