
ثمة ظاهرتان تبرزان في الساحة الدولية والعالم الغربي تحديدا..العالم الغربي بما فيه أميركا واوروبا..
الظاهرة الأولى : تتمثل في التظاهرات الإحتجاجية الطلابية اولا ثم النقابية..
ففي فرنسا ثم بلجيكا وإيطاليا تتصاعد التظاهرات الشعبية الغاضبة ترافقها أعمال تخريب وشغب وتكسير وتواجهها قوات الأمن بالعنف والضرب والإعتقال..أما المطالب فتتعلق بألإحتجاج على إرتفاع تكاليف المعيشة وغلاء الأسعار إضافة إلى تدهور مستوى الخدمات العامة ولا سيما التعليم حيث تعاني المدارس والجامعات من نقص المعلمين وتهالك المباني وإرتفاع تكلفة التعليم ولا سيما الجامعي..
المنتفضون في غالبيتهم من الحركة الطلابية..ولحق بهم نقابات عمالية تشكو من الغلاء وسوء الخدمات وضعف الرعاية الرسمية لأبناء الفئات الشعبية الفقيرة وأحيائها ومدارسها..
أما الظاهرة الثانية فتتمثل بصعود تيارات اليمين المتطرف ذي الأفق الديني العصبوي المنغلق.. ..وفيما تبرز ظاهرة الإحتجاجات الشعبية إستياء شديدا من نهج السلطات الرسمية في تعاملها المتمادي بإهمال الرعاية الإجتماعية والخدمات العامة الموجهة للمتوسطين ومن دونهم في المستوى الإجتماعي ومن إصرارها على صون حقوق الأثرياء وإمتيازاتهم المتنوعة بما يبقيهم بعيدين عن المحاسبة والمساءلة والمشاركة في تحمل مسؤوليات وطنية إجتماعية على حساب ما يتمتعون به من إمتيازات وحمايات ضريبية وقانونية ؛ – بمعنى آخر إحتجاجا على إستغراقها في نهجها الرأسمالي الذي لا يعبأ بالفئات الشعبية وحقوقها ويحابي الأثرياء على حسابها – ؛ يتصدر اليمين الديني المشهد ليلعب دورا مزدوجا في خدمة النظام الرأسمالي الحاكم :
– الأول ويتمثل في تبرئة هذا النظام من مسؤولية التدهور وسوء الخدمات والإهمال ؛ لينسبها إلى المهاجرين الأجانب فيقطع الطريق بالتالي على المطالب الشعبية ويبعدها عن إمكانية فرض ما تطالب به بقوة الإحتجاج..
– الثاني : ربط المشكلات الإجتماعية بالهوية الدينية..وحيث أن غالبية المهاجرين الأجانب من المسلمين : عربا وأفارقة وآسيويين ، فتتركز مطالبه – أي مطالب اليمين المتطرف – بمواجهة ما يزعم أنه تهديد ديني للهوية القومية للمجتمع ..وبالتالي تتحول القضية الإجتماعية من مطالب شعبية محلية إلى صراع ذي خلفية دينية..
وفي كل هذا الذي يطرحه اليمين الديني المتعصب تبرئة للنظام الرأسمالي الحاكم وتبرئة لنهجه الرأسمالي الذي تغيب فيه أية مظاهر حقيقية للعدالة الإجتماعية ويسود تفاوت طبقي شديد العمق والوضوح والتأثير السلبي على الحال النفسية للمواطنين من خلال ما يتسبب لهم هذا التفاوت من مشاعر عدم الإستقرار والإطمئنان إلى المستقبل..
وبعد تبرئة النظام يأتي إعطاؤه مبررات الإستمرار والبقاء في السلطة والتحكم بمقدرات الدولة والمجتمع كاملة من خلال ما يسمى الخطر الديني ( الإسلامي ) على هوية المجتمع وقيمه وشخصيته التاريخية ونظامه الإجتماعي..
ولعل تصريح الرئيس الأميركي ترامب مفسرا الآحتجاجات الشعبية في فرنسا بما فيها من مهاجرين ؛ ترسيخ لهذا التوجه الرسمي للنظام الرأسمالي والذي يقوم على :
– إنكار مسؤوليته عن الخلل في البناء الإجتماعي وما فيه من تفاوت خطير في مستويات الدخل وتكدس الثروات القومية بيد نخبة ضئيلة جدا قياسا لعدد السكان..( بنسبة تقل عن الواحد بالمئة )..وهذا التفاوت العميق كفيل لوحده بتفجير الغضب الشعبي والنقمة على أسبابه من اساسها..
– محاولة الإمساك بزمام الأمور من خلال إصطناع عدو وهمي أو مزعوم لتوجيه الأنظار إليه وسحب الإهتمام من الأسباب الحقيقية للمشكلات الإجتماعية..
هذا النظام الرأسمالي الفاسد المتجبر المتسيد قد إستنبت ورعى ” المسألة الدينية ” لتكون عنوانا لصراعات دينية طائفية ومذهبية لا تتوقف ولا تنتهي ولا تنحصر في مكان واحد بل تتمدد لتشمل المجتمعات الإنسانية جميعا ..فيغرقها في العصبيات الدينية ليتفرغ هو إلى الإستمرار في السيطرة والتحكم بالموارد البشرية كافة..وفي كل البلاد حيث تنتشر جماعات دينية متنوعة الإنتماء..وهذا يعني ويشمل كل بلاد العالم حيث لا وجود لمجتمع يخلو من مثل هذا التنوع..
وحينما يدعو الرئيس الأميركي فرنسا إلى إغلاق حدودها ومنع الهجرة وتقليل عدد المهاجرين المقيمين ؛ فإنه إنما يبرر لنفسه ولدولته بما يماثل ما يطلبه من فرنسا فيحقق لنظامه ذريعة ما تعانيه بلاده من مشكلات مجتمعية فينسبها إلى الهجرة والمهاجرين..
وفي الحقيقة والواقع فإن ما تعانيه مجتمعات الغرب يعود إلى أسباب موضوعية كامنة في نشأة أنظمتها الرأسمالية وما صاحبها من عدوان وتوسع وحروب وإستعمار ..ولعل أبرز هذه الأسباب تتجسد فيما يلي :
1 – تراجع مصادر الدخل القومي ومستوياته..فالمعروف أن دول الغرب الأوروبي والأميركي قد حققت تقدمها أساسا بما سرقته من بلاد العالم الثالث ( وخصوصا العربي والإفريقي ) من أموال وطاقات ومصادر طبيعية ..
أما وقد تراجعت هذه السرقات الإستعمارية بفعل التحرر الذي نالته بلدان كثيرة ؛ فتقلصت مداخيل تلك الدول إلى حدود ناتج دخلها القومي المحلي المباشر ؛ فإنها لم تعد تستطيع المحافظة على ذات المستوى من الرفاهية والنمو والتقدم ..فوقعت في المديونية الباهظة في محاولة منها للإحتفاظ بما صنعته من رفاهية وتقدم من دماء وحريات الشعوب الأخرى..
( تبلغ ديون فرنسا 4 تريليون يورو ..أما ديون أميركا فتبلغ 40 تريليون دولار )..وفي إجراءات مكابرة ؛ تلجأ السلطات إلى سن تشريعات تحقق أمرين أساسيين :
الأول : تشليح الفئات الشعبية مما حققته من مكاسب وحقوق ( علما أن جميع هذه المكتسبات الشعبية إنتزعها النضال الشعبي النقابي والحزبي من قلب الإمتيازات الرأسمالية ؛ إنتزاعا بالضغط والإكراه النضالي )..
الثاني : ثم فرض مزيد من القيود والضرائب على هذا الفئات الشعبية ذاتها في محاولة لتعويض الخسائر فيما تبقى إمتيازات الكبار على حالها ومحمية بسلطة القانون..
2 – الفكر الرأسمالي الذي يمجد الفردية ويبيح الإستغلال ويفتقد إلى نظام للقيم الأخلاقية – الإنسانية ، وهو ما سمح بنشوء طبقة من الرأسماليين الكبار الذين تراكمت ثروات هائلة في حساباتهم مما مكنهم من السيطرة والتحكم والإستئثار بالسلطة ..فأصبح رأس المال هو سيد السياسة وصانع رجالها والموجه لسياساتهم والمتنفذ الذي يملي ما يريد من قوانين تخدم مصالحه..فنشات بذلك جماعات سياسية تأتمر بأمره حتى بات هو من يصنع الرؤساء ويعين الحكومات والوزراء ويسن ما يحتاجه من تشريعات وقوانين..فتأتي القوانين لتخدم مصلحة الأثرياء على حساب كل الشعب..
هذا النهج الرأسمالي أنتج تفاوتا إجتماعيا هائلا وفروقات ضخمة في المداخيل وأدى إلى تكدس الثروات في أيدي أقلية ضئيلة جدا باتت هي صاحبة المصلحة والقرار والسيادة ..
3 – غياب أية مشاركة شعبية حقيقية في صنع وإدارة السياسات العامة وقوانينها ومصالحها..
وعلى الرغم مما يتمظهر في هذه الدول من ” ديمقراطية ” وإنتخابات رئاسية وبرلمانية وحزبية ؛ إلا أنها تبقى ديمقراطية شكلية لا يقرر الشعب فيها مصيره بل تقرره النخبة الرأسمالية المختبئة والمستترة وذلك بفعل عاملين تملكهما هي وحدها :
– المال ..
– الإعلام..
فإستطاعت بذلك تحويل العمليات الإنتخابية المسماة ” ديمقراطية ” إلى صناعة رأسمالية يفوز فيها أحد المتنافسين الإثنين اللذين لا ثالث لهما..وكلاهما من إنتاجها هي – أي النخبة الرأسمالية – وأيا كان الفائز فهو يدور في فلكها ولا ينفك من سطوتها عليه..
وما يحدث علنا في الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة من تدخلات رسمية في كل أمر سياسي ومنع كل صوت ناقد أو معارض يبين كم إستطاعت قوة الرأسمالية من تفريغ الديمقراطية من محتواها الحقيقي وتحويلها إلى شكل فارغ من المضمون..
4 – غياب العدالة الإجتماعية : وهو ما يتسبب بشعور عميق بالإحباط والقلق وعدم الإطمئنان النفسي للمواطن العادي ..فحينما تتكدس معظم الثروة في أيدي قلة ضئيلة جدا فيما تعاني الأكثرية من صعوبات معيشية وتعليمية وتفتقد لنظام رعاية إجتماعي متكامل ؛ فإن الإضطراب المجتمعي يصبح أمرا واقعا يستمر في التراكم حتى يؤدي إلى الإنفجار..
5 – تراجع عدد السكان في معظم دول الغرب الأوروبي والأميركي..فبسبب من التدهور الأخلاقي : الفردي والإجتماعي والذي تسببت به مناهج الرأسمالية الليبرالية بما فيها من فردية وفكر مادي نفعي إستهلاكي ؛ تفككت الأسرة وتراجعت مؤسسة الزواج إلى أدنى مستوياتها فقل الإنجاب ..وزاد الأمور سوءا إنتشار كل أنواع الشذوذ والآنحرافات السلوكية ، بين الذكور والإناث ، فاصبح الزواج الطبيعي بين رجل وإمرأة غريبا إلى حد كبير ويعمل نظام الرأسمالية المتوحشة المفترسة على تشريع وتقنين علاقات الذوذ التي تدمر إمكانيات الإنجاب وإستمرار التوالد الطبيعي..والمحصلة إنخفاض عدد سكان معظم دول الغرب بسبب من هذا الإنحدار الأخلاقي المروع..
ولهذا السبب تحتاج كل دول الغرب إلى مهاجرين أجانب لتعويض النقص الحاصل في عدد السكان..
6 – إن إنخفاض عدد السكان يؤدي حكما إلى نقص في الأيدي العاملة والكوادر الحرفية والكفاءات التعليمية والمؤهلات النقابية وهو ما يفرض حاجة البلدان هذه إلى إستدعاء الهجرة من مختلف دول العالم لتعويض النقص الحاصل في قوة العمل والإنتاج..
ولهذا أيضا لا تستطيع : لا أميركا ولا أوروبا الإستغناء عن إستقدام أعداد سنوية دائمة من المهاجرين ولا سيما من ذوي المؤهلات المهنية والحرفية والعلمية..
أما حديثها الدائم عن مشكلات الهجرة والمهاجرين وتحميلهم مسؤولية التراجع التنموي في بلادها ؛ فإنما لتغطية حاجتها إليهم ثم لإستخدامهم مبررا اتصعيد العصبيات الدينية ثم إستخدامها غطاء لحجب الرؤية عن مكامن الخلل في بنيانها النظامي والقيمي والفكري بما ينفعها في بقائها وإستمرار سلطتها وتسلطها..
ولهذا أيضا تشجع اليمين الديني المتطرف إمعانا في تسليط الأضواء على الهجرة والمهاجرين بإعتبارهم السبب فيما تعانيه من مشكلات فتخفي مسؤولياتها الحقيقية هي عن تلك المشكلات..
( تقول الإحصاءات أن 70 بالمئة من الكوادر العلمية العالية والخبرات البحثية والجامعية المتخصصة والمتقدمة ؛ في دول اوروبا وفي أميركا ؛ هم من ألمهاجرين العرب والأفارقة والآسيويين ..فكيف لتلك الدول الإستغناء عن هؤلاء ؟!!.)..
يبقى أن نشير إلى أمرين إستنادا إلى ما تقدم :
الأول : أن تجربة الدول الأسكندنافية في الرعاية الإجتماعية يختلف عن مثيلاتها في دول الغرب الأخرى.وهي تستحق الدراسة والتحليل..
الثاني : أهمية وأحقية ما عرفه الفكر السياسي العربي في العقود السابقة من ضرورة تكامل الديمقراطية السياسية مع الديمقراطية الإجتماعية وبما يتلاءم مع مقتضيات الحفاظ على الهوية القومية والوحدة الوطنية الشعبية وما يتطلبه كل هذا من توفير مؤسسات تعليمية وعلمية وصناعة وطنية وسلطة مركزية ؛ كنهج أقدر على توفير العدالة الإجتماعية والمشاركة الشعبية الحقيقية وحماية المجتمع وهويته وأمنه..وهي التجارب التي عرفتها مصر في خمسينات وستينات القرن العشرين وما عرفه العراق أيام حكمه الوطني قبل الحصار والغزو العدواني الإمبريالي..
وختاما فإن النظام الرأسمالي قد استنفذ أغراضه وفقد كل مصداقية ودخل في طور الإنهيار مما يستدعي نظاما عالميا إنسانيا جديدا..
المصدر: كل العرب






