
تُثار في الأوساط السورية، ولا سيما على منصات التواصل الاجتماعي، نقاشات مستفيضة حول الأسباب الحقيقية للفجوة المتنامية بين الشارع والحكومة، إذ يرى بعضهم أن الأزمة تكمن في ضعف الأداء الإعلامي وعجزه الهيكلي عن تسويق القرارات وتوجيه الرأي العام وشرح وجهات النظر الرسمية، في حين يجزم فريق آخر بأنه لا يمكن لأعتى الماكينات الإعلامية في العالم تسويق القرارات الخاطئة، فمهمة الإعلام النبيلة ليست تجميل السيء أو صناعة الوهم بل نقل الواقع والتعبير عنه.
وبين هذين الطرحين، تتجلى حدود دور الإعلام الحكومي والفاصل الدقيق بين الإقناع التفاعلي والتبرير الفاقد للمصداقية. فالإعلام يمتلك بلا شك قدرة هائلة على تأطير السياسات وإدارة انطباعات الجمهور، شريطة أن تسنده سياسات موضوعية وقرارات متوازنة على أرض الواقع، إذ يمكنه النجاح في تسويق القرارات الصعبة إذا ما اعتمد على منهجية التمهيد والتهيئة المسبقة، بدلاً من صدم الشارع بقرارات مفاجئة كرفع أسعار المحروقات أو المواد الأساسية من دون إنذار، وهي القرارات التي تولد ردود فعل غاضبة وتفقد الخطط الحكومية شرعيتها الشعبية قبل أن تبدأ.
المصداقية هي رأس مال أي وسيلة إعلامية وأساس وجودها، فإذا خسرتها، تحول خطابها إلى مجرد ضجيج ودوشة لا أثر لها في الشارع، مما يدفع الجمهور تلقائياً للهروب نحو مصادر خارجية قد تكون مضللة وتسعى للاصطياد في الماء العكر.
إن الدور الحقيقي للإعلام يبدأ مبكراً قبل صدور أي قرار، عبر فتح نقاشات عامة وعرض المعطيات الرقمية بجرأة، وإبراز الجوانب الإيجابية بشفافية مطلقة من خلال توضيح أين ستذهب الوفرة المالية المترتبة على رفع الأسعار، كالقول إنها ستُوجّه لدعم قطاعات حيوية كالصحة والتعليم أو تحسين أجور القطاع العام، مما يخفف من حدة الصدمة لدى الشارع ويجعل المواطن شريكاً متفهماً في تحمل التكلفة بدلاً من كونه ضحية مباغتة لها.
يضاف إلى ذلك أهمية تبسيط الخطاب الرسمي وترجمة المصطلحات الاقتصادية المعقدة إلى لغة سلسة ومباشرة يفهمها المواطن العادي في حياته اليومية. ومع ذلك، مهما بلغت براعة الإعلام ومهارة القائمين عليه، فإنه يظل عاجزاً ومقيد الحركة أمام قضية خاسرة أو قرارات تفتقر إلى الحد الأدنى من الدراسة والواقعية. وعندما تتكرر الإجراءات الارتجالية من دون مراعاة للظروف المعيشية والأوضاع الضائقة للناس، ينقلب الدفاع الإعلامي إلى عبء إضافي ومصدر للاستفزاز، وتؤدي ممارسة دور بوق السلطة الذي يبرر كل شيء ويجمل الأخطاء إلى إسقاط المصداقية بالكامل.
والمصداقية هي رأس مال أي وسيلة إعلامية وأساس وجودها، فإذا خسرتها، تحول خطابها إلى مجرد ضجيج ودوشة لا أثر لها في الشارع، مما يدفع الجمهور تلقائياً للهروب نحو مصادر خارجية قد تكون مضللة وتسعى للاصطياد في الماء العكر.
ومن هذا المنطلق، تتصرف الحكومات بشكـل خاطئ تماماً عندما تعتمد أسلوب القرارات المباغتة المعزولة عن الشروح والتوضيحات، ولتجاوز هذه الفجوة الهيكلية يتوجب اتخاذ خطوات تنظيمية جادة، في مقدمتها تعيين ناطق رسمي باسم الحكومة يتولى الإطلالة الدورية والمنتظمة على وسائل الإعلام، وتقديم الإحاطات الشاملة، والإجابة عن أسئلة الصحفيين بكل جرأة وشفافية لمنع انتشار الشائعات ورأب الصدع في الثقة العامة، إلى جانب تفعيل المكاتب الإعلامية في كل الوزارات والمؤسسات العامة والمحافظات بحيث لا يقتصر دورها التقليدي على نشر صور المسؤولين وتغطية نشاطاتهم الفردية والبروتوكولية، بل يتعدى ذلك إلى شرح السياسات والخطط المستقبلية واستقبال استفسارات المواطنين بمهنية وسعة صدر، خلافا لصورة هذه المكاتب السائدة اليوم حيث يتعذر على الصحفيين في كثير من الأحيان الحصول على إجابة منطقية، فضلاً عن المواطنين.
إن هذه الحادثة التاريخية تختصر حدود دور الإعلام. فالإعلام بوصفه أداة حيوية لترشيد الحكم وبناء الجسور مع المجتمع وإصلاح النظرة السلبية لدى الرأي العام، لا يحتاج فقط إلى أداء ذكي ومرن..
وعندما تتخذ الحكومة قرارات قاسية غير شعبية، ينبغي للإعلام الحكومي ألا يتخذ موقف الدفاع الأعمى الذي يدمر مصداقيته ويجعله معزولاً عن نبض الشارع، ولا موقف الانضمام الكامل للنقاد الذي يظهره كجهة متخبطة تعارض المؤسسات التي تمثلها، بل عليه إمساك العصا من المنتصف والتخلي عن الخطاب الخشبي والتصرف كوسيط اجتماعي يمنح مساحة متوازنة تشرح وجهة نظر الحكومة والأسباب الموجبة للقرار بكل أرقامها، وتفتح المجال في الوقت نفسه للأصوات النقديّة والخبراء والمواطنين للتعبير عن مخاوفهم وآرائهم بكرامة وحرية.
لا شك أن الإعلام ليس ساحراً يستطيع تحويل الفشل الميداني أو الاقتصادي إلى نجاح باهر، وحين حاول أدولف هتلر توبيخ وزير إعلامه يوزف غوبلز في أواخر الحرب العالمية الثانية على ما اعتبره تقصيراً في رفع معنويات الشارع وشرح المعارك الجارية للجمهور، أجابه غوبلز بصرامة: “سيدي، أنا لا أستطيع التغني بانتصارات الجيش بينما هو يتعرض لخسائر متوالية وتراجع مستمر في الميدان”.
إن هذه الحادثة التاريخية تختصر حدود دور الإعلام. فالإعلام بوصفه أداة حيوية لترشيد الحكم وبناء الجسور مع المجتمع وإصلاح النظرة السلبية لدى الرأي العام، لا يحتاج فقط إلى أداء ذكي ومرن، بل يحتاج قبل ذلك إلى سياسات حكومية أكثر نضجاً وشفافية تُراعي التمهيد الواعي والتواصل المستمر مع المواطن عبر مستويات عدة. أما التصريحات غير المدروسة أو الأعمال الاستعراضية لبعض المسؤولين الحكوميين، مثل مظاهر المواكب والبروتوكولات ورحلات السفر غير الضرورية وسط أزمات معيشية خانقة، فيصعب على الإعلام تبريرها أو التغطية عليها، وهي تضعف وتجهض محاولاته للدفاع عن الحكومة وتبرير سياساتها، خصوصاً إذا لم يعقب الأخطاء الحكومية تصحيحات واضحة ومحاسبة علنية للمقصرين والمخطئين.
المصدر: تلفزيون سوريا






