هل يتحول السيسي إلى صانع ملوك؟

صفوان جمّو

في السابع عشر من تشرين الأول 2026، فاجأ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي المصريين بإعلان أن ولايته ستنتهي عام 2030، وأن الدستور لن يُمس. وهو إعلان قد يبدو عادياً في دولة اعتادت تداول السلطة، لكنه في مصر يحمل معنى مختلفاً. فمنذ ثورة يوليو 1952، لم يعتد المصريون على رئيس يحدد موعد مغادرته القصر الجمهوري، ثم يعود إلى منزله ليعيش حياة رئيس سابق.

عبد الناصر رحل بالوفاة، والسادات بالاغتيال، ومبارك بعد ثلاثين عاماً انتهت بثورة شعبية، ومرسي بعد تدخل الجيش. أما أن يغادر رئيس منصبه مع انتهاء ولايته، ويصبح مواطناً يحمل لقب «الرئيس السابق»، فهذه صورة لم يألفها المصريون. وربما نحتاج إلى بعض الخيال لنتصور السيسي يشاهد أخبار الرئاسة من منزله، ويستقبل الرئيس الجديد في زيارة ودية، دون أن يكون هو صاحب القرار في القصر.

لكن المسألة لا تتعلق فقط بمغادرة السيسي الحكم، بل بمن سيأتي بعده، وكيف سيصل إليه. فهل يفتح الرئيس الباب أمام المصريين ليختاروا رئيسهم المقبل، أم يتحول إلى «صانع ملوك»، يترك الكرسي لكنه يحتفظ بحق اختيار من يجلس عليه؟

والتجربة الروسية تقدم مثالاً يستحق التأمل. ففي عام 2008، غادر فلاديمير بوتين الرئاسة بعد انتهاء ولايتين، لكنه انتقل إلى رئاسة الحكومة، بينما تولى دميتري ميدفيديف الرئاسة حتى عام 2012، حين عاد بوتين إلى الكرملين. تبدلت المقاعد، لكن مركز القوة بقي إلى حد كبير في مكانه. فقد تغير اسم الرئيس، دون أن يعني ذلك انتقالاً حقيقياً للنفوذ السياسي.

هذا الاحتمال يكتسب أهمية خاصة في مصر، حيث ارتبطت الرئاسة بالمؤسسة العسكرية منذ عام 1952، وأصبح من الصعب على كثيرين تخيل رئيس مدني يقود البلاد. ويبدو أن هذا التصور لا يزال حاضراً في الحديث عن المستقبل، خصوصاً مع طرح السيسي برنامجاً لتأهيل قيادات محتملة داخل الأكاديمية العسكرية.

لا مشكلة في تدريب السياسيين على شؤون الدولة، لكن المفارقة تبدأ عندما يصبح الطريق إلى الرئاسة مرتبطاً بمؤسسة عسكرية. فهل يحتاج الاقتصادي الذي أدار مؤسسات كبرى، أو القاضي الذي أمضى عمره في تطبيق القانون، إلى دورة عسكرية حتى يصبح صالحاً للرئاسة؟ وهل أصبحت الوطنية مادة دراسية يحصل المرشح في نهايتها على شهادة تؤهله لحكم أكثر من مئة مليون مصري؟

صحيح أن السيسي أوضح أن البرنامج المقترح لا يمنع ترشح آخرين من خارجه، لكن السؤال يبقى عن فرص المنافسة الفعلية بين مرشح تهيئه مؤسسات الدولة وآخر يعتمد على حزبه وبرنامجه وثقة الناخبين.

فالانتخابات لا تبدأ يوم فتح صناديق الاقتراع، بل قبل ذلك بسنوات، عندما تتمكن الأحزاب من العمل بحرية، وتظهر قيادات جديدة، ويستطيع الناس مناقشة المرشحين دون خوف أو قيود. أما إذا بقي المجال السياسي على حاله، فقد يجد المصريون أنفسهم أمام انتخابات يعرفون نتائجها قبل أن تبدأ، ويقتصر دورهم على التصفيق للرئيس الجديد.

وبعيداً عن حسابات السلطة، فإن المواطن المصري الذي تشغله الأسعار وتكاليف المعيشة، قد لا يهتم كثيراً بخلفية الرئيس المقبل، بقدر اهتمامه بمن يوفر له عملاً وتعليماً جيداً وعلاجاً مناسباً. فمشروعات الطرق والجسور مهمة، لكن المواطن لا يستطيع دفع فاتورة الكهرباء بخطاب عن مستقبل الديمقراطية.

ومع ذلك، فإن أهمية ما يجري تتجاوز حدود مصر. فهذه البلاد لم تكن يوماً مجرد دولة عربية كبيرة، بل كانت في مراحل كثيرة قاطرة سياسية وثقافية للعالم العربي. ومن القاهرة خرجت أفكار وتجارب أثرت في أنظمة الحكم العربية، من الجمهوريات العسكرية إلى الشعارات القومية. وإذا نجحت مصر هذه المرة في تقديم نموذج طبيعي لتداول السلطة، فقد يكون تأثيره في المنطقة أعمق من عشرات الخطب عن الديمقراطية.

وقد تكون الصورة الأكثر غرابة في المشهد المصري المقبل أن يصبح للسيسي لقب «الرئيس السابق»، وأن يعيش في بلاده بعيداً عن الحكم، بينما يمارس رئيس آخر سلطاته بصورة طبيعية. إنها صورة بسيطة في كثير من دول العالم، لكنها في مصر قد تعني بداية الخروج من تقليد سياسي استمر أكثر من سبعة عقود.

غير أن التاريخ لا يهتم كثيراً بالألقاب، بل بما يحدث على الأرض. فإذا غادر السيسي القصر وترك للمصريين حرية اختيار من يخلفه، فقد يفتح الباب أمام تجربة سياسية جديدة، لا لمصر وحدها بل للعالم العربي أيضاً. أما إذا اختار خليفته واحتفظ بخيوط السلطة، فلن تكون مصر قد انتقلت من حكم رئيس إلى آخر، بل من حكم الرئيس إلى حكم الرئيس السابق.

وعندها لن يكون السيسي أول رئيس مصري يغادر السلطة طوعاً، بل أول رئيس يكتشف أن بإمكانه حكم مصر من دون أن يكون رئيساً لها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى