
من المشكلات الكبرى فى المجتمعات العربية ما قبل وبعد الاستعمار الغربي وضعية الأقليات الدينية والمذهبية والعرقية والمناطقية من حيث تهميشهم، والتمييز إزاءهم، والميل الى ازدراءهم، وبات هذا الميراث التمييزي جزءًا من بعض مكونات الدين الشعبي ومحمولاته من ثقافة المناطق الريفية والحضرية الشعبية، وأساطير العامة، وحكاياتهم الموروثة، وساعد على ذلك بعض رجال الدين، وبعض من تفسيراتهم وتأويلاتهم الوضعية والشعبية، وإسنادها إلى بعض الآراء الفقهية للتابعين وتابعى التابعين، او من بعض أراء كبار الفقهاء الوضعية حول الدين دون آخرين علي خلافهم في الرأي ، وعدم ربط هذه الآراء التمييزية إزاء المختلفين دينيا، ومذهبيا،- داخل الديانة الإسلامية الكريمة- او المسيحيين واليهود والأديان الوضعية بأوضاع عصورهم، وأسباب إصدار هذه الآراء التميزية ضد المسيحيين، أو الشيعة والإباضية والخوارج.. إلخ.
ومن ثم عدم التراجع عن هذه الآراء والارتكاز على النصوص المقدسة والارتكاز علي القيم والمبادئ الكلية للشريعة ، وفقه المصالح.
من هنا ظل الإرث الديني التمييزي الشعبي إزاء الأقليات أحد أبرز العوامل فى هيمنة ثقافة كراهية الآخر المختلف، والأحرى التمييز إزاءه، على الرغم من أن المسيحيين العرب وعشائرهم، كانوا ولا يزالون جزءا من المنطقة قبل الإسلام، فى الأردن والشام والعراق ومصر.
فى ظل الاستعمار البريطاني لمصر، والسودان، قام بتوظيف الدين، وجماعاته، وبيوتاته وجماعاته الصوفية -فى السودان- فى مواجهة الحركات الوطنية المطالبة بالاستقلال والدستور على نحو ما مثلها حزب الوفد، والأحرار الدستوريين. سياسة تسييس الدين فى السياسة الدولة استعارتها الولايات المتحدة ما بعد الحرب العالمية الثانية، من التقاليد البريطانية، وبعض رجال مخابراتها الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة، وعملوا ضمن أجهزتها الاستخباراتية السى اى ايه.. إلخ. وفق الوثائق البريطانية ، وهو ما تجسد فى سياسة الأحلاف العسكرية، مثل الحلف الاسلامى فى مواجهة المد الناصرى على الرغم من فشل هذه السياسة. إلا أنها ساهمت سلبًا فى تفاقم مشكلة الأقليات الدينية –المسيحية الشرقية- سياسيا واجتماعيا، وثقافيا، وتعليميا، وذلك للأسباب التالية:
1- فشل دولة ما بعد الاستقلال في المشرق العربي، والخليج وشبه الجزيرة العربية فى بناء نظم سياسية تعددية وتمثيلية، تكرس المساواة بين المواطنين، وعدم التمييز بينهم على أساس الدين أو المذهب، أو العرق، أو الطائفة أو المنطقة، أو اللغة، فى ظل مجتمعات انقسامية –العراق، وسوريا، والسودان-، ومجتمعات قبلية وعشائرية تحكمها نظم عالمية فى الخليج والسعودية ومعها تحيزاتها الدينية والمذهبية إزاء الشيعة والاباظية .
2- أدى أرث التمييز الدينى والمذهبي إلى تراكم مظلوميات تاريخية إزاء الدين والمذهب المسيطر، محمولًا على تكوين تاريخها الديني والمذهبي، وهوياتها فى مواجهة هوية النظام الحاكم عائلى، ومذهبي، وطائفهى وأيديولوجى مع حزب البعث في سوريا والعراق.
أدى ذلك، مع النزاعات والتوترات الداخلية إلى صراعات هوياتية، وعدم تشكل قيم ومشتركات جامعة فوق الانقسامات والتعدديات الدينية والمذهبية والطائفي واللغوية، نظرًا لسيطرة استراتيجيات بوتقة الصهر بقوة أجهزة الدولة الأمنية والاستخباراتية والعسكرية، والإيديولوجية، وفى سياسات التعليم ومناهجه ، وفرض النظم الحاكمة لهويات سلطوية، ومعها تهميش حضور الأقليات فى تاريخها الرسمى، وفى أجهزة الإعلام والتعليم، وتهميش بعض لغات الأقليات ولهجاتها، فى الجزائر والمغرب، والسودان، والعراق فى ظل حكم البعث مع الأكراد.
3- ذهبت إيديولوجيا البعث، في العراق وسوريا إلى أقنعة القومية العربية فى التغطية على القمع الداخلى والاقصاءات، وفى مواجهة الناصرية، والأنظمة المحافظة والتقليدية فى إقليم النفط. اعتمد كلا النظامين على تحالف أقلياتي ضد الإسلام السني السورى فى عهدى حافظ الأسد، وولده بشار الأسد. فى العراق على التكريتيين وبعض من الموالين من المناطق والمذاهب الأخرى، والأكراد، وبعض المنظرين القوميين، وهو ما فعله مفكرى البعث السورى، وأدى إلى تهميش الإسلام السني.
4- التمييز لم يقتصر على عدم التمثيل السياسي فى مؤسسات النظام، والسلطة – باستثناء بعض الموالين للحكام والحزب الحاكم-، وإنما امتد إلى عدم المساواة، وفى تكافوا الفرص، وهو ما راكم المظلوميات داخل غالب المكونات الأساسية للمجتمع.
5- التوظيف السياسي للدين فى نظام الشرعية السياسية للسلطويات الشعبوية، وفى التعبئة الاجتماعية والسياسية، لا سيما فى عهدى السادات ومبارك، وما بعد الانتفاضات الشعبية في مواجهة الاحزاب الماركسية والناصريين والعروبيين والليبرالييين . كان أحد ركائز التسييس المضاد للدين من جماعات الإسلام السياسي، لأن توظيف الدين فى العمليات السياسية، ليس من طرف أو فاعل واحد حتى لو كان السلطة الحاكمة، أو تديينح الدولة والنظام فعليا، لكن يمتد التوظيف إلى الجماعات المعارضة، وإلى الأفراد، والمذاهب الدينية، وكل طرف يأول ويفسر المقدس والسنوى، وفق مصالحه السياسية.
6- تؤدى التوظيفات المضادة للدين فى السياسة إلى هيمنة الدين ومذهبه المسيطر على المجتمع فى جميع المجالات، وفى تفاصيل الحياة اليومية، و على إنتاج بيئات ملائمة للتطرف، والغلو وكراهية الآخر المذهبى والأقلوي المسيحى، أو القومى – كحالة الأكراد فى العراق- أو العرقى كالقبائل الإسلامية، فى إقليم دارفور، وتجاه المذهب الشيعي الزيدى فى اليمن.
7- غياب المؤسسات التمثيلية السياسية التعددية، وقمع الحريات العامة والمبادرات الشخصية، والجماعية، والمجال العام المغلق ، والمصادر، أدى إلى غياب بيئة ملائمة لإنتاج الاجتهادات الدينية المواكبة لأسئلة كل مرحلة تاريخية فى مجالات الحياة المختلفة، وخاصة حرية التدين والاعتقاد، وممارسة الشعائر الدينية للأقليات، وفرض قيود عليها فى بعض المجتمعات العربية، على نحو أدى إلى وعى جمعى ، وشعور جمعى بالإقصاء والتميز لدى المسيحيين العرب، والمذاهب الدينية الإسلامية الأخرى.
8- حالة الاستعلاء الدينى والمذهبي، لدى الجماعات الاسلامية السياسية السنية والسلفيات الجهادية –والشيعية-، ولدى بعض رجال الدين، والأشخاص والمجموعات، وأدي إلى تكريس الانقسامات المجتمعية والدينية والمذهبية، وتمددت في الإدراك والسلوك الشخصى، والجماعى، وهو ما يغذى ثقافة كراهية الآخر المختلف فى التعليم، والعمل، والجوار… إلخ.
10- أدى المد السياسي الاسلامى والمذهبي إلى ظاهرة تديين المناهج التعليمية، وأسلمة شروح المواد التعليمية المقررة، وهو ما ساهم فى تشكيل وعى الأطفال والصبية.
10- في لبنان الطائفى، والدول بالغة الهشاشة، أو اللادولة دولة ، ثمة مدارس طائفية ودينية، تدرس تاريخ لبنان من منظوراتها الطائفية، وتعزز الوعى الديني والطائفى لطلابها.
11- تهميش الخطاب الديني التجديدي حول المواطنة والدولة المدنية –والأحرى الثقافية المدنية السياسية- وإسناد ذلك إلى المقدس الاسلامي تعالي وتنزه والسنّوي الأكرم فى الإخوة، والمساواة وحرية العقيدة بين المسلمين والمسيحيين وغيرهم من الديانات السماوية.
13- استمرارية خطاب التكفير الديني للأقليات الدينية، والمذاهب غير السنية، وتوظيفه فى إشاعة رهاب الخوف، للمجددين الإسلاميين على قلتهم، وأيضا تجاه الشيعة وغيرهم، وتجاه الاتجاهات شبه العلمانية.
14- استخدام بعض الإفراد والعائلات الدين كستار في بعض مشكلاتهم فى الحياة اليومية ضد المسيحيين، وذلك لتعبئة المسلمين فى بعض قرى الصعيد وراءهم وتحويل نزاعات على الري أو الحدود بين الحقول، أو فى التفاصيل اليومية إلى أزمة طائفية، للحيلولة دون خضوعهم للقانون، واللجوء إلى المجالس العرفية.
14- ميل بعض القيادات البيروقراطية إلى احتواء المشاكل حتى لا تمس مواقعهم فى الحكم المحلى، أو غيرها حال تفاقمها، ويميلون إلى الحلول العرفية، ومن ثم يفقدوا القانون فاعليته فى التطبيق دفاعا عن مواقفهم.
كل هذه الأسباب، وغيرها أدت إلى تفاقم مسألة الأقليات عربيا، وخاصة مع الحروب الأهلية، والنزاعات الداخلية، وعدم الاستقرار الاقليمي ومآلاته فى المستقبل المنظور، خاصة مع دعم ترامب وشعبويته العرقية النظم الشعبوية السلطوية، والشمولية فى العالم العربي.
المصدر: الأهرام






