
الحديث عن صنعاء لا ينبغي أن يختزل في استعادة مدينة مهما كانت رمزية العاصمة ومكانتها
إن المعركة الوطنية الحقيقية لا تنتهي باستعادة الدولة، بل تبدأ مسؤولية حمايتها من تكرار أخطاء الماضي أو إعادة إنتاجها بطرق جديدة. لا معنى لاستعادة المؤسسات إذا لم نستعِد معها فكرة الدولة، دولة تحمي مواطنيها وتصون كرامتهم وتحترم خياراتهم وتحتكم إلى القانون.
ثمة شيء غير عادي يحدث في اليمن تتعين قراءته على نحو تحليلي فاحص. حسناً دعوني أدخل في صلب الموضوع مباشرة وأقول، حين يطل فجر جديد على بلد أنهكته الحرب، لا يكون السؤال عن اتجاه المدافع وحده، بل عن الطريق الذي ينبغي أن تسلكه الدولة بعد أن تصمت البنادق.
تبدو لحظة “فجر اليمن” أبعد من تحول عسكري، إنها اختبار لمعنى الدولة واستعادة مؤسساتها، ولبناء مستقبل يتسع لجميع اليمنيين. من هنا يبدأ سؤال الأسئلة ماذا تعني استعادة الدولة؟
إن انطلاق عملية “فجر اليمن”، وفق ما أعلنه رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي صباح أول من أمس الإثنين (الخامس من أكتوبر – تشرين الأول الجاري)، لا يمثل مجرد انتقال في مسار المواجهة العسكرية، بقدر ما يفتح مرحلة جديدة في سؤال الدولة اليمنية ومصير مؤسساتها. فالمسألة، في جوهرها، تتجاوز خطوط التماس ومواقع السيطرة إلى محاولة إنهاء واقع سياسي انقلابي فرضته الميليشيات الحوثية بقوة السلاح، وأعاد تشكيل حياة اليمنيين على مدى أعوام وفق منطق الغلبة والانقسام. وتكتسب هذه العملية من هنا معناها الأوسع، استعادة الدولة بوصفها إطاراً جامعاً للحياة العامة، لا مجرد استعادة أرض من يد إلى أخرى.
لذلك فإن الحديث عن صنعاء لا ينبغي أن يُختزل في استعادة مدينة، مهما كانت رمزية العاصمة ومكانتها في الذاكرة اليمنية. فالمقصود هو إعادة صنعاء لموقعها الطبيعي عاصمة للجمهورية اليمنية، وعودة مؤسسات الدولة لها باعتبار ذلك خطوة أساسية نحو إنهاء الانقسام واستعادة انتظام الحياة العامة. فالعاصمة في مفهوم الدولة ليست جغرافيا محايدة، وإنما مركز للشرعية المؤسسية التي تتصل بها بقية مؤسسات البلاد. وحين تفقد العاصمة وظيفتها السياسية، لا تفقد المدينة وحدها توازنها، بل يختل جزء أساس من العلاقة بين المواطن والدولة، وبين القانون والمجال العام.
من هذه الزاوية، المشار إليها بعاليه، يمكن فهم التضحيات التي قدمتها القوات المسلحة اليمنية بمختلف تشكيلاتها طوال أعوام المواجهة، وهي تضحيات تتصل، في معناها الإنساني، بآلاف اليمنيين الذين حافظوا على راية الجمهورية وتمسكوا بحقهم في الدولة.
لاحظوا معي أن خلف كل جندي قصة عائلة انتظرت، وكل جبهة ذاكرة فقد لا تختصرها الأرقام. لكن قيمة هذه التضحيات لا تكتمل في تصوري بمجرد تحقيق مكاسب عسكرية، إذ يفترض أن تقود إلى دولة تجعل التضحية من أجل الوطن ذات معنى، وتحول الانتصار الميداني إلى أمن وحقوق وخدمات وفرص حياة. ومن ثم ينتقل مفهوم النصر من “الميدان” إلى “المجتمع”.
في هذا السياق، يكتسب الدعم والإسناد الذي يقدمه تحالف دعم الشرعية في اليمن بقيادة السعودية بعداً إقليمياً واضحاً في مسار المعركة، لكن المسؤولية اليمنية تظل في صميمها. فالمطلوب ليس توحيد الجهد العسكري وحسب، وإنما توحيد “الرؤية” حول الهدف الذي يفترض أن تنتهي إليه الحرب، استعادة الدولة وقرارها ومؤسساتها، لا إنتاج انقسام جديد أو استبدال واقع بواقع آخر. وهذه بالطبع مسألة جوهرية في غاية الأهمية، لأن استعادة الدولة تفقد معناها إذا تحولت إلى مقدمة لإعادة توزيع القوة خارج قواعدها المؤسسية. الدولة التي تُستعاد ينبغي أن تكون أوسع من القوى التي تقاتل من أجلها، وأكثر عدلاً من اللحظة التي سبقت سقوطها.
ولأن الدولة ليست أبنية ومقار حكومية وأختاماً رسمية، فإن استعادتها لا تكتمل بمجرد استعادة الجغرافيا أو المؤسسات. المعنى الحقيقي في تقديري يظهر في ما تنتجه الدولة بعد ذلك في حياة الناس. هل يشعر المواطن بأن القانون يحميه؟ هل يجد الموظف مؤسسته وقد عادت للعمل؟ هل يستطيع الطفل الذهاب إلى المدرسة من دون خوف؟ وهل تصبح كرامة الإنسان جزءاً من وظيفة السلطة لا منحة منها؟
هذه الأسئلة هي الامتحان الأهم لأية مرحلة لاحقة، لأنها في تصوري ستنقل الدولة من مفهوم السيطرة على الأرض إلى مفهوم المسؤولية عن الإنسان، ومن استعادة السلطة إلى استعادة الثقة.
وهذه الدولة التي يتطلع إليها اليمنيون بالتأكيد ليست دولة مثالية خارج التاريخ، وإنما من المفترض أن تكون دولة قابلة للحياة، دولة قانون ومؤسسات وجيش وطني وقرار وطني مستقل وحقوق متساوية ومجال سياسي يتسع للتنوع الاجتماعي والمناطقي والفكري. فاليمنيون في اعتقادي لا يحتاجون إلى إلغاء اختلافاتهم كي يعيشوا في دولة واحدة، بل يحتاجون إلى دولة قادرة على “إدارة هذه الاختلافات” من دون تحويلها إلى أسباب للحرب. وفي هذا المعنى، تصبح قوة الدولة في قدرتها على استيعاب المجتمع لا إخضاعه، وعلى تحويل التعدد من مصدر للتوتر إلى قاعدة للتعايش والمشاركة السياسية.
وإذا كانت الجمهورية اليمنية تأسست عام 1990 نتيجة اندماج الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، فإن تاريخها اللاحق يذكّر بأن الوحدة السياسية لا تعني بالضرورة اكتمال الوحدة الاجتماعية أو استقرار الدولة، إذ مرت البلاد بحروب وانقسامات وأزمات متراكمة، لا تزال إلى يومنا هذا بلا حلول. ولهذا فإن استعادة الدولة اليوم لا ينبغي أن تعني العودة الآلية لما قبل الانقلاب، وكأن التاريخ توقف عند لحظة واحدة. المطلوب أن تستعيد الجمهورية مؤسساتها، وأن تستفيد في الوقت نفسه من دروس العقود الماضية، حتى لا تتحول أخطاء الماضي إلى مقدمات لصراع جديد.
يصبح “فجر اليمن”، وفق ما هو موضح أعلاه، اختباراً سياسياً وأخلاقياً بقدر ما هو عملية عسكرية. فإذا كان الهدف المعلن هو استعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء وإنهاء واقع الانقلاب، فإن الأمر الأهم ينبغي أن يكون انتقال اليمن من أعوام الحرب والانقسام والانهيار إلى مرحلة سياسية مختلفة. مرحلة لا تغلق باب السياسة بعد انتهاء المعركة، بل تفتحه بصورة واضحة، ولا تجعل الحوار مكافأة لمن يحمل السلاح، وإنما وسيلة لتنظيم الاختلاف داخل الدولة. فالحوار الحقيقي هو الذي لا يستثني أحداً من اليمنيين، ويقود إلى حل سياسي شامل وعادل ومستدام.
تكمن هنا المفارقة التي ينبغي ألا تغيب عن الوعي الوطني، قد يكون من الممكن استعادة مؤسسات الدولة بالقوة، لكن الأهم هو استعادة فكرة الدولة في وعي المجتمع. وهي فكرة تحتاج إلى أعوام من العدالة والإصلاح وإعادة بناء المؤسسات وتقديم الخدمات وترميم الثقة.
لذلك فإن المرحلة التالية للمعركة ستكون، في بعض جوانبها، أكثر تعقيداً من المعركة نفسها. فالسلاح يستطيع أن يغيّر موازين السيطرة، لكنه لا يستطيع وحده أن يبني عقداً اجتماعياً. والمؤسسة العسكرية تستطيع حماية الدولة، لكنها لا تستطيع أن تكون بديلاً عن السياسة والقانون والمواطنة المتساوية.
وعليه، فإن المعركة الوطنية الحقيقية لا تنتهي باستعادة الدولة، بل تبدأ مسؤولية حمايتها من تكرار أخطاء الماضي أو إعادة إنتاجها بطرق جديدة. فلا معنى لاستعادة المؤسسات إذا لم نستعِد معها فكرة الدولة، دولة تحمي مواطنيها وتصون كرامتهم وتحترم خياراتهم وتحتكم إلى القانون.
“فجر اليمن” بهذا المعنى ينبغي أن يكون فجراً لكل اليمنيين، لا انتصاراً لفئة على أخرى، وبداية لمرحلة يصبح فيها اختلاف اليمنيين سبباً للتنوع لا ذريعة للصراع. عندها فقط يمكن أن تتحول استعادة صنعاء من هدف عسكري إلى لحظة تأسيس سياسي وأخلاقي، وتصبح استعادة الدولة استعادة للإنسان اليمني نفسه لقلب الدولة والحياة.
المصدر: أندبندنت عربية






