ترامب إذ يتخلى عن أوكرانيا

   مدى الفاتح

في افتتاحية عددها الصادر بداية الأسبوع الجاري وصفت صحيفة لوموند الفرنسية تصريحات الرئيس الأميركي ترامب عن ضرورة عزل الرئيس الأوكراني “الضعيف” زيلينسكي، التي تزامنت مع الحديث عن تجاوز العقوبات المتعلقة بالنفط الروسي وتوقيع اتفاقية لاستيراد الديزل مع روسيا بالصادمة. وسائل إعلام أوروبية أخرى اعتبرت ما حدث خيانة لأوكرانيا، ولكن أيضاً لأوروبا المهددة من روسيا.

ثمة وجهتا نظر لتفسير موقف الرئيس الأميركي، الأولى التي تبرّر خطوته بأنه يريد أن يضاعف شعبيته المتراجعة وهو يتأهب للانتخابات النصفية عبر مخاطبة مشاغل الأميركيين وهواجسهم. وهذا يظهر في إعلانه بفخر أن روسيا سوف تضخ 300 ألف طن من الديزل بشكل مباشر في الأسواق الأميركية والعالمية على أن تضخ 500 ألف طن في بداية نوفمبر ومليون طن لاحقاً، بما يصل إلى ثلاثة ملايين طن، ما سوف يقود، وفق ما قال، إلى انخفاض أسعار الوقود العالمي.

ترى وجهة النظر الثانية أنه لا يوجد تحول في الموقف، وأن ترامب، الذي ظل يظهر إعجاباً بشخصية بوتين، لم يكن من الأصل متحمساً لمساعدة الأوكرانيين، ولم يكن جاداً في خسارة روسيا، التي يرتبط معها ومع كبار رجال الأعمال فيها بارتباطات تجارية خاصة، وهو ما ظهر أخيراً في تمويل ملياردير روسي مقرب من العائلة لحفل زفاف ابنه.

لا يرى الرئيس الأميركي في كل هذا تضارباً في المصالح. في الواقع فإن الحديث عن تضارب المصالح لم يعد ذا معنى في حقبة ترامب، الذي تجاهلت إدارته ما أوردته “فايننشال تايمز” قبل أيام عن ارتباط كاتي وايلز ابنة رئيسة موظفي البيت الأبيض بشركة ضغط ولوبي مكرسة لخدمة كيانات أجنبية، كما تجاهلت ما كشفته “نيويورك تايمز” حول الارتباطات الأميركية بقطاع البترول الروسي.

في المسألة الأوكرانية يظهر مرة أخرى التباين الكبير في وجهات النظر بين ضفتي الأطلسي. يتحدث الأوروبيون عن ضرورة رفض المنطق الروسي، الذي لا يعترف بأوكرانيا بلداً وشعباً مستقلاً وذا سيادة، وضرورة التمسك بالمبادئ، وإن تحملوا هم أعباء في سبيل ذلك، كما ترى الدول الأوروبية، التي تشعر بالتهديد أنه لا يجب التسامح مع العدوان أو دعم آلياته العسكرية من خلال فتح خطوط التصدير والتجارة. في المقابل، يرى ترامب أن الخط الأحمر الأكبر مصالح الأميركيين، وأنه لا يستطيع تحمل حالة السخط الشعبي من ارتفاع أسعار الوقود بسبب الحرص على الوقوف مع أوكرانيا.

ولكن الأمر لا يتعلق بالتباين الأميركي الأوروبي فقط، ففي الداخل الأميركي أيضاً لا يبدو جميع السياسيين متفقين مع توجهات ترامب. على سبيل المثال، انتقد تشاك شومر من الحزب الديمقراطي الاتفاق مع روسيا بقوة، ووصفه بأنه اتفاق مع الشيطان لإنقاذ ارتفاع أسعار الديزل، التي سبّبها ترامب بحربه غير المبرّرة وغير الشرعية في “الشرق الأوسط”.

لا يوجد لدى الأميركيين خطة واضحة للتعامل مع المسألة الأوكرانية

منتقدو تصريحات ترامب تساءلوا عن مدى واقعيتها في ظل الاستهداف الأوكراني، الذي أثّر بالفعل على منشآت النفط، بما خلق عجزاً حتى داخل روسيا، كما سخر هؤلاء أيضاً من استخدام ترامب لكلمة طن عوضاً عن برميل، التي تستخدم إبان الحديث عن تدفقات الوقود.

جاء الرد الأوكراني سريعاً عبر استهداف مواقع نفطية جديدة عشية تصريحات ترامب، التي هدد فيها بسحب الغطاء الاستخباري واللوجستي من أوكرانيا إن تكررت هذه الهجمات. هذه التهديدات تكررت أيضاً على لسان المبعوثين الرئاسيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. سوف يكون من الصعب على أوكرانيا أن تتابع عملياتها دون المظلة الاستخبارية الأميركية، التي لا يمكن لأي دولة أخرى تعويضها، كما سيكون صعباً العمل دون شبكة “ستارلنك”، التي تساعدها على الاتصال وعلى تحريك الطائرات المسيّرة.

بين هذا كله يشعر المرء أحياناً أنه لا يوجد لدى الأميركيين خطة واضحة للتعامل مع المسألة الأوكرانية، إذ تنتقل المواقف بين زوايا مختلفة بين كل يوم وآخر، ففي أكثر من تصريح سابق انتقد ترامب الهند والصين لأنهما ما يزالان يتعاملان مع روسيا، بل قال إنه يعاقبهما بسبب شرائهما للبترول الروسي. ترامب كان يشير أيضاً بعتاب إلى بعض دول الناتو، التي لم تستطع أن تمارس قطيعة كاملة مع النفط الروسي. مع كل هذا فإن الرجل لم يلبث أن أعلن الوصول إلى أكبر اتفاق تصدير للوقود.

في داخل أوكرانيا لا تبدو فكرة القتال حتى النهاية مغرية للجميع

يرى الأنصار والمؤيدون أن الاختلاف في التصريحات يعود إلى اختلاف التوقيت، وأنه يجب استيعاب متغير الوقت الحاضر، الذي صار فيه العالم كله رهين أزمة النفط والمضايق. بدورهم اعتبر الديمقراطيون الأميركيون أن التوصل لهذا الاتفاق قبل فترة قصيرة من الانتخابات النصفية ليست مصادفة، وهو أمر يدل على أن المحرّك لم يكن المصلحة الوطنية المحضة، بل المصلحة الذاتية والحزبية عبر توظيف هذا الإعلان نوعاً من الدعاية.

يبدو الرئيس زيلينسكي وقيادته العسكرية اليوم في وضع صعب، فإما أن يستمر في عملياته الموجعة، التي قد تؤدي إلى رضوخ روسيا لشروط التفاوض ولكن على حساب العلاقة مع الولايات المتحدة، التي يمكن أن تنتقل من خانة الحليف إلى خانة العدو، وإما أن تتوقف هذه العمليات، ما يقود لإضعاف الموقف الأوكراني في وقت لا تتورع فيه روسيا عن استهداف كل المساحات الممكنة.

في داخل أوكرانيا لا تبدو فكرة القتال حتى النهاية مغرية للجميع. الضربات المؤلمة، التي استهدفت مرافق كثيرة، وأثرت على انسياب الخدمات الأساسية جعلت كثيرين لا يتورعون عن الدعوة لإنهاء الصراع بأي ثمن. السياسي الأوكراني المعارض أوليكسي هونشارنكو كتب ملخصاً الوضع قائلاً بإحباط: “الحقيقة الحالية هي الآتية: نحن نخسر الحرب، نحن نخسر أعداداً كبيرة من الأرواح. لم يعد لدينا مال، ليس لتمويل الحرب، وإنما حتى لتسيير البلد”.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى