من لبنان إلى سوريا.. هل تُنهي حوكمة المخيمات الفلسطينية عصر سلطة الفصائل؟

  ماهر حسن شاويش

في ظل المشاورات بشأن خطة لبنانية لإعادة تنظيم الأمن والإدارة والحقوق في المخيمات الفلسطينية، والتحولات التي تشهدها المخيمات في سوريا، يعود السؤال عن مستقبل الفصائل الفلسطينية ودورها في حياة اللاجئين، ومن يملك حق تمثيلهم وإدارة شؤونهم.

لم تعد إدارة المخيمات مجرد قضية خدمات أو ترتيبات أمنية، بل باتت تطرح أسئلة تتعلق بطبيعة السلطة داخلها، وحدود نفوذ الفصائل، والعلاقة بين اللاجئين والدول المضيفة.

وفي هذا السياق، فتح إعلان رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، في 30 تشرين الأول/أكتوبر 2026، عن إطلاق مشاورات بشأن الخطة الوطنية لحوكمة المخيمات الفلسطينية، نقاشًا حول إمكانية تطوير نماذج جديدة للإدارة والتمثيل، بما في ذلك داخل المخيمات الفلسطينية في سوريا.

ورغم اختلاف الظروف القانونية والسياسية بين البلدين، يبقى السؤال: هل ما زالت الفصائل مؤهلة لإدارة الحياة اليومية للاجئين، أم أن المرحلة المقبلة تستدعي الفصل بين العمل السياسي الوطني والإدارة المدنية للمخيمات؟

تتناول الخطة اللبنانية المقترحة إعادة تنظيم الأمن والإدارة والخدمات، وتعزيز دور المؤسسات الرسمية، ومعالجة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للاجئين، ضمن مشاورات يُفترض أن تستمر ستة أشهر، تمهيدًا لإعداد صيغة نهائية تُرفع إلى الحكومة اللبنانية.

وما تزال آليات التنفيذ وتوزيع الصلاحيات غير واضحة، لكن أهمية الخطة تتجاوز تفاصيلها الإدارية، إذ تفتح النقاش حول مستقبل الدور الأمني والإداري للفصائل، وإمكانية انتقال إدارة المخيمات إلى مؤسسات مدنية واضحة الصلاحيات وخاضعة للمساءلة.

فإذا أصبحت الدولة مسؤولة عن الأمن وتطبيق القانون، وتولت المؤسسات المدنية إدارة الخدمات، فما الدور الذي سيبقى للفصائل؟ ومن سيختار ممثلي اللاجئين ويحاسبهم؟

هل ستُعالج مشكلات الإقامة والعمل والوثائق والحماية الاجتماعية التي يواجهونها؟ وهل سيكون لهم تمثيل فعلي في صياغة القرارات؟

فلسطينيو سوريا في لبنان.. الغائبون عن المشاورات؟

وسط هذا النقاش، تبرز قضية نحو 24 ألف لاجئ فلسطيني قدموا من سوريا إلى لبنان، ويشكلون قرابة 10.5% من مجموع الفلسطينيين المقيمين فيه، وفق البيانات السكانية المعتمدة من الأونروا لعام 2026.

ورغم خصوصية أوضاعهم القانونية والإنسانية، لم يتضح ما إذا كانوا مشمولين بالخطة صراحة، أو كيف سيشاركون في المشاورات التي ستحدد مستقبل إدارة المخيمات.

فهل ستُعالج مشكلات الإقامة والعمل والوثائق والحماية الاجتماعية التي يواجهونها؟ وهل سيكون لهم تمثيل فعلي في صياغة القرارات؟

والأهم، هل يمكن أن تؤدي هشاشة أوضاعهم القانونية إلى ضغوط تدفع بعضهم نحو عودة غير طوعية وغير آمنة إلى سوريا؟

لا توجد معلومات موثقة تفيد بأن الخطة تتضمن إعادتهم قسرًا، لكن غياب الضمانات الواضحة يفرض المطالبة باحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، وعدم ربط حصولهم على الحقوق والخدمات بالعودة.

وتشكل فترة المشاورات فرصة لمعالجة هذه المسائل قبل إقرار الخطة، بدل انتظار تداعياتها عليهم بعد التنفيذ.

سوريا.. تجربة مختلفة وأسئلة متشابهة

تختلف الحالة السورية عن اللبنانية في جوانب أساسية، فقد أتاح القانون رقم 260 لعام 1956 للفلسطينيين المشمولين بأحكامه حقوقًا واسعة في العمل والتعليم والخدمات، مع احتفاظهم بجنسيتهم الأصلية، وإن بقيت فروق قانونية وإجرائية بينهم وبين المواطنين السوريين.

كما لم تكن المخيمات خارج نطاق السلطة القانونية للدولة، رغم تفاوت حضور المؤسسات الرسمية ونفوذ الفصائل والأجهزة الأمنية داخلها.

وخلال حكم النظام السابق، ارتبطت بعض الفصائل بعلاقات سياسية وأمنية وثيقة مع السلطة، بينما تعرضت قوى فلسطينية أخرى للتضييق والملاحقة.

وشكلت الثورة السورية، ولا سيما ما تعرض له مخيم اليرموك من حصار ودمار وتهجير، نقطة تحول في علاقة الفلسطينيين بالمخيمات وبالقوى التي تولت تمثيلهم أو ادعت حمايتهم.

وبعد سقوط نظام بشار الأسد، برزت تساؤلات بشأن مستقبل المرجعيات الفلسطينية وعلاقتها بالدولة السورية، ومن يملك الشرعية لإدارة الشؤون المحلية.

وقد شهدت بعض المخيمات خلال عام 2025 مبادرات لتشكيل لجان للتنمية والخدمات، بالتنسيق مع الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب، لمتابعة الاحتياجات المحلية وتحسين التواصل مع المؤسسات الرسمية.

ويمكن اعتبار هذه الخطوات مدخلًا لتطوير الإدارة المحلية، لكنها لا تكفي للحديث عن انتقال مؤسساتي مكتمل.

فكيف يُختار أعضاء اللجان؟ وما حدود صلاحياتهم؟ ولمن يخضعون إداريًا وماليًا؟ وهل يمثلون اللاجئين فعلًا، بمن فيهم النازحون الذين لم يتمكنوا من العودة؟

كما تختلف احتياجات المخيمات، فواقع اليرموك ودرعا وحندرات مثلًا، بما تحمله من دمار ونزوح وتعقيدات عقارية، يختلف عن مخيمات تحتاج أساسًا إلى تحسين الخدمات والبنية التحتية.

لذلك، فإن الاستفادة من التجربة اللبنانية لا تعني استنساخها، بل تطوير نموذج يتناسب مع الخصوصية السورية.

هل انتهت الوظيفة التقليدية للفصائل؟

نشأت الفصائل الفلسطينية بوصفها حركات تحرر وطني، لكن دور بعضها توسع ليشمل الأمن والإدارة والخدمات والوساطة مع السلطات الرسمية.

ومع مرور الوقت، أصبح من الصعب في بعض المخيمات الفصل بين الفصيل السياسي والسلطة المحلية، وبين التمثيل الوطني وإدارة الاحتياجات اليومية.

غير أن شرعية الفصيل بوصفه تنظيمًا سياسيًا لا تمنحه تفويضًا دائمًا لإدارة شؤون اللاجئين أو احتكار تمثيلهم.

وفي المقابل، فإن سيادة الدولة لا تعفي مؤسساتها من حماية حقوق اللاجئين، ولا تجعل الإدارة المفروضة من أعلى بديلًا عن التمثيل المجتمعي الحقيقي.

ولا تعني الحوكمة إنهاء الفصائل، بل إعادة تحديد وظائفها والفصل بين العمل السياسي والمؤسسات المدنية الخاضعة للمساءلة.

فالمطلوب ليس استبدال سلطة الفصائل بسلطة إدارية أخرى، بل الانتقال إلى إدارة تستمد شرعيتها من اللاجئين، وتعمل ضمن الأطر القانونية للدولة، من دون المساس بالحقوق الوطنية الفلسطينية أو بولاية «الأونروا» ومسؤولياتها الدولية.

وفي سوريا، يمكن بحث إنشاء مجالس محلية تمثيلية للمخيمات والتجمعات، تُختار وفق آليات شفافة، وتعمل بالتنسيق مع المؤسسات السورية المختصة و«الأونروا»، دون تشكيل سلطة موازية للدولة، مع ضمان مشاركة النساء والشباب والنازحين.

في سوريا، فيجب صون الحقوق القانونية للفلسطينيين، وحماية الملكيات، وضمان مشاركة النازحين في القرارات المتعلقة بمخيماتهم، واستمرار دور «الأونروا» وفق ولايتها الدولية.

الحوكمة وحقوق اللاجئين.. هل يمكن الجمع بينهما؟

يثير تنظيم المخيمات مخاوف تتعلق بالهوية الفلسطينية وحق العودة، واحتمال تحويلها إلى مجرد أحياء سكنية من دون مراعاة خصوصيتها التاريخية والقانونية.

لكن تحسين حياة اللاجئين لا يتعارض مع التمسك بحق العودة، كما أن خضوع المخيمات للقانون لا يعني إسقاط وضع اللجوء أو مسؤوليات المجتمع الدولي.

وفي لبنان، ينبغي أن تشمل أي خطة حقوق مطروحة للنقاش شريحة فلسطينيي سوريا، وتضمن عدم الإعادة القسرية واحترام العودة الطوعية والآمنة والكريمة.

أما في سوريا، فيجب صون الحقوق القانونية للفلسطينيين، وحماية الملكيات، وضمان مشاركة النازحين في القرارات المتعلقة بمخيماتهم، واستمرار دور «الأونروا» وفق ولايتها الدولية.

وقد لا تكمن أهمية التجربة اللبنانية في إنهاء الدور السياسي للفصائل، بل في فتح النقاش حول حدوده، والتمييز بين تمثيل القضية الفلسطينية وإدارة الحياة اليومية للاجئين.

إن ما يجري في لبنان لا يقدم وصفة جاهزة لسوريا، لكنه يفتح نافذة لمناقشة مستقبل المخيمات بعد عقود من التداخل بين الفصيل والسلطة والمجتمع.

وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يسبق الحديث عن مصير الفصائل هو: لماذا ظل الفلسطيني في المخيم، طوال هذه العقود، موضوعًا للتمثيل والإدارة أكثر مما كان شريكًا في اختيار من يمثله ويدير شؤونه؟

فإذا كان مستقبل المخيمات يتطلب حوكمة جديدة، فإن نقطة انطلاقها لا ينبغي أن تكون إعادة توزيع النفوذ بين الفصائل والمؤسسات المدنية، بل إعادة القرار إلى سكان المخيمات أنفسهم.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى