
حملت القيادة السورية الجديدة رؤية تتصف بالشمول للنهوض الاقتصادي وإعادة الاعمار، والآن وبعد مضي حوالي سنتين على إسقاط النظام ربما تحتاج تلك الرؤية للمراجعة بعد أن برزت بعض الجوانب الهامة في قصورها وهنا سوف أقتصر على جانب واحد .
فقد ارتكزت رؤية القيادة السورية الاقتصادية على فكرة أن الدينامو الرئيسي لتطور ونهوض الاقتصاد السوري سوف يرتبط باستقدام الاستثمارات الخارجية والمثال هنا هو سنغافورة كما تردد كثيرا في العام الأول من سقوط النظام .
من أجل ذلك قامت القيادة السورية بمجهودات مكثفة متلاحقة لإعادة دمج الاقتصاد السوري بالاقتصاد العالمي , وتصفير النزاعات مع جميع الدول على طريقة تركيا حين كان احمد داوود أوغلو الاكاديمي وزيرا للخارجية ثم تولى لاحقا منصب رئيس الوزراء.
وبالتأكيد فقد كان لهذا التوجه ثماره الايجابية على صعيد الاقتصاد بالنسبة لسورية فضلا عن نتائجه الايجابية الأخرى .
لكن اليوم وبعد سنتين من إسقاط النظام بدأت تظهر حدود تصور سورية كجزيرة هادئة تتمتع باستقرار كاف لجذب الاستثمارات العالمية .
فسورية الواقعة في قلب المنطقة التي أدخلتها حرب ايران من جهة والولايات المتحدة واسرائيل من جهة أخرى في حالة من عدم الاستقرار , وخاصة حين تذهب كل المؤشرات إلى أن احتمالات توسع الحرب تزيد عن احتمالات السلام لا يمكن أن تنظر إليها الاستثمارات العالمية باعتبارها سنغافورة أخرى .
والمشكلة التي تواجه الرؤية الاقتصادية السورية أن الاعتماد على جذب الاستثمارات كمحرك رئيسي للنهوض بدأت تتآكل في حين بدأت تظهر السلبيات المرتبطة بتوجيه الاقتصاد نحو ليبرالية شاملة تفتح الطريق واسعا أمام الاستثمارات .
لقد تسبب هذا التوجه بإزاحة النظر عن الحاجة الماسة لرعاية الفئات الفقيرة المعدمة التي تشكل حاليا نسبة كبيرة من السكان وأخذ مصالحها في رفع مستواها المعيشي مما تحت خط الفقر إلى مستوى تلبية متطلبات الحد الأدنى لتأمين معيشة إنسانية كريمة .
من الممكن أن القيادة السورية اعتقدت أن تلك المرحلة هي مرحلة مؤقتة وأن الاستثمارات الخارجية ستأتي ثمارها بعد عدة سنوات لكن سردية كهذه تبدو الآن بحاجة للمراجعة أيضا .
فماذا لو أن الاستثمارات الخارجية لم تقتنع أن سورية هي سنغافورة الجديدة بسبب مجمل الأوضاع الملتهبة في المنطقة فضلا عن المحاولات المستمرة لفلول النظام والانفصاليين في الداخل لزعزعة الأمن والاستقرار ؟ أو أن تلك الاستثمارات لم تكن بذلك الحجم الذي يخلق ديناميكية نهوض اقتصادي متسارع .
وإلى أي حد يمكن للفئات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة تحمل أعباء معيشية تزداد كل يوم بفعل قفزات الأسعار التي سببها الحقيقي تخلي الدولة جزئيا أو كليا عن دعم المواد الرئيسية المرتبطة بالمعيشة اليومية مثل فواتير الكهرباء والمحروقات التي باتت تزيد وحدها عن متوسط دخل الموظف في الدولة ؟
وحين تطلب الحكومة من المواطنين التقشف والصبر فلابد أن الشعب يطلب في المقابل أمرين :
الأول : تأمين الحد الأدنى من متطلبات المعيشة بإعادة دعم أسعار المحروقات والكهرباء كي لا تتجاوز معا 20% من متوسط دخل الموظف العادي في الدولة والذي يبلغ حاليا بين مليون إلى مليون ونصف ليرة سورية قديمة .
لقد أصبح واضحا الآن أن وضع كل البيض في سلة المراهنة على استثمارات خارجية قد تأتي وقد لا تأتي أو لا تكون كافية لرفع الاقتصاد السوري بأقصى سرعة على حساب الالتفات للطبقات الفقيرة والمتوسطة وتأمين الحد الأدنى من معيشتها هي سياسة خاطئة لابد من مراجعتها .
والأمر الثاني : أن يعم التقشف الدولة أيضا وليس الشعب فقط , وأن لا تكون هناك تمايزات هائلة في الرواتب بين موظف يستلم مليونا ونصف مليون ليرة قديمة أي ما يعادل 107 دولار وموظف آخر يستلم أضعافا مضاعفة لذلك الراتب , كما تتوقف مظاهر البذخ لدى وزارات الدولة وإداراتها .
خلال السنتين الماضيتين فإن معظم نمو الاقتصاد السوري كان بفعل مداخيل لا علاقة لها بالاستثمارات الخارجية مثل الجمارك والنفط والزراعة وعودة المهاجرين بأموالهم وقيامهم بفتح مشاريع صغيرة أو متوسطة .
الاقتصاد السوري الطبيعي يعتمد الزراعة ونشاط القطاع الخاص السوري في الصناعة والتجارة , ويمكن له أن ينمو من خلال تلك القطاعات إضافة للموارد الأخرى كالنفط والغاز والفوسفات وعائدات لمرور النفط عبر سورية كبديل عن مضيق هرمز وباب المندب .
أيضا فقد ألحقت السياسة الاقتصادية الحالية ضررا بالاقتصاد يتضح الآن حين استنزفت جيوب الطبقة الوسطى في تأمين المحروقات ودفع فواتير الكهرباء وموجات الغلاء التي تسببت بها وبالتالي أدت لمعاناة الأسواق من الركود , ومعروف أن حركة الأسواق تعتمد أساسا على الطبقة الوسطى .
ومحصلة القول، لابد من مراجعة سردية سنغافورة وبناء تصور أكثر واقعية يفتح الباب أمام الاستثمارات الخارجية لكنه لا يهمل دعم الفئات الاجتماعية تحت تأثير تصور يعول كليا على تلك الاستثمارات من أجل التنمية السريعة.
ملاحظة: للمقارنة فقط تبلغ فاتورة الغاز والكهرباء والماء مجتمعة بما في ذلك استهلاك المكيفات من الكهرباء في دول الخليج حوالي 15% فقط من دخل الفرد الوسطي.






