أعلام الماركسية واليسار في العالم العربي عبد المعين الملوحي (4)     الشيوعي المزمن والمثقف الذي جعل من الكلمة موقفاً

حين يُذكر اسم عبد المعين الملوحي (1917–2006)، يحضر أمامنا واحد من أبرز المثقفين السوريين الذين جمعوا بين الأدب والتحقيق والترجمة والفكر، وارتبطت تجربتهم الثقافية والسياسية بقضايا العدالة الاجتماعية والانحياز إلى الإنسان. وقد ارتبط اسمه بالحركة اليسارية السورية، حتى غدا لقب «الشيوعي المزمن» جزءاً من صورته الثقافية، بعدما غادر التنظيم الحزبي دون أن يتخلى عن قناعاته الفكرية.

. (1939–1941)1- البدايات و الانتساب الحزبي

وُلد الملوحي في حمص عام 1917، وتلقى تعليمه بين حمص ودمشق، وتخرّج في دار المعلمين الابتدائية عام 1941، ثم في دار المعلمين العليا عام1942.

وخلال دراسته في دمشق، بين عامي 1939 و1941، بدأت صلته بالأفكار الشيوعية، التي وجد فيها تعبيراً عن تطلعاته إلى العدالة الاجتماعية ومقاومة الاستعمار والاستغلال. ولم تكن علاقته بالحركة الشيوعية مجرد تعاطف فكري؛ فقد انخرط في العمل التنظيمي، وشارك في نشاطاته، وحضر مؤتمراً للجنة المركزية للحزب الشيوعي عُقد في بيروت، في مؤشر إلى حضوره المبكر داخل الحركة.

.(1942–1945)2- القاهرة حين أصبحت الترجمة امتداداً للفكر

أوفد الملوحي إلى القاهرة لدراسة اللغة العربية في جامعة القاهرة، حيث نال إجازته عام 1945. وهناك تداخلت الدراسة الأكاديمية مع اهتمامه الفكري والأدبي، فتحولت الترجمة إلى وسيلة للتعريف بالثقافة والأدب الاشتراكيين.

وفي القاهرة أنجز ترجمته لكتاب مكسيم غوركي «ذكريات عن حياتي الأدبية» عن الفرنسية، ونُشر عام 1945، ليكون من أوائل أعماله المطبوعة، ثم واصل ترجمة أعمال لغوركي ودوستويفسكي ولينين وغيرهم، مساهماً في رفد المكتبة العربية بنتاج الأدب والفكر الروسي.

3- الخروج من الحزب و بداية الاستقلال الفكري 1945.

بعد عودته إلى سوريا في آب 1945، دخل الملوحي في خلاف فكري وتنظيمي مع قيادة الحزب الشيوعي السوري، التي كان يتزعمها خالد بكداش. وتناول الخلاف، في جوهره، طبيعة العمل الحزبي والصرامة التنظيمية، إلى جانب تباينات في النظر إلى المسألة القومية والعربية.

انتهى الأمر بتركه التنظيم، لكنه لم يتخلَّ عن الفكر الذي آمن به. وهنا بدأت مرحلة جديدة في حياته: من شيوعي ملتزم بالتنظيم إلى شيوعي مستقل يرى في الفكر الاشتراكي رؤية إنسانية قبل أن يكون انتماءً حزبياً.

4- الصين.. تجربة ثقافية في فضاء اشتراكي.

في الخمسينيات والستينيات، قادته قناعاته واهتماماته الثقافية إلى الصين الشعبية، حيث عمل مدرساً للغة العربية في جامعة بكين. ولم تكن التجربة بالنسبة إليه مجرد مهمة تعليمية، بل شكلت نافذة واسعة على مجتمع اشتراكي وثقافة آسيوية مختلفة.

هناك تعمق اهتمامه بالشعر والثقافة الصينية، وظهر أثر هذه التجربة في دراساته وترجماته اللاحقة، لتصبح الصين محطة بارزة في مسيرته الثقافية والفكرية.

5- الشيوعي المزمن .. حين بقي الفكر بعد التنظيم

بعد خروجه من الحزب، اختار الملوحي أن يعبّر عن موقفه من خلال الكتابة، وراح يوقّع بعض مقالاته باسم «شيوعي مزمن»؛ وهو لقب يحمل دلالة واضحة: لقد غادر التنظيم، لكنه لم يغادر قناعته بالاشتراكية وموقفها من الفقر والاستغلال والطبقية.

وفي كتاباته المتأخرة ظل مدافعاً عن القيم التي رأى أنها جوهر الاشتراكية، ومن ذلك ما كتبه في مقالته «تحية إلى ثورة أكتوبر» عام 2004، مؤكداً أن الاشتراكية، في جوهرها، محاولة إنسانية لمواجهة الفقر والاستغلال.

ولم تكن شيوعية الملوحي مجرد التزام أيديولوجي جامد، بل اتخذت مع الزمن طابعاً إنسانياً وأخلاقياً، انعكس في أدبه وترجماته ومواقفه الثقافية.

وإلى جانب مساره السياسي والفكري، كان الملوحي مثقفاً موسوعياً غزير الإنتاج؛ فعمل مدرساً للغة العربية، وتولى مهام ثقافية عدة، وكان عضواً في اتحاد الكتاب العرب وعضواً مراسلاً في مجمع اللغة العربية بدمشق.

كما عمل مستشاراً في القصر الجمهوري السوري.

وترك عشرات الكتب في التأليف والترجمة والتحقيق، من بينها تحقيق ديوان ديك الجن ودراسات في الشعر والثقافة الصينية.

رحل عبد المعين الملوحي عام 2006، لكنه ترك وراءه نموذجاً لمثقف لم يفصل بين الثقافة والحياة، ولا بين الكلمة والموقف. ولعل ذلك هو المعنى الأعمق للقب «الشيوعي المزمن»: مثقف غادر الحزب، لكنه ظل وفياً لفكرة العدالة، وجعل من القلم والترجمة والتحقيق طريقاً للانحياز إلى الإنسان.

المراجع:

1-الموسوعة العربية

2-اتحاد الكتاب العرب في سورية

3-المركز الكردي للدراسات

المصدر: صحيفة النور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى