
تبدو المشاهد الغاضبة فى كثير من المدن الأوروبية حاملة لبعض من علامات خريف السياسات النيوليبرالية الوحشية، والترامبية، وحالة الاضطراب واللايقين فى النظام الدولى، ومآلاته المستقبلية، ودور أوروبا، فيما سوف يتخلقُ من مسارات التحول عالميا. الخريف الاستثنائى للغضب الأوروبي الذى أشعله طلاب المدارس الفرنسية من جيل Z، وفى ألمانيا، وايطاليا، وبلجيكا، واسبانيا، والبرتغال وسويسرا ومعهم بعض النقابات، والسترات الصفراء الفرنسية، وغيرهم، وتبدو المشتركات فى المطالب الاجتماعية التى تتركز على رفض سياسات الحكومات الاجتماعية، وضرورة تطوير التعليم، ومنشأته، ونقص المعلمين والعاملين فى المدارس، والصحة ، وارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة ارتفاع أسعار إيجارات السكن، ورفض التجنيد الاجبارى، وزيادة الأنفاق العسكرى، وحماية المناخ، وتمثلُ مطالب جيلية –من Z- ومعهم أجيال شابة أخرى، مع دخول النقابات إلى دوائر الغضب، والتظاهر، وبعض الفئات المهمشة، وبعض من المجموعات اليسارية الراديكالية واليمينية المتطرفة المضادة لبعض الأقليات من المواطنين والمهاجرين من أصول عرقية ودينية.
بعض من الغضب الاستثنائى فى أوروبا تجلى مع بعض من العنف، وتحطيم محلات الملابس والأحذية الفاخرة ، ونهب ما بها ، والصراعات العنيفة مع الأجهزة الشرطية، وإشعال بعض الحرائق.. إلخ.
كشفت حالات الغضب الجيلى الأوروبية، عن بعض الفجوات الجيلية السياسية، ما بين نمط السياسيين ما بعد الحرب الباردة والعقد الثاني، والثالث من القرن الحالى، وأجيال الثورة الرقمية، والذكاء الاصطاعنى التوليدى الذاتي، وبطء التكيف السياسي المتسارع، لثقافة وعقلية جيل Z، وآلفا، ومشتركاته فوق انتماءاته الطبقية، ومطالبه ومخاوفه من غموض مستقبله، فى التعليم العام، والجامعى، والأهم مخرجات التعليم، وسوق العمل والفرص المتاحة والبطالة .
الفجوات الجيلية مرجعها أن التركيبة العمرية، والفكرية والسياسية، للطبقات السياسية الأوروبية، هى نتاج لمرحلة السيولة، والتفكك فى الأنساق الكلية للإيديولوجيات السياسية الكبرى التى سادت ما بعد الحرب العالمية الثانية –الإمبراطورية الفلسفية الماركسية، والليبرالية الغربية-، ومن ثم انهيار السرديات السياسية الكبرى. من ناحية أخرى فشل الإيديولوجيات الناعمة ذات النزعة الوسطية ما بين اليسار، واليمين ، ويمين الوسط ، وتراجع ادوار الأحزاب السياسية الكبرى وتفكك بعضها، لصالح بعض الأحزاب ذات الطبيعة الائتلافية البرامجية المؤتلفة مع السياسات النيوليبرالية الوحشية، والتى أدت إلى نهاية الحماية الاجتماعية ودولة الرفاهة فى أوروبا. الليبرالية الجديدة مع مدرسة شيكاغو والمدرسة النمساوية، وتنظيراتهم لحرية السوق، والحد من ادوار الدولة، وتدخلاتها دعما لدور الأسواق الحرة، كمحفز للنمو، وتوزيع فاعل للموارد، وهو ما أدى إلى ما سبق أن أسميته بديانة السوق، مع مارجريت تاتشر، وريجان فى الثمانينيات وتابع هذه السياسات يسار الوسط -كلينتون، وتونى بلير- والطريق الثالث، وهو ما ادى إلى بعض من النجاحات النسبية إلا أن الأزمة المالية الكبرى 2008، وأزمة اليورو عام 2010، ثم السياسات الترامبية، والحرب بين روسيا، وأوكرانيا، والحرب على إيران، واضطراب فى بعض الإمدادات والأسواق.
كان التركيز على القطاعات المالية، ورؤاها وسياساتها، وراء تراجع النمو السريع الذى تم خلال عقدين، لرفع القيود التنظيمية للدول علي السوق ، وأيضا تراجع سياسات الضمان الاجتماعى. أدت الثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعى التوليدي الذاتى، إلى هيمنة قلة من أباطرة النيوليبرالية الرقمية الكونية والمصارف الكبري على الأسواق، وتوجهها. من ثم الاضطرابات والتظاهرات، هى تعبير عن بعض ” الباثولوجيا الاجتماعية ” للنيوليبرالية، وأيضا للطبقات السياسية الحاكمة فى أووربا، وفشل سياسات الاندماج الداخلى لعديد من الأجيال المتعاقبة من المواطنين من أصول عرقية ودينية غير أوروبية، ويقظة هوياتها، وبعض من ثقافاتها فى مجتمعات تعددية، وهو ما أدى أيضا إلى انتفاضة قومية عرقية بيضاء فى أوروبا، ومعها اليمين المتطرف وظواهر كراهية الأخر المختلف، -الاكزنزفوبيا- والاسلاموفوبيا، وهى مسألة يثيرها الرئيس الأمريكي ترامب على خصومه من الحزب الديمقراطى. وادت نتائج التجديد النصفي الي هزيمة ترامب ، والحزب الجمهوري كنتاج لسياساته الاقتصادية وتكاليفها علي اللناخبين ، أساسا ونزعته الشعبوية العرقية ، ومحاولاته في تمدد سلطاته علي النموذج الأمريكي الرئاسي في فصل وتوزيع القوة والصلاحيات بين الرئيس والسلطة القضائية ، والكونجرس ! من المحتمل ان تؤثر هزيمة الجمهوريين والنزعة الترامبية جزئيا علي الاتجاهات اليمينية المتطرفة في فرنسا وأوروبا في ظل الاحتجاجات الشبابية الزدية- من جيل Z ، ومعها النقابات ، والمواطنين الفرنسيين والأوروبيين من أصول عرقية ودينية مختلفة ، وتمثل رفة فراشة علي الأنظمة السلطوية في جنوب المتوسط ، وغيرها
جيل Z الفرنسي والأوروبي ، واحتجاجاته يبدو احد اثار وتقاليد ثورة الطلاب الشهيرة في كاليفورنيا بيركلي والسوربون ١٩٦٨ ، وثقافة الاحتجاج والتظاهر والتعبير عن الرأي في التقاليد والثقافة السياسية الفرنسية ، ويختلف عنها في السياقات الاجتماعية والجيلية ، وتدهور الأداء الاقتصادي والاجتماعي للنيوليبرالية الفرنسية والأوروبية . جيل احد ابرز محفزاته الثورة الرقمية ، وعالم الذكاء التوليدي الذاتي ، واستخداماتها في التعبئة والحشد ، والفردانية المفرطة ، والاستهلاك المكثف . الأهم مخاوف هذا الجيل من مخاطر الذكاء التوليدي الروبوتي وغيره في الاستبعاد من سوق العمل ، ومن ثم فرص تبدو نادرة مع تراجع مستويات التعليم ، والفرص المتاحة للدخول الي التعليم الجامعي في فرنسا !
من الملاحظ ان طلاب المدارس Z ، مطالبه تبدو محددة وإصلاحية ، وليست ذات طابع ” ثوري ” ، علي تمايز عن ثورية جيل مايو ١٩٦٨ في السوربون ، وأثرها الكبير علي الثقافة والفلسفة والسوسيولوجيا الفرنسية ، والدرس الاكاديمي ، وهيكلة الجامعات الفرنسية ، وفي السينما والأدب .
نحن إزاء توجهات جيلية نتاج لأنماط تنشئة سياسية واجتماعية رقمية وفردانية خارج الأنظمة الاجتماعية والسياسية للتنشئة التي كانت سائدة قبل وبعد ثورة طلاب ١٩٦٨ ،
السؤال الذى تطرحه الاحتجاجات الاجتماعية فى غالب المدن الأوروبية هل يؤدى ذلك إلى قدرة السياسيين الأوروبيين فى الحكومات الحالية على التكيف السياسي السريع مع هذه الحركات الاحتجاجية وسندها من جيل Z، فى ظل أزمات مالية، واقتصادية فى فرنسا على سبيل المثال.
من الملاحظ أن الاستجابات الجزئية المحدودة جدًا، باتت موضعا للرفض، واستمرارية التظاهر، وهو ما ينبئ باستمرارية، التوترات الاجتماعية، والمنافسات السياسية الحادة ما بين اليمين المتطرف، وخطاباته العنصرية والهوياتية تجاه بعض مكونات المجتمعات الأوروبية، من أصول غير أوروبية، وازدياد نمو الاتجاهات الهوياتية العرقية والدينية لجزء من المكونات الاجتماعية الأوروبية.
يبدو أيضا أن بعض من الثقافة الليبرالية التمثيلية تواجه بعض من الشروخ الجزئية الناتجة عن هيمنة الاتجاهات اليمينية النيوليبرالية، واليمين المتطرف، وضعف الاتجاهات السياسية ليمين الوسط، وتراجع بعض الاتجاهات اليسارية، مع انهيار السرديات الأيديولوجية الكبرى لصالح جماعات يسارية وفوضوية راديكالية صغيرة.
يمكن القول أن هيمنة النيوليبرالية الرقمية الكونية، والذكاء التوليدى الذاتى، والتطورات الروبوتية فائقة السرعة، وتمددها فى مجالات العمل كافة، ستؤدى إلى ارتفاعات فى مستويات ونسب البطالة، وعلى مفهوم العمل الانساني، وعلي الشرط الإنساني الوجودي ، وهو ما سيؤدى إلى عديد من المشكلات الاقتصادية، والاجتماعية – مشكلة المعني في الحياة والاكتئاب والمشاكل النفسية – ، وعلى قانون السوق، وفاعليه، وقواعده، وعلى السياسات الاقتصادية، والمالية، والمرجح على الفكر الاقتصاددى العالمى كله، وعلى الإمبراطوريات الاقتصادي والمصرفية الكونية.
أباطرة الرأسمالية الرقمية والذكاء التوليدى والروبوتات – والمصارف الكبرى – ستزداد هيمنتهم على الدولة الأوروبية –وغيرها فى العالم-، وسيادتها وسياساتها الاقتصادية، بل والخارجية، والأخطر على توجهات ورؤى السياسيين فى أوروباـ التى يتراجع دورها، لصالح مألات الصراع الأمريكي – الصيني وآسيا الصاعدة، فى ظل عمليات التغير فى موازين القوة العسكرية والاقتصادية، والتكنولوجية، والعلمية، مع الصين.
يبدو التراجع فى الثقافة والمعرفة الأوروبية المركزية، ونموذج الحلم الأمريكي مشوبًا ببعض من الضبابية مع ترامب، وتفكك ووهن بعض المنظمات الحقوقية لأجيال حقوق الإنسان عالميا خارج أوروبا ، ودعم ترامب للأنظمة الشعبوية السلطوية الداعمة لسياساته عالميا . وهو من المرجح تراجعه جزئيا بعد هزيمة ترامب وحزبه في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس – نوفمبر ٢٠٢٦ – ،من ناحية أخرى يتصاعد دور النموذج الصينى، لنمط من التوليتارية السياسية، وتقدم فائق السرعة، معه مؤشرات لتمدد اللغة الصينية فى عالمنا، ويقدر علماء اللغة الكبار عالميا، أنها ستغدو اللغة الأولى ما بين 2050 إلى نهاية القرن الحالى. ومعها الثقافة الصينية، والآسيوية، وستتفكك اللغة الانجليزية إلى عديد من اللهجات، مع المزيد من تراجع الفرنسية، والألمانية، والايطالية… إلخ! من ثم نحن إزاء عالم مختلف، تبدو بعضا من علاماته فيما وراء بعض من ضبابية مشاهد ” الخريف الصاخب ” وبعض من احتمالات التمرد الجيلي والاجتماعي فى المدن الأوروبية ، وهو حامل لاحتمالات عديدة لاتزال غائمة ، وخاصة مع نتائج هزيمة جزئية للجناح المتشدد واليميني العرقي الأبيض بقيادة ترامب ، وهو ما يطرح أسئلة واحتمالات عديدة .
المصدر: الأهرام






