بين ترامب ونوبل

بسام شلبي

عندما اخترع العالم الكيميائي السويدي “ألفرد نويل” الديناميت عام ١٨٦٧ لم يكن في ذهنه ابدا استخدامه كسلاح فتاك.. بل قام بأبحاثه واختراعه لمساعدة عمال المناجم والمحاجر حينها حيث لم يكن هناك اليات الحفر المتطورة التي تستطيع العمل في تلك التضاريس والعوامل الجوية.. وكانت التجربة العملية التي حصل بموجبها براءة الاختراع هي تفجير متحكم به في أحد محاجر شمال انجلترا..

لكنه فيما بعد باع حقوق استخدام اختراعه لكثير من الشركات حول العالم وجنى من ذلك ثروة كبيرة، مع ذلك فقد ندم ندما شديدا لأنه لم يضع شروطا قانونية في بيع الامتياز تضمن عدم استخدامه كسلاح فتاك.. لقد عانى من تأنيب الضمير وهو يرى اختراعه يتحول إلى أشرس وأبشع سلاح يفتك بالبشر ويهدد مستقبلهم.. واصيب باكتئاب لهذا السبب اولا ولأن هذا الاختراع الذي انحرف عن مساره قد طغى ايضا على باقي اكتشافاته واختراعاته التي تجاوزت مائة وخمسون براءة اختراع مفيدة منها أحد العناصر النادرة التي دخلت في الصناعات الدقيقة وأطلق عليها اسمه نوبليوم..

رغم ان نوبل لم يكن مساهما بشكل مباشر في تطوير الأسلحة التي تعتمد على الديناميت لكنه لم يعف نفسه من المسؤولية وقرر آواخر حياته التنازل عن كامل ثروته للأكاديمية الملكية السويدية للعلوم وذلك لإنشاء صندوق يمول جائزة تمنح للعلماء الذين يكتشفون او يخترعون أفضل ما هو مفيد للبشرية..

فالمعيار الرئيسي الذي قامت عليه جائزة نوبل هو تحقيق الفائدة وليس الاختراع المجرد.. لأن إيمانه بأن العلم يجب ان يكرس لخدمة البشرية وتقدمها وارتقائها..

أما المستر ترامب الذي غضب غضبا مقيتا لأنه لم يمنح الجائزة هذا العام وصب جام غضبه على النرويج كلها ولجنة الجائزة وتلفظ بحقهم الفاظ لا تليق.. وذكرهم بإنجازاته في مجال السلام حسب زعمه..

وقد تناسى أنه من وقف في الكنيست مفاخرا أنه قدم للكيان كل ما طلبوه من أسلحة فتاكة بعضها يعرف اسمه و بعضها لا يعرف..

لكنه من المؤكد أنه يعرف كم حجم الدمار والخراب الذي خلفته.. وعدد الضحايا الابرياء الذين ارتقوا من انفجاراتها..

كل هؤلاء لم يستحقوا لدى المرشح المزعوم لجائزة نوبل للسلام حتى مجرد كلمة عابرة في خطابيه في الكنيست وشرم الشيخ.. وزعم انه اسس مجلس سلام برئاسته كانت انجازاته في العام الماضي أكثر من ألف وخمسمائة شهيد وخمسة الاف مصاب منذ وقف إطلاق النار

هذا غير ما كانت يداه مخضبة بدماء أكثر من سبعين ألف شهيد أكثر من نصفهم من الاطفال والنساء وكبار السن.. خلال السنة التي قبلها مع ذلك لم يشعر حتى بوخزة صغيرة في الضمير.. بل وقف بكل صلف يكيل المديح لجيش الاحتلال على هذه المقتلة في اول جريمة ابادة مصورة وموثقة في التاريخ.. ويطلب مقابلها الجائزة..

ان كل الصراعات التي تفرعت عن حربه العبثية في الخليج العربي أصابعه وأصابع إدارته داخلة فيها من فوق الطاولة او تحتها.. ويتحمل جزء من وزرها ودماء ضحاياها مع ذلك يعتبر نفسه مستحقا للجائزة دون منازع..

إن جائزة نوبل كانت حصيلة صحوة ضمير لإنسان نبيل.. وارادها ان تكون ضمير الانسانية في مسيرة ارتقائها..

أما ترامب فقد ارادها لغسل يديه وضميره الميت من الدماء في مسيرة الانحطاط والانحدار بالبشرية جمعاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى