” لغز ” حرائق الساحل السوري

محمد خليفة  

أصبحت حرائق الغابات في الساحل السوري كارثة وطنية وانسانية كبرى، لو حدثت في بلد آخر لاحتاج مساعدات أجنبية، كما حصل في اسبانيا واليونان والولايات المتحدة في الأعوام الماضية، إلا أن ظروف سورية السياسية حاليا تحول دون حصولها على مساعدة تقنية من الدول المجاورة. الأمر الذي يهدد بمضاعفة حجم وأثر الحرائق، ويزيد الخسائر الهائلة في الثروة الحراجية والزراعية والاقتصادية ، ويرفعها الى مستوى كارثة وطنية ضخمة بحق ، لا تقل خطرا وضررا عن بقية الكوارث التي يعيشها الشعب السوري في كل مدنه وقراه ، اقتصادية وأمنية وسياسية واجتماعية ، ما يجعل البلد كله كأنه على شفيردمار كامل ، انساني ومادي واقتصادي ، بدون اكتراث من أحد . حتى روسيا التي تتخذ من الساحل السوري مركزا رئيسيا لقواتها، لم تتحرك إلا في اليوم الثالث، وحين اقتربت النار من مواقعها، وما زال تحركها محدودا حتى الساعة.

وما يشغل تفكير السوريين اليوم هو (اللغز) البوليسي الكامن في ثنايا هذه الكارثة الجديدة التي تقع في مناطق ظلت طوال عشر سنوات مستقرة، وتنعم بحياة هادئة وآمنة، نسبيا، بحماية النظام وشبيحته وقواته، وحماية روسيا، في الوقت الذي كانت حرب الأسد وآلته العسكرية تلتهم بقية المدن تدميرا وتهجيرا وحصارا وبما يشبه الإبادة الشاملة، بلا استثناء، من درعا جنوبا الى القامشلي شمالا.

اللغز هو هل هذه الحرائق التي حولت الساحل الساحر بطبيعته الخلابة جهنما مستعرة تتدحرج عبر ثلاث محافظات، حمص وطرطوس واللاذقية هي من فعل الطبيعة، أم من تدبير البشر …؟  ومن هم هؤلاء البشر الذين أشعلوها؟ وما مصلحتهم في ذلك؟ ولماذا الآن؟

لا يختلف المراقبون داخل سورية وخارجها على أن الطبيعة بريئة تماما من إشعال هذه الحرائق، وربما تنحصر مسؤوليتها في إذكاء نيرانها بقوة الرياح القوية، وأن أصابع الاتهام موجهة للبشر. وهي بذلك تختلف عن الحرائق المشتعلة بسبب عوامل بيئية ومناخية في بقية دول الساحل السوري، أي فلسطين المحتلة (اسرائيل) وفي بعض مناطق لبنان.  ونقل عن رئيس اتحاد الفلاحين في اللاذقية حكمت صقر قوله: (لا يمكن لعشرات الحرائق أن تشتعل في وقت واحد في أماكن متباعدة. هناك عمل تخريبي متعمد).

والمعلومات الرسمية تدلل على ذلك بشكل واضح، وهناك ما يشبه الاجماع بين المسؤولين الرسميين والمواطنين في تلك المناطق على أن الفعل مدبر من مخربين.

 فالنار اشتعلت في مواقع مختلفة بلغ عددها في اللاذقية 35 موقعا، و54 في طرطوس في وقت واحد من ليلة الجمعة السابقة (9 / 10 / 2020) حسب مدير الزراعة في اللاذقية منذر خيربك، ومدير الاطفاء. وانتشرت خلال يومين الى أكثر من منطقة وموقع والتهمت أكثر من 130 قرية ، ووصلت الى مدخل بلدة القرداحة ، مسقط رأس حافظ الأسد وأسرته. وأجرت قناة ” الاخبارية السورية ” مقابلة مع مجموعة من سكان المنطقة المؤيدين للأسد ، أكدوا بالاجماع إنه عمل تخريبي ، موجهين الاتهام الى (المعادين ) للأسد .

 يذكر أن هناك أكثر من مائة قرية فر سكانها منها بالكامل خوفا من النار أو الدخان الكثيف الذي غطى سماء المنطقة ، وحجب الرؤية على الطرق العامة والفرعية بين حمص وجبلة وطرطوس ، واللاذقية ، وأوقع العديد من الضحايا والجرحى والمختنقين .

 وتقوم قوات عسكرية اضافة لأفواج الاطفاء في المحافظات الثلاث ، وآلاف المتطوعين من المواطنين ، بمحاولة اخماد الحرائق ، وانقاذ السكان بوسائل شبه بدائية ، لأن الدولة لا تملك أمكانات مناسبة للتعامل مع حرائق بهذا الحجم والقوة .

وتنحصر الشبهة والمسؤولية بجهتين يعتقد أن لهما مصلحة في هذه الجرائم :

الأولى – هي عصابات من المجرمين والفاسدين يتعاملون مع تجار الحطب والفحم ، ومن مثلهم ، تقوم بإشعال النار في هذا الوقت من السنة لتوفير كميات كبيرة من مادة الحطب والفحم التي ارتفعت أسعارها مؤخرا لسكان القرى والمدن الجبلية الباردة في الساحل ، مع اقتراب فصل الشتاء وشحّ مادة المازوت والغاز والكهرباء . وهي عصابات لا تفكر سوى بالربح والمال،  ولا تكترث بحجم الأضرار التي تحدثها في ثروة الغابات والأحراش والبيئة الوطنية ومحاصيل الفلاحين  .

وما يدعم هذه الشبهة أن حرائق مشابهة وقعت في نفس التاريخ من العام الماضي (15 / 10 / 2019) والتهمت مئات الهكتارات . ويتحدث المواطنون عن عصابات اجرامية تقوم بهذه العمليات ، وهي منظمة ومسلحة ومحمية من جهات مسؤولة في الشرطة والدولة تحترف كل ما يدر عليها الأرباح ، وهي تشعل النيران ولكنها أحيانا تفقد السيطرة عليها .

الثانية –  مجموعات من الثوار والمعادين للنظام ، وخاصة الذين تضرروا ماديا وانسانيا ، وقتل منهم أبرياء ، أو لهم معتقلون ومغيبون ، أو فقدوا مساكنهم وقراهم ومزارعهم ، بفعل أعمال اجرامية ارتكبها شبيحة النظام وأعوانه في عموم المحافظات الأخرى ولا سيما ادلب وحماة وحمص ، وهم يتعمدون إشعال هذه الحرائق للثأر والانتقام من النظام ومن حاضنته الشعبية التي اعتادت دوما على التعبير عن سرورها وغبطتها كلما قصفت قوات النظام المدن والقرى في المحافظات غير العلوية ، وتهجير أهاليها وتشمت بهم علنا . ويقول بعض السكان هناك إن هؤلاء المعادين للنظام بدأوا بتشكيل مجموعات من ( الذئاب المنفردة ) تتحرك في مناطق نائية وجبلية في الليل ، تشعل النيران ، ثم تنسحب بسرعة وتختفي .

وما يدعم هذه الشبهة هو العدد الكبير للحرائق والتوزع الجغرافي لها في وقت واحد ما يدعم فرضية التخطيط والتدبير . ومن المعتقد أن الفاعلين يأخذون بعين الاعتبار هذا الوقت من العام الذي يعتبر موسما لكثير من الأشجار المثمرة والمواسم التي يعيش عليها الفلاحون والمزارعون في قرى الساحل .

المهم أن أجمل وأغنى مناطق سورية يحترق اليوم، كما احترقت الغوطة، واحترقت مواسم وحقول الفلاحين في الرقة والحسكة، وكما احترقت ادلب بنيران النظام والعصابات المحسوبة على المعارضة والثورة.

يقول أحد السوريين: سورية كلها ستحترق ما دامت هذه السلطة مستمرة في الحكم.. هذه رسالة الى الروس وحلفائهم!

 

المصدر: الشراع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى