تعز.. معركة الهوية والأبعاد الجيوسياسية

       ماهر أبو المجد

لطالما احتلت المعركة في تعز موقعاً خاصاً في حسابات الحوثيين والسلطة الشرعية اليمنية، بالنظر إلى ما تمثله المحافظة من ثقل ديمغرافي وإرث وطني ونضالي، جعلها إحدى أبرز حواضن المشروع الجمهوري في اليمن. فمنذ أواخر عام 2014، تعامل الحوثيون مع تعز باعتبارها معركة على هوية الدولة والنظام السياسي، وليس مجرّد مواجهة عسكرية للسيطرة على مدينة أو محافظة. وقد تعزّزت هذه القناعة بعد المعارك الطاحنة التي خاضتها الجماعة في تعز في السنوات الأولى التي أعقبت انقلابها في 21 سبتمبر/ أيلول 2014. على الرغم من سيطرتها آنذاك على أجزاء واسعة من البلاد وكتلها السكانية الكبرى، حالت المقاومة في تعز دون ترجمة هذه السيطرة العسكرية إلى تحوّل سياسي واجتماعي شامل يكرّس مشروع الجماعة. وبذلك، أسهمت المقاومة في إبقاء الهوية الجمهورية حاضرة في معادلة الصراع اليمني.

في المقابل، لم يكن تعامل السلطة الشرعية، أو المعسكر المناهض للحوثيين عموماً، مع تعز خالياً من الحسابات السياسية فقد سادت مقاربات تعاملت مع المحافظة باعتبارها قطاعاً منفصلاً، وهي نظرة عبّر عنها وزير الدفاع الأسبق الفريق محمد علي المقدشي. وكان لهذا التعامل بُعدان رئيسيان؛ يتعلق الأول بطبيعة الرفض الأيديولوجي والاجتماعي والمرتبط بالهوية الذي واجه به أبناء تعز المشروع الحوثي، وبقدرتهم على التعبئة الذاتية والصمود، وهو ما جعل المحافظة، وفق هذه المقاربة، ساحة استنزاف مستمرة للجماعة، من دون أن تحظى بما يكفي من الدعم والإسناد.

يتصل البعد الثاني بحسابات التحالف، أو بعض أطرافه، تجاه القوى التي امتلكت نفوذاً سياسياً وعسكرياً في المحافظة، وفي مقدمتها حزب التجمّع اليمني للإصلاح ذو التوجه الإسلامي وقد أسهمت هذه الحسابات في إبقاء تعز، سنوات طويلة من الحرب، معتمدة بدرجة كبيرة على قدراتها الذاتية في مواجهة الحوثيين، في ظل اختلالات في الدعم وتضارب الأولويات داخل المعسكر المناهض للجماعة.

اكتسبت تعز أهمية إضافية، بالنظر إلى موقعها الجغرافي، وامتدادها من الساحل إلى المرتفعات، واتصال أريافها بالمناطق المؤدّية إلى مضيق باب المندب وساحل البحر الأحمر

اتّجه الحوثيون، وبعد أن فشلوا في إخضاع المدينة بالقوة العسكرية، إلى مقاربة متعدّددة المسارات، تقوم من جهة على استمرار الضغط العسكري والحصار، ومن جهة أخرى على محاولة إحداث اختراقات اجتماعية وهوياتية وأيديولوجية داخل البيئات المحلية. وقد استندت هذه المقاربة إلى استغلال ثغرات الخصوم وانقساماتهم وصراعاتهم البينية، سيما المرتبطة بالمصالح الضيقة والتنافس على النفوذ داخل المعسكر الواحد. كما اعتمدت الجماعة على بعض البؤر السكانية التي تتقاطع معها مذهبياً أو مناطقيّاً، إلى جانب استمالة شخصيات اجتماعية ووجهاء وأعيان في عدة مناطق. ولم تكن هذه الأدوات منفصلة عن العمل العسكري، بل شكلت جزءاً من مقاربة تسعى إلى إضعاف بيئة المقاومة وتوسيع فرص الاختراق من الداخل.

وظلت هذه المعادلة حاضرة في تعز طوال سنوات الحرب؛ إذ واصل الحوثيون العمل على استثمار نقاط ضعف خصومهم، في حين انشغلت أطراف من المعسكر المناهض لهم بحسابات النفوذ والمصالح داخل المناطق الخاضعة لسيطرتها، بدلاً من بناء استراتيجية موحدة لمواجهة الجماعة. ولكن متغيراً عسكرياً وجيوسياسيّاً بدأ يتبلور مع اندلاع حرب الإبادة على غزّة في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وما أعقبها من تصعيد في البحر الأحمر ومحيطه، بما حمله هذا من تداعيات على خرائط النفوذ وبؤر الاشتباك في المنطقة. وفي هذا السياق، اكتسبت تعز أهمية إضافية، بالنظر إلى موقعها الجغرافي، وامتدادها من الساحل إلى المرتفعات، واتصال أريافها بالمناطق المؤدّية إلى مضيق باب المندب وساحل البحر الأحمر.

وأمام هذه المتغيرات، اتجه الحوثيون إلى إعادة ترتيب جغرافيا الصراع ضمن حسابات تجمع بين هدفين متداخلين. يتعلق الأول بالبعد الإقليمي وعلاقة الجماعة بإيران، وما تفرضه هذه العلاقة من تقاطع في المصالح وتوظيف للأوراق العسكرية والجغرافية في المواجهة الإقليمية. ويتصل الثاني باستغلال اللحظة الإقليمية لتحقيق مكاسب داخلية، وتجاوز ما مثّلته تعز من عقدة عسكرية وسياسية في مسار الحرب مع السلطة الشرعية. ومن هذا المنطلق، اكتسبت الجغرافيا التي لم تكن تمثل، خلال سنوات الحرب الأولى، جبهة اشتباك رئيسية أهمية متزايدة في الحسابات الحوثية. وتبرز هنا منطقة الحجرية، بما تضمه من مديريات وطرق وممرات تربط مناطق تعز بالمناطق الساحلية والجنوبية، وبما تمثله من عمق برّي مؤثر في محيط باب المندب. ولا تنبع أهمية هذه الجغرافيا من مساحتها وحدها، بل من قدرتها على التأثير في خطوط الإمداد والاتصال العسكري، وعلى حركة القوات بين الساحل الغربي والمناطق الداخلية، وصولاً إلى لحج ومن ثم، فإن التقدم فيها لا يمكن قراءته بوصفه مكسباً محلياً منفصلاً، بل باعتباره جزءاً من محاولة لإعادة تشكيل موازين القوى على امتداد هذا المحور.

انشغلت أطراف من السلطة الشرعية بصراعات النفوذ والمصالح، على حساب بناء منظومة عسكرية موحدة قادرة على التعامل مع التحولات الميدانية والاستراتيجية

وقد تمكن الحوثيون، في المواجهات من أواخر أغسطس/ آب إلى أوائل أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، من تحقيق تقدم في مناطق من هذا النطاق الجغرافي، مستفيدين من العوامل السابقة، في مقدمتها هشاشة بعض خطوط الدفاع، والانقسامات داخل المعسكر المناهض لهم، وتضارب الحسابات السياسية والعسكرية بين أطرافه.

وتكشف هذه التطورات أن الخلل لا يرتبط بقدرات الحوثيين وحدها، بل أيضاً بطبيعة إدارة المعركة في الجانب المقابل، حيث انشغلت أطراف من السلطة الشرعية بصراعات النفوذ والمصالح، على حساب بناء منظومة عسكرية موحدة قادرة على التعامل مع التحولات الميدانية والاستراتيجية.

وبذلك، تبدو معركة تعز اليوم أبعد من كونها مواجهة على السيطرة على مواقع وطرق. إنها معركة على هوية الدولة اليمنية، وعلى موازين القوى في المناطق المحرّرة، وعلى الموقع الذي يمكن أن تحتله الجغرافيا اليمنية في الصراع الإقليمي. ومن هنا، يتطلب التعامل معها تجاوز المقاربات المحلية الضيقة، وإدراك أن الدفاع عن تعز يرتبط بمشروع وطني أوسع لاستعادة الدولة ومؤسّساتها، ومنع الحوثيين من تحويل الاختلالات الداخلية إلى مكاسب استراتيجية مستدامة.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى