بعد نحو عامين على سقوط النظام.. لماذا لا تزال المخيمات جزءاً من المشهد السوري؟

المخيمات السورية.. ضرورة ملحة لإنهائها مع اقتراب فص الشتاء

رغم مرور نحو عامين على سقوط النظام، لا يزال ملف النزوح الداخلي أحد أبرز التحديات الإنسانية والاقتصادية التي تواجه سوريا، في ظل استمرار وجود مئات آلاف العائلات في المخيمات ومواقع الإيواء المؤقتة، على الرغم من عودة أعداد كبيرة من النازحين إلى مناطقهم خلال العامين الماضيين.

ولا تعني عودة النازحين بالضرورة انتهاء معاناتهم، إذ تصطدم عائلات كثيرة بواقع مختلف عن التوقعات عند وصولها إلى مناطقها، حيث لا تزال منازل مدمرة أو غير صالحة للسكن، فيما تفتقر مناطق أخرى إلى المياه والكهرباء والمدارس والمرافق الصحية، فضلاً عن محدودية فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل الاستقرار صعباً حتى بالنسبة للعائلات التي تمكنت من العودة.

وتبرز كذلك مشكلات تتعلق بملكية العقارات والأراضي، نتيجة فقدان الوثائق الرسمية أو تلفها، وتنازع الملكية، والاستيلاء على بعض الممتلكات خلال سنوات الحرب، إلى جانب مخاطر الألغام ومخلفات الحرب التي لا تزال تهدد حياة المدنيين وتحول دون العودة إلى مناطق واسعة.

وفي هذا السياق، تشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، الواردة في تقرير عن الوضع الإنساني في سوريا الصادر في حزيران/ يونيو 2026، إلى أن أكثر من 4 مليون سوري يحتاجون إلى دعم يتعلق بالسكن والأراضي والممتلكات، في ظل الدمار الواسع وفقدان وثائق الملكية وتعقيدات استعادة الحقوق العقارية.

في المقابل، وضعت الحكومة السورية إنهاء ملف المخيمات ضمن أولوياتها، وأطلقت رؤية “سوريا بلا مخيمات”، مدعومة بإطار مؤسساتي صدر بموجب المرسوم رقم 59 لعام 2026، الذي نص على تشكيل لجنة تتولى تهيئة البنى التحتية في المناطق المتضررة تمهيداً لعودة الأهالي.

وعلى مستوى التنفيذ، أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل نحو 23 ألف عائلة إلى مناطقها منذ بداية عام 2026 وحتى السابع من آب/ أغسطس، فيما تحدثت بيانات رسمية أخرى عن تراجع أعداد العائلات المقيمة في مخيمات الشمال من نحو 266 ألف عائلة إلى نحو 91 ألف عائلة حتى تموز/ يوليو الماضي.

لكن التحدي لا يتعلق فقط بتوفير وسائل نقل للعائلات أو إخلاء الخيام، بل بقدرة الحكومة وشركائها الدوليين على تحويل العودة إلى استقرار فعلي، من خلال إعادة تأهيل المنازل والبنى التحتية، وتأمين الخدمات وفرص العمل، ومعالجة قضايا الملكية والتعويضات، وضمان إزالة مخلفات الحرب قبل السماح بالعودة إلى المناطق المتضررة.

كما تبرز مسألة التمويل بوصفها عاملاً حاسماً في هذا المسار، إذ لا يمكن معالجة آثار سنوات طويلة من الحرب والدمار بالاعتماد على الإمكانات الحكومية وحدها، في ظل اتساع الاحتياجات الإنسانية وتراجع قدرة المجتمعات المحلية على استيعاب العائدين.

بماذا يرتبط استمرار المخيمات؟

يقول الناشط الإنساني في مجال الإغاثة والإيواء عبد السلام محمد اليوسف لـ”963+” إن استمرار المخيمات في سوريا يرتبط بصورة أساسية بغياب البدائل السكنية ومحدودية جهود إعادة الإعمار والترميم، مشيراً إلى أن المجتمع الدولي لم يقدم حتى الآن دعماً كافياً لإعادة تأهيل المناطق المدمرة وتأمين مساكن بديلة للعائلات النازحة.

ويضيف اليوسف أن المنظمات الإنسانية التي كانت تعمل في مناطق المخيمات غادرت إلى محافظات سورية مختلفة، في وقت كانت فيه العائلات بحاجة إلى تدخلات تتجاوز المساعدات الإغاثية، وتشمل ترميم المنازل أو بناء مساكن جديدة، ودعم القطاع الزراعي من خلال توفير الأبقار والأسمدة والبذار للمزارعين، بما يساعد الأسر على استعادة مصادر دخلها والعودة إلى قراها ومزارعها.

ويوضح أن المرسوم التشريعي رقم 59، المتعلق بإنهاء واقع المخيمات والوصول إلى “صفر خيمة” اصطدم بصعوبات كبيرة على الأرض، في ظل اتساع حجم الدمار وافتقار كثير من القرى إلى مقومات الحياة الأساسية، لافتاً إلى أن الحكومة بدأت، بالتعاون مع بعض المنظمات ومفوضية اللاجئين، ترميم مدارس وتجهيز عدد من المشافي، لكن حجم الاحتياجات الفعلية يفوق بكثير ما أُنجز حتى الآن.

ويشير اليوسف إلى أن المبلغ المرصود لإنهاء ملف المخيمات يبلغ نحو 248 مليون دولار، في حين لا يتجاوز التمويل المتاح، وفق المعلومات التي وصلته، 200 مليون دولار، معتبراً أن الفجوة التمويلية، إلى جانب حجم الدمار، تشكلان عائقاً أمام تنفيذ الخطة ضمن المدة المحددة.

ويضيف أن عودة بعض الأسر بأطفالها، مقابل بقاء أعداد أقل في المخيمات، أدت إلى تراجع أعداد الطلاب في بعض المدارس وتوقف عدد منها، ما دفع مديريات التنمية والجهات المعنية إلى محاولة دمج المخيمات وتقريب الطلاب من مدارس قادرة على استيعابهم، في ظل صعوبة استمرار المؤسسات التعليمية بأعداد محدودة.

ويؤكد اليوسف أن نحو 15عاماً من النزوح والمعيشة في الخيام تركت كثيراً من العائلات من دون مدخرات أو قدرة شرائية تمكّنها من ترميم منازلها أو بناء مساكن جديدة، موضحاً أن عدداً كبيراً من الأسر لا يزال عالقاً في المخيمات، رغم رغبته في العودة، بسبب افتقار القرى التي ينحدر منها إلى المنازل الصالحة للسكن والخدمات الأساسية، بما فيها الأفران وشبكات الصرف الصحي والمدارس والنقاط الصحية وفرص العمل.

ويشدد على أن مطلب تأمين السكن البديل يمثل الأولوية الأساسية لدى سكان المخيمات، محذراً من أن إغلاقها أو نقل قاطنيها من دون توفير مساكن وخدمات ومصادر دخل لن ينهي مشكلة النزوح، بل قد ينقلها إلى أماكن أخرى بأشكال مختلفة.

ويختم اليوسف بالإشارة إلى أن الوصول إلى هدف “صفر خيمة” يتطلب معالجة مجموعة مترابطة من الملفات، تبدأ بتأمين المساكن وترميم القرى المدمرة، وتمر بإعادة الخدمات الأساسية ودعم الزراعة وسبل العيش، وصولاً إلى توفير فرص عمل تتيح للعائلات استعادة قدرتها على الاستقرار، معتبراً أن معالجة هذه الملفات مجتمعة هي الطريق الفعلي لإنهاء واقع المخيمات، وليس الاكتفاء بإخلائها.

إعادة الإعمار لإنهاء المخيمات

يرى الكاتب الصحفي أحمد مظهر سعدو أن إنهاء واقع المخيمات في شمال سوريا بات ضرورة إنسانية ملحّة، خصوصاً مع اقتراب فصل الشتاء مجدداً، واستمرار معاناة آلاف العائلات من البرد والظروف المعيشية الصعبة، مشيراً إلى أن تحقيق عودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم يتطلب جهوداً تتجاوز الإمكانات الوطنية، لتشمل دعماً إقليمياً ودولياً لإعادة الإعمار والتعافي.

ويقول سعدو لـ”963+” إن حجم الدمار الذي خلفته سنوات الحرب في سوريا بسبب قصف قوات النظام يجعل إعادة بناء البنية التحتية والمنازل المدمرة عملية معقدة تحتاج إلى تمويل كبير، لافتاً إلى أن تقديرات أممية تضع كلفة إعادة إعمار البلاد عند أكثر من 600 مليار دولار، في حين لم يُعقد حتى الآن مؤتمر دولي مخصص لإعادة إعمار سوريا، رغم الحاجة الملحّة إليه.

ويضيف أن التحركات الجارية لتقليص أعداد النازحين وتأهيلهم للعودة إلى مناطقهم تمثل خطوة ضرورية، لكن نجاحها يرتبط بتوفير مساكن آمنة وصالحة للسكن، إلى جانب الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية التي تضمن للعائلات مصادر معيشة مؤقتة إلى حين حصولها على فرص عمل مستقرة.

ويشير سعدو إلى أن الخطة الحكومية لإنهاء المخيمات موجودة، وفق المعلومات المتاحة لديه، لكنها تحتاج إلى تمويل كبير ومزيد من الدعم العربي والإسلامي والدولي، معتبراً أن تأمين الموارد اللازمة لترميم المنازل وإعادة بناء القرى المدمرة يشكل العقبة الأساسية أمام تنفيذ العودة بصورة شاملة.

ويؤكد أن الحكومة السورية تتحمل مسؤولية البحث عن مصادر تمويل وحلول عملية لتسريع إعادة الإعمار، داعياً إلى وضع عودة النازحين ضمن أولويات الإنفاق العام، بما في ذلك ترشيد النفقات الحكومية والحد من المصروفات غير الضرورية، مشيراً إلى صدور تعليمات أخيرة عن الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية تدعو الوزارات إلى التقشف وترشيد الإنفاق والاستهلاك.

ويشدد سعدو على أن إفراغ المخيمات من سكانها بحلول نهاية عام 2026، وفق الخطة المعلنة، ينبغي أن يترافق مع توفير بدائل سكنية حقيقية ومقومات الاستقرار، محذراً من أن نقل العائلات من المخيمات من دون تأمين احتياجاتها الأساسية لن يعالج جذور المشكلة.

ويختم بالقول إن العودة لا تقتصر على انتقال النازحين إلى مناطقهم الأصلية، بل تتطلب توفير مسكن آمن ومساعدات إنسانية، وتأمين التعليم والخدمات الصحية وسبل العيش لأفراد الأسرة، بما يضمن للعائلات العائدة القدرة على الاستقرار وعدم الاضطرار إلى النزوح مجدداً.

المصدر: 963+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى