
أعلنت لجنة نوبل النرويجية في 9 من تشرين الأول/أكتوبر منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 إلى نافي بيلاي، تقديرًا لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي. لا يرد ذكر سوريا في الحيثيات التي أعلنتها اللجنة، ولا أدّعي أنَّ سوريا كانت سببًا في منح الجائزة. أكتب بصفتي سوريًا يوثّق الانتهاكات منذ عام 2011، لأسجّل سببًا للامتنان لم تتضمنه تلك الحيثيات. فقد استخدمت بيلاي، حين كانت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، الصلاحيات المحدودة لمنصبها لتعترف علنًا بما كان يُرتكب بحق السوريين، وتسعى إلى التحقيق فيه، وتضغط من أجل المساءلة الجنائية والانتصاف. غير أنَّ أبرز توصياتها، أي الإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية وحماية المعتقلين والمختفين، لم تُنفَّذ. فالشكر هنا على ما فعلته، أما مسؤولية ما لم يتحقق فتقع على حكومة الأسد التي منعت محققي المفوضية من دخول البلاد، وعلى الدول التي عطّلت تحرّك مجلس الأمن.
رفعت بيلاي صوتها مبكرًا. ففي 26 آذار/مارس 2011، بعد أقل من أسبوعين على بدء الاحتجاجات، حثّت السلطات السورية على الإصغاء إلى المتظاهرين بدلًا من استخدام القوة ضدهم، وحذّرت من أنَّ القمع ينذر بدوامة من الغضب والقتل. وفي 2 من آب/أغسطس، بعد ورود تقارير عن مقتل ما لا يقل عن 120 شخصًا في حماة، أعلنت تضامنها مع المتظاهرين السلميين ومع أسر القتلى. نسب نظام الأسد العنف إلى عصابات مسلحة، أما بيلاي فتحدثت عن متظاهرين سلميين تُنتهك حقوقهم.
دعا التقرير مجلس الأمن إلى النظر في إحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية، وعرضت بيلاي هذه التوصية على أعضاء المجلس في مشاورات مغلقة في اليوم نفسه.
حين طلب مجلس حقوق الإنسان في 29 من نيسان/أبريل 2011 إيفاد بعثة لتقصي الحقائق، شكّلت بيلاي فريقًا من 13 عضوًا برئاسة نائبتها. وطالبت دمشق، في مذكرات رسمية وفي لقاء مباشر، بالسماح للبعثة بالدخول، وكتبت إلى رئيس مجلس الوزراء عادل سفر تسأله عن أعمال القتل والاحتجاز والتعذيب. لم يُسمح للبعثة بالدخول، فعملت من الخارج، وأجرت مقابلات مع 180 شخصًا في أربعة بلدان، وتلقّت إفادات من ناشطين سوريين ومن منظمات حقوقية. وأعدّت البعثة كذلك قائمة سرية تضم 50 شخصًا يُزعم أنَّهم من مرتكبي الانتهاكات، لاحتمال استخدامها في تحقيقات أو ملاحقات قضائية مقبلة.
خلص تقرير البعثة، الذي أُعلن في 18 من آب/أغسطس 2011، إلى وجود نمط من الانتهاكات يشكّل هجمات واسعة النطاق أو منهجية ضد السكان المدنيين، قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية بموجب المادة 7 من نظام روما الأساسي. وتكمن قيمته في توقيته ومنهجه: فبعد خمسة أشهر على بدء الانتفاضة، كانت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان قد سجّلت رسميًا الأسباب التي قد تجعل القمع يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية، عارضةً أدلتها ومبيّنةً حدود ما توصلت إليه.
دعا التقرير مجلس الأمن إلى النظر في إحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية، وعرضت بيلاي هذه التوصية على أعضاء المجلس في مشاورات مغلقة في اليوم نفسه. لم تكن سوريا طرفًا في نظام روما الأساسي، ولذلك كانت الإحالة من مجلس الأمن المسار الرئيس لانعقاد اختصاص المحكمة. وكررت بيلاي التوصية في 1 من حزيران/يونيو 2012، بعد عمليات القتل في الحولة، وتمسكت بها إلى أن غادرت منصبها.
في نيسان/أبريل 2014 نشرت المفوضية ورقة عن التعذيب استندت إلى 38 مقابلة مع أشخاص أُفرج عنهم من الاحتجاز. وقالت بيلاي إنَّ نتائج الورقة تؤكد أنَّ التعذيب يُمارَس بصورة اعتيادية في مرافق الاحتجاز الحكومية، وأنَّ بعض الجماعات المسلحة تمارسه كذلك. وطالبت بوقفه، وبالإفراج عن المحتجزين تعسفًا، وبالسماح لمراقبين مستقلين بالوصول إلى أماكن الاحتجاز، وبملاحقة المسؤولين عنه قضائيًا، وبتعويض الناجين وإعادة تأهيلهم. فالانتصاف، وفق هذا الفهم، حق للناجين أيًا كان مآل الملاحقات القضائية.
وكلّفت المفوضية كذلك بإعداد دراسة إحصائية تقوم على التوثيق السوري. فقد أحصى آخر التحليلات الثلاثة التي أعدّتها مجموعة تحليل بيانات حقوق الإنسان، المنشور في 22 من آب/أغسطس 2014، 191,369 حالة قتل موثقة بين آذار/مارس 2011 ونيسان/أبريل 2014. ويشمل هذا الرقم حالات قتل حُدّدت هوية ضحاياها فردًا فردًا، من دون تمييز بين المقاتلين والمدنيين، ورجّحت بيلاي أنَّه أقل من العدد الحقيقي. وكانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، التي أديرها، إحدى ثلاث منظمات سورية غطّت سجلاتها الفترة كلها، وبقيت مصدرًا أساسيا للمفوضية طوال سنوات النزاع المسلح، وعمل المحللون معنا مباشرة منذ عام 2012. كانت علاقة مؤسسية وتقنية، وثمرتها أنَّ سجلات جمعها سوريون خضعت للفحص والمطابقة، ثم استُخدمت في تحليل أُعدّ بتكليف من الأمم المتحدة.
أهدت بيلاي الجائزة إلى الناجين من الجرائم الدولية. ومن بين هؤلاء سوريون، وما يستحقونه هو ما ضغطت من أجله بين عامي 2011 و2014: المساءلة الجنائية لمرتكبي الانتهاكات من جميع الأطراف، وكشف مصير المختفين، وجبر الضرر لمن تعرضوا للتعذيب ولأسر القتلى.
لم يُفضِ شيء من ذلك، خلال ولايتها، إلى النتائج التي كان السوريون بحاجة إليها. ففي 22 من أيار/مايو 2014 نال مشروع قرار بإحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة 13 صوتًا في مجلس الأمن، لكن روسيا والصين أسقطتاه باستخدام حق النقض (الفيتو). ولم تُنفَّذ توصياتها بشأن الاحتجاز. وفي آب/أغسطس 2014 قالت إنَّ الشلل الدولي شجّع مرتكبي القتل والتعذيب في سوريا على التمادي.
في وسع المفوضة السامية أن تحقق وأن تعدّ التقارير وأن توصي. لكنَّها لا تستطيع أن تُلزم دولة بفتح سجونها، ولا أن تحيل وضعًا ما إلى المحكمة، ولا أن توجّه مدعيها العام. ولم تكن هي من أنشأ هيئات التحقيق التي جاءت لاحقًا: فمجلس حقوق الإنسان هو الذي أنشأ لجنة التحقيق الدولية المستقلة في 23 من آب/أغسطس 2011، والجمعية العامة هي التي أنشأت الآلية الدولية المحايدة والمستقلة في كانون الأول/ديسمبر 2016.
في آذار/مارس 2015، بعد مغادرتها المنصب، سُئلت عمّا تجيب به سوريًا يسألها عمّا فعلته من أجل السوريين. فعدّدت أدوات المنصب: التحدث علنًا دفاعًا عن الضحايا، والضغط داخل الأمم المتحدة، ومواجهة القادة السياسيين. ثم قالت: «لا يمكننا أن نقول: “لا شيء يجدي، ولذلك لن أفعل شيئًا”». والمنصب الذي يملك صوتًا ولا يملك سلطة إنفاذ يُقاس بالطريقة التي استُخدم بها ذلك الصوت. وفي الشأن السوري، استخدمته بيلاي مبكرًا، وبحرص على الأدلة، ومن دون استثناء أي طرف.
أهدت بيلاي الجائزة إلى الناجين من الجرائم الدولية. ومن بين هؤلاء سوريون، وما يستحقونه هو ما ضغطت من أجله بين عامي 2011 و2014: المساءلة الجنائية لمرتكبي الانتهاكات من جميع الأطراف، وكشف مصير المختفين، وجبر الضرر لمن تعرضوا للتعذيب ولأسر القتلى.
شكرًا لكِ، أيتها القاضية بيلاي، لأنَّكِ أدرجتِ تلك المطالب مبكرًا في السجل الرسمي للأمم المتحدة وأبقيتِها فيه. وما كُتب في ذلك السجل حين كان الصمت أسهل، صار في وسع السوريين أن يجعلوه عدالةً تُعاش.
المصدر: تلفزيون سوريا






