
تواجه المحافظات السورية مهمة تتجاوز إصلاح الأبنية والطرق وشبكات الخدمات إلى إعادة تكوين العلاقة بين السكان ومدنهم والتناغم المجتمعي بين المكان و السكان.
فقد أصاب الدمار مساحات واسعة من النسيج العمراني، وتعرضت أماكن اللقاء والذاكرة اليومية لتحولات عميقة. وفي دمشق وحلب وحماة ودير الزور وحمص والرقة وغيرها، تبرز الحاجة إلى رؤية تجمع الهندسة بالتاريخ والفن والبيئة والحياة الاجتماعية. وتبدأ هذه الرؤية بإشراك أصحاب الخبرة الثقافية والجمالية، أو الجمعيات التاريخية أو المدينية المختصة في القرارات التي تحدد صورة المدينة المقبلة، من تخطيط الشوارع إلى تصميم الساحات وتنظيم الحدائق وحماية المعالم.
يتعلق الإعمار، في هذا المعنى، بنوعية الحياة التي ستنشأ داخل المباني وبينها. فالشارع وهو ممر للحركة ومكان للتجارة والمشي والتواصل، والساحة كمساحة للاجتماع والاحتفال والاحتجاج والاستراحة والتعبير الثقافي. وكل تغيير في اتجاه طريق أو حجم رصيف أو موقع نصب فني يترك أثراً طويل الأمد في استخدام المكان والذاكرة المرتبطة به. وقد كشفت التجاوزات العمرانية السابقة والتي جرت في نصف القرن المنصرم، بما فيها الاعتداء على الأرصفة والحدائق وتشويه الواجهات وإضعاف حضور المعالم، أهمية وجود معايير معلنة ومؤسسات مسؤولة عن تطبيقها.
إن الفضاء العام هو مساحة مشتركة للجميع، ومصدر جمالي يسهم في تحسين صورة المدينة المتعبة و المرهقة من العمل، يحق لكل مواطن يعيش فيها أن يحظى على الأقل بمشهد بصري راق يرافقه في مروره الصباحي و المسائي، هذا المشهد لا يقل أهمية عن أشجار ونباتات و غطاء أخضر يسهم في تحسين البيئة، والمزاج العام.
من هنا تبرز ضرورة تأسيس لجان ثقافية جمالية في جميع المحافظات السورية، تعمل ضمن منظومة التخطيط والإدارة المحلية وتشارك فعلياً في صناعة القرار. ويمكن أن تضم هذه اللجان معماريين ومخططين حضريين وفنانين تشكيليين ونحاتين وخبراء آثار وتراث ومختصين بالبيئة وممثلين عن الجمعيات الأهلية والجامعات والسكان وأيضاً الشباب. ويُستحسن توفير تمثيل للأشخاص ذوي الإعاقة والشباب والنساء وأصحاب الحرف التراثية، لأن تجربة المدينة تختلف باختلاف مستخدميها. وتمنح هذه التركيبة القرارات بعداً معرفياً واجتماعياً يتكامل مع الاعتبارات الفنية والمالية والإدارية.
تحتاج اللجان المقترحة إلى صلاحيات واضحة في دراسة المخططات التنظيمية والمشروعات المؤثرة في المشهد العام، وإبداء رأي فني معتمد قبل إقرار التصاميم الكبرى. وتشمل اختصاصاتها اختيار مواقع المنحوتات والنصب، وتحديد مواصفات الإنارة واللافتات والأثاث الحضري، ومراجعة مشاريع ترميم الواجهات، وتقييم توزيع المساحات المفتوحة. ويمكن إلزام الجهات المنفذة بنشر التصورات والبدائل وتبرير اختيار التصميم النهائي، مع جلسات استماع دورية تتيح للسكان والجمعيات عرض ملاحظاتهم. بهذه الآلية تصبح المشاركة المدنية جزءاً ثابتاً من مسار العمل المؤسسي.
ويستحق تخطيط الشوارع أولوية خاصة في مدن تتطلع إلى استعادة الحركة الاقتصادية والاجتماعية. فتوزيع الأرصفة ومسارات الحافلات والدراجات وممرات المشاة والمناطق المظللة يؤثر في سلامة التنقل وعدالة الوصول إلى الخدمات. كما يحتاج تصميم التقاطعات والواجهات التجارية إلى الانسجام مع أحجام المباني وطبيعة الأحياء. وفي المدن القديمة يمكن توظيف مواد محلية وتقنيات إنارة ملائمة، مع تحسين
تصريف المياه وسهولة الحركة. أما الأحياء الجديدة فتحتاج إلى شبكات واضحة ومسافات مشي معقولة ومساحات لقاء قريبة من البيوت والمدارس والأسواق. ومسارات خضراء خاصة للدراجات .
وتشكل الساحات العامة اختباراً ملموساً لجودة القرار الحضري. فالساحة الناجحة تجمع الظل والمقاعد والماء والإنارة والنباتات ومسارات العبور، وتسمح بالفعاليات الثقافية والأسواق الموسمية وأنشطة الأطفال وكبار السن. ويحتاج اختيار الأعمال الفنية فيها إلى دراسة علاقتها بتاريخ الموقع وحجم الفضاء وزوايا الرؤية وتدفق المشاة. وتشمل الدراسة الأثر الاجتماعي والاقتصادي وتكاليف الصيانة المقبلة. ويمكن تنظيم مسابقات تصميم علنية تشارك فيها كفاءات سورية من الداخل والخارج، وتُعرض المشاريع المختارة للجمهور قبل اعتمادها.
تحتل الأشجار والحدائق موقعاً أساسياً في هذه الرؤية. فالغطاء النباتي يحسن المناخ المحلي ويخفض حرارة الشوارع ويمنح الأحياء مساحات للراحة والحركة. وتحتاج المدن والبلدات والأرياف إلى تشريعات رادعة تجرّم قطع الأشجار والاعتداء عليها، وتحدد مسؤوليات البلديات والأفراد والجهات المستثمرة عن حمايتها وتعويض الأضرار. كما تتطلب السياسة الخضراء سجلاً للأشجار المعمرة، وخطط تشجير بأنواع ملائمة للمناخ وتوفر المياه، وبرامج ري وصيانة مستمرة. ويتصل بذلك صون البساتين التاريخية والأحزمة الزراعية المحيطة بالمدن، باعتبارها جزءاً من هويتها البيئية والبصرية.
وتشمل المسؤولية الجمالية والبيئية الأنهار والواجهات البحرية والمحميات الطبيعية. ففي حماة يرتبط نهر العاصي ونواعيره بالذاكرة العمرانية، وفي دير الزور يشكل الفرات والجسر المعلق محوراً للحياة الاجتماعية والاقتصادية، في حين تمنح الواجهات البحرية في اللاذقية وطرطوس المدن الساحلية خصوصيتها. ويقتضي تطوير هذه المواقع معالجة التلوث وتنظيم الاستخدامات العامة وحماية الضفاف وإتاحة المشي والجلوس والوصول الآمن. وتحتاج المحميات والأودية والمناطق الحرجية إلى إدارة تراعي التنوع الحيوي والأنشطة السياحية المدروسة، مع اعتبار الطبيعة عنصراً أصيلاً في التخطيط الحضري.
وتتطلب حماية التراث السوري فهماً واسعاً يشمل المباني والأسواق والأزقة والحدائق والنصب، إلى جانب الحرف والذاكرة الشفوية والعادات المرتبطة بالأمكنة. فالجمال الحضري يتكون عبر تراكم أجيال من البناء والمهارة والتجربة. ومن ثم ينبغي أن تتجه مشروعات التجديد نحو إضافة طبقات معمارية معاصرة تحاور ما سبقها، والاستفادة من العناصر التاريخية في الاستخدام اليومي. ويمكن أن تسهم ورش الحرفيين المحليين في ترميم الأبواب والحجر والخشب والحديد المشغول، وأن تتحول الأبنية المستعادة إلى فضاءات ثقافية وتعليمية واقتصادية حية.
ويتيح الجدل حول تمثال صلاح الدين الأيوبي مثالاً على أهمية هذه الآلية. فعند طرح ترميم تمثال تاريخي أو نقله إلى موقع جديد، تصبح دراسة علاقته بمحيطه الأصلي جزءاً من القرار. وتشمل الدراسة القيمة الفنية للعمل، وصلته بالذاكرة الجمعية، ومدى ملاءمة الموقع المقترح، وتأثير النقل في حركة الناس والمشهد البصري، إضافة إلى شروط الحفظ والترميم. وتُعقد جلسات حوار مع جمعيات التراث المادي واللامادي والفنانين والمؤرخين وسكان المنطقة، وتُعرض بدائل مكانية واضحة مقرونة برسوم ومحاكاة بصرية وتقارير فنية. ويأتي القرار النهائي ثمرة لهذا النقاش الموثق. حيث تشكل النصب التذكارية جزءاً أساسياً من ذاكرة المدينة، وفخراً لتاريخها النضالي، عبر تذكير الناس الذين يمروا في تلك الشوارع
والساحات بتأثير هذه الشخصيات على الحياة العامة و على الواقع اليومي للمواطن، فنصب مشابهة لأبي العلاء المعري و أبي تمام و الشاعر الفراتي و أبي فراس الحمداني و حتى الخلفاء و الساسة المعاصرين وأبطال الاستقلال مثل يوسف العظمة وعبد الرحمن الشهبندر وغيرهم ستكون منارات تذكير يومي بفكر وتضحيات هؤلاء ومصدر إلهام للأجيال القادمة مرادف لما يدرسونه في المناهج المدرسية عن كل القيم النبيلة، إن الفضاء العام هو مساحة مشتركة للجميع، ومصدر جمالي يساهم في تحسين صورة المدينة المتعبة و المرهقة من العمل، يحق لكل مواطن يعيش فيها أن يحظى على الأقل بمشهد بصري راق يرافقه في مروره الصباحي و المسائي، هذا المشهد لا يقل أهمية عن أشجار ونباتات و غطاء أخضر يسهم في تحسين البيئة، والمزاج العام. فالمشهد الحضاري يسهم في تحسين المزاج العام و يقلل “حسب دراسات نفسية” من حجم العنف و يدعم رغبة المواطن في المشاركة في بناء الفضاء العام الجزئي المشكل لصورة البلد النهائية .
ولكي تؤدي اللجان عملها، تحتاج إلى تنظيم قانوني يحدد تشكيلها ومدد عضويتها وآليات اختيار أعضائها وقواعد تضارب المصالح وحدود مسؤولياتها. كما يلزم تخصيص موارد لإعداد الدراسات والاستشارات والمسابقات ومتابعة التنفيذ. وتزيد الشفافية مع نشر المحاضر وخرائط المشروعات وتقديرات التكاليف ونتائج التقييم، وإتاحة قنوات لتقديم الاعتراضات والمقترحات. وتستطيع المجالس المحلية والوزارات المعنية الاستفادة من هذه الخبرات ضمن جدول زمني واضح يربط مرحلة التصميم بمراجعة الأثر ثم التنفيذ والصيانة.
إن تشكيل لجان ثقافية جمالية في المحافظات السورية استثمار في إدارة الفضاء المشترك وفي حق السكان بالمشاركة في صياغة مدنهم.
ومن المفيد أن تتبنى كل محافظة دليلاً لجودة الفضاء العام، يوضح المعايير المتعلقة بالألوان والمواد والإعلانات والتشجير والإنارة وإمكانية الوصول. ويُعد هذا الدليل بالتعاون مع الخبراء والسكان، وتُراجع مواده بصورة دورية وفق نتائج المشاريع المنفذة. ويساعد وجود مرجع مشترك البلديات والمقاولين والمصممين على العمل ضمن رؤية متماسكة، مع فسحة للتنوع الذي تتميز به أحياء كل مدينة وتاريخها.
وتبدأ الأولويات العملية بجرد المساحات المتضررة والأشجار المهددة والمواقع ذات القيمة التاريخية، ثم إعداد خرائط احتياجات لكل مدينة وبلدة. ويُراعى ترتيب التدخلات وفق كثافة الاستخدام وحاجة الأحياء إلى الخدمات والأماكن المفتوحة. ويمكن اعتماد مشاريع تجريبية في عدد محدود من الساحات والطرق والحدائق، مع قياس رضا السكان وجودة الحركة والظل والسلامة وكلفة الصيانة. وتوفر النتائج أساساً لتوسيع التجارب الناجحة وتطوير المعايير على مستوى المحافظات.
إن تشكيل لجان ثقافية جمالية في المحافظات السورية استثمار في إدارة الفضاء المشترك وفي حق السكان بالمشاركة في صياغة مدنهم. وتمنح هذه الشراكة عملية الإعمار قدرة على الجمع بين الكفاءة العمرانية والجمال والعدالة البيئية واستمرار الذاكرة. وعبر مؤسسات متعاونة وقواعد شفافة وحوار مدني منتظم، تستطيع المدن السورية بناء فضاءات معاصرة تضيف إلى رصيدها الحضاري، وتستعيد مكانة الشارع والساحة والحديقة والنهر باعتبارها عناصر يومية في حياة الناس
المصدر: تلفزيون سوريا






