
لم يكن مرسومُ تأجيل الانتخابات التشريعية، وتحديد 11 سبتمبر/ أيلول 2027 موعداً جديداً لها وللانتخابات الرئاسية معاً، مُفاجئاً لأحد؛ فالتأجيل صار القاعدة لا الاستثناء. قيل إنّ الظروف في القدس الشرقية والضفّة الغربية وقطاع غزّة “غير مواتية”، وإنّ إسرائيل تمنع دخول المواد الانتخابية والمُراقبين الدوليين إلى القطاع. وهذا صحيح، لكنّه يُدين من يقوله، فهذه “الظروف” ليست طارئة على الحالة الفلسطينية، بل هي جزء من بنيتها. فلن تسمح إسرائيل فجأة بفتح القدس للاقتراع، ولن تتعافى غزة من الحصار والدمار في بضعة أشهر، ولن يتوقّف الضم في الضفة خلال عام. وما دامت أسباب التأجيل بنيوية، فلن يحلّها الانتظار، وما الموعد الجديد إلا تأجيل آخر يُضاف إلى عقدين مضيا منذ آخر انتخابات تشريعية عام 2006.
وما لا يُقال بصراحة أنّ الانتخابات في الحالة الفلسطينية مُشوّهة من أساسها، لأنّها تعكس وضعاً مُلتبساً، فلا هو دولة ذات سيادة، ولا هو احتلال يُسمّى باسمه، بل احتلال يُدار من خلال سلطة تُوهم بالسيادة. ففي الدول الديمقراطية، الانتخابات وسيلة للمُساءلة، يقف فيها الحاكم أمام الناخبين، وتتنافس البرامج على خدمة المواطنين، ويسعى المرشّحون إلى كسب الشرعية. أمّا عندنا فالأمر معكوس، إذ تُستدعى الانتخابات حين تحتاج النُخب شبه المُسيطرة (لا أقول الحاكمة) إلى تجديد شرعية بقائها، وتُؤجَّل حين يُخشى أن تتحوّل إلى أداة لمحاسبتها. وحين حاسب الناخبون النخبة فعلاً عام 2006، عُوقبوا مرّتين، بالحصار من الخارج، وبالانقسام من الداخل.
لم يتغيّر الحال، بل ازداد صعوبة. فالفصيلان الكبيران، حركتا فتح وحماس، استنفدا برنامجيهما تماماً. فبرنامج فتح تمثّل في أوسلو، فانتهى إلى سلطة بلا سيادة واستيطان بلا حدود، وبرنامج حماس راهن على أنّ المقاومة المُسلّحة والحكم معاً قادران على تغيير المعادلة، فلم يحقّق التحرير ولم يحمِ الناس. وحين تفشل البرامج، يبقى التنظيم قائماً بلا مضمون، فينتقل من الدفاع عن برنامجه إلى الدفاع عن بقائه. هكذا صار التنظيم غاية بعد أن كان وسيلة، وصار كلٌّ منهما يستمدّ بقاءه من مصادر لا علاقة لها بصناديق الاقتراع، من الاعتراف الدولي والتمويل والتنسيق الأمني في جانب، ومن السيطرة على الأرض والسلاح في الجانب الآخر.
احتكرت فتح نهج التفاوض ورفضت ما سواه، واحتكرت حماس نهج العمل المسلّح، ورفعت كلٌّ منهما خيارها إلى منزلة القداسة
ليس هذا جديداً، بل امتداد لتقليد رافق الحركة الوطنية منذ نشأتها، حين انشغلت التنظيمات بإثبات أنّها تمثّل الشعب الفلسطيني. فاكتسب التمثيل مكانة شبه مُقدّسة، سياسياً وأخلاقياً، وصار شرطاً يسبق النضال نفسه. ونتيجة لذلك، صار بقاء التنظيم، مهما كان عليلاً، أهم من أيّ شيء آخر، بما في ذلك التحرّر، بل وأهم من الشعب الذي يُفترض تحريره. وصار الفصيل وقادته بمثابة الوطن المعنوي، ولم تعدْ القضية الوطنية تُفهم إلا من خلاله، فلا تكون الدولة الفلسطينية المأمولة شرعية في نظر كلّ طرف إلّا إذا جاءت وفق تصوّراته. وانسحب ذلك على أشكال النضال أيضاً، فاحتكرت فتح نهج التفاوض ورفضت ما سواه، واحتكرت حماس نهج العمل المسلّح، ورفعت كلٌّ منهما خيارها إلى منزلة القداسة.
أمّا الناس فقد استُبعدوا من صنع القرار ووضع الاستراتيجيات، ولا يُستدعون إلا عند الحاجة، كما يُستدعى الدفاع المدني لإطفاء حريق، من دون أن يسأل أحد: لماذا لم يُمنع الحريق أصلاً؟ ولمصلحة مَن يُطفأ الآن؟ أهو لمصلحتهم، أم خدمةً لمآرب فصائلية، أم استجابةً لضغوط خارجية؟ إنّه حضور شكلي، يُستخدم فيه صوت الناس للمصادقة على قرارات لم يُستشاروا فيها.
وفي الأثناء، نشأ جيل كامل لم يُشارك في أيّ انتخابات تشريعية، فكلّ من وُلد بعد 1987 لم يُدلِ بصوته فيها قط. هذا الجيل ورث القضية من دون أن يُسأل عنها، ولا يرى في الانتخابات المطروحة إلا تكراراً للوجوه نفسها والعجز نفسه. فالمشكلة ليست في غياب الانتخابات وحده، بل في غياب ما يمنحها معناها، أي برنامج وطني مُتفق عليه، ومؤسسات تمثّل الفلسطينيين أينما كانوا، وقيادات تقبل المحاسبة والتغيير.
أمّا الفصائل الأخرى، فهي أضعف حالاً، إذ تراجع حضورها، وتقلّصت قواعدها، ولم يكن لديها أصلاً برنامج يصلح بديلاً. ولذلك تتمسّك بالبقاء ولو على هامش المشهد، وترى في الانتخابات فرصة لإثبات وجود لم يعد له ما يسنده. والأسوأ أنّ هذه الحركات جميعاً، كبيرها وصغيرها، تطلب من الناس أن ينقذوها، وهي غير قادرة على دفع الثمن ولا راغبة فيه. والثمن واضح، وهو الإصغاء الصادق لمطالب الشارع، وتجديد القيادات والبرامج، ودمقرطة الفصائل من الداخل قبل مطالبة المجتمع بالديمقراطية، وقبل كلّ شيء حماية شعب يواجه الإبادة. إنّها تريد شرعية الانتخابات من دون أن تتحمّل مسؤوليتها، وتفويض الناس من دون أن تخضع لمحاسبتهم.
ويزيد من هذا الارتباك تعدّد الأطر التي يُفترض أن تُنتخب، من الفصائل بتناقضاتها، إلى المُنظّمة، والسلطة، والحكومة. فأيّها يُنتخب؟ ولأي مهمّة؟ وبأي صلاحيات، في حين يتحكّم الاحتلال فعلياً بالأرض والحدود والمعابر والموارد؟ وهكذا تصبح الانتخابات، كما تُطرح اليوم، وهماً يزيد الضياع الناتج عن الالتباس بين واقع الاحتلال الإبادي ووهم السلطة والسيادة المنقوصة. فالانتخابات لا تصنع مشروعاً وطنياً، بل تفترض وجوده، وحين يغيب المشروع تصبح بديلاً عنه لا تعبيراً عنه، فنطلب منها ما لا تستطيع تحقيقه، كمن ينتظر ولادة من دون حمل.
المطلوب نص دستوري مُلزم يحدّد مسبقاً أنّ كلّ ولاية تنتهي تلقائياً في موعد لا يقبل التمديد
وإذا كانت المشكلة في غياب المشروع لا في موعد الانتخابات، فلن يفيد تحديد موعد جديد. والسؤال الحقيقي: ليس متى ننتخب؟ بل: كيف نبني ما يستحق أن يُنتخب؟ ولذلك لا يبدأ الحل من الصندوق، بل ممّا يجب أن يسبقه ويمنحه معناه. والمطلوب ليس التخلّي عن الانتخابات، بل إعادتها إلى موقعها الطبيعي، تتويجاً لمسار لا بديلاً عنه. فالسياسة ليست مجرّد إدارة للواقع القائم، بل هي القدرة على البدء بشيء جديد، وما نعيشه اليوم سياسة فقدت هذه القدرة، فصارت تُكرّر نفسها في مواعيد مؤجّلة ووجوه مُتكرّرة. ولن تأتي البداية الجديدة من الطُرق التي أغلقها الاحتلال والنُخب، بل من طُرق لم تُجرَّب بعد، تُعيد النظر في خمسة أمور تحكّمت بها النخب طويلاً، وهي الزمن الذي تتصرّف فيه بلا حساب، والتمثيل الذي احتكرته، والشرعية التي ادّعتها من دون أداء، وترتيب الأولويات الذي قدّم الأشخاص على الخيارات، والجغرافية التي جعلها الاحتلال قيداً على صوت الفلسطيني.
أولاً، على المدى القريب، أن يصبح للتأجيل ثمن. فالتأجيل اليوم لا يكلّف من يقرّره شيئاً، بل يُطيل مدّة ولايته من دون مقابل. والمطلوب نص دستوري مُلزم يحدّد مسبقاً أنّ كلّ ولاية تنتهي تلقائياً في موعد لا يقبل التمديد، فإذا لم تُجرَ الانتخابات سقطت الصفة التمثيلية، وانتقلت الصلاحيات إلى هيئة انتقالية توافقية لمدّة محدّدة. وبذلك يصبح التأجيل مُكلفاً لمن يقرّره، لا وسيلة لبقائه.
ثانياً، الاستفادة من أداة القرعة، وهي أداة عرفتها أثينا القديمة وأهملتها الديمقراطيات الحديثة. فالانتخاب يميل بطبيعته إلى تفضيل أصحاب النفوذ والمال والشهرة، ومن يملك القدرة على الحشد، أمّا القرعة فتمنح الجميع فُرصاً متساوية. وفي تلك الديمقراطية الأولى، كان المواطن يَحكم ويُحكم بالتناوب، لا أن يبقى محكوماً على الدوام. وعلى هذا الأساس يمكن تشكيل جمعية وطنية بالقرعة، تضم مئات من الفلسطينيين يُختارون عشوائياً من غزّة والضفة والقدس والداخل والمُخيّمات والشتات، يجتمعون حضورياً حيث أمكن، وعبر الإنترنت حيث تعذّر، ليناقشوا السؤال الذي تهرّبت منه الفصائل لعقود، وهو: ما مشروعنا؟ وكيف نُحقّقه؟ جمعية كهذه لا يستطيع الاحتلال منع انعقادها كما يمنع الانتخابات، ولا تستطيع الفصائل السيطرة عليها كما سيطرت على التمثيل. وهي تمنح الجيل الذي لم يصوّت قط فرصة أن يُسمع صوته، لا جمهوراً يُستدعى عند الأزمات، بل شريكاً في تقرير مصيره.
إذا تعذّر انتخاب القيادات، فلا يجوز إعفاؤها من المحاسبة
ثالثاً، ربط الشرعية بالأداء الفعلي. فإذا تعذّر انتخاب القيادات، فلا يجوز إعفاؤها من المحاسبة. ويمكن أن تُقيَّم كلّ قيادة، في ظلّ الإبادة، بما تقدّمه من حماية وإغاثة ودعم لصمود الناس، من خلال تقارير علنية دورية تُعرض على الجمهور. فمن لا يملك شرعية الانتخابات، عليه على الأقل أن يكسب شرعية الأداء.
رابعاً، على المدى المتوسّط، التصويت على الخيارات قبل التصويت على الأشخاص. فما تتوصّل إليه الجمعية الوطنية من خيارات استراتيجية كبرى يُعرض على الشعب في استفتاء عام، فتتحوّل الانتخابات من أداة لتكرار الوجوه إلى أداة لتحديد الطريق. وحين يُحسم الطريق، تصبح الانتخابات العامة تنافساً بين من هو أقدر على السير فيه، لا صراعاً على تعريف الوطن نفسه.
خامساً، فصل حقّ التصويت عن الجغرافية، أي إنشاء سجّل انتخابي وطني يشمل كلّ فلسطيني أينما كان، ويتيح التصويت الإلكتروني، بضمانات تقنية ورقابة مستقلة، حيث يمنع الاحتلال الاقتراع. فيستطيع المقدسي أن يصوّت من هاتفه، ويستعيد اللاجئ في المُخيّم حقّه في التصويت بعد عقود من الحرمان. ومن خلال هذا السجّل تُنتخب هيئات تشريعية وتنفيذية جديدة، تستفيد من تجربة منظمة التحرير وتتجاوز أعطابها، لتكون أطراً جامعة لكلّ الفلسطينيين، لا ملحقات هامشية تدور في فلك السلطة، ولا أختاماً تصادق على قرارات المتنفذين. وعندها لا تعود الانتخابات إذناً ننتظره من الاحتلال، بل ممارسة للسيادة رغماً عنه. بهذا وحده نكفّ عن انتظار النتيجة قبل المقدّمات، ونبدأ ببناء الأساس، وهو مشروع يُصاغ بمشاركة الناس، ثم يُعرض عليهم للتصويت، ثم يُختار من يقوده. وعندها فقط تستعيد الانتخابات وظيفتها الحقيقية، لا أداةً لتجديد شرعية انتهت، بل بدايةً لمرحلة جديدة. فقبل أن نسأل: متى ننتخب؟ علينا أن نسأل: لماذا ننتخب؟ ولأي مشروع؟ ولمن نمنح أصواتنا؟ … وحين نجيب عن هذه الأسئلة، لن يعود الموعد هو السؤال.
المصدر: العربي الجديد






