
مع تجدّد الصراع في إثيوبيا واتساعه إلى مناطق جديدة بعد نحو أربع سنوات من انتهاء الحرب الأهلية في إقليم تيغراي، يبدو أنّ إثيوبيا تقف اليوم أمام مشهد أشد تعقيداً مما كان عليه عند اندلاع الحرب 2020-2022، وأنّ حساباتها العسكرية والاقتصادية والإقليمية باتت أكثر صعوبة بعد تشكيل “تحالف القوى الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء”، والمؤلّف من سبع حركات يجمعها هدف إطاحة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد وحزب الازدهار الذي يتزّعمه، وتشكيل إدارة انتقالية جديدة متوافق عليها، إلى جانب صياغة عقد دستوري جديد للبلاد.
تظهر القراءة المتأنّية لأبرز تطورات الصراع في إثيوبيا في أسبوعه الثاني أنّ تشكيل “تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء”، والذي يضمّ حركة فانو أمهرة الوطنية، وجيش تحرير أورومو، وجيش تحرير شعب تيغراي، وجبهة تحرير أوغادين الوطنية، والجبهة الثورية لوحدة عفر الوطنية، وحركة تحرير شعب بني شنقول، والحركة الديمقراطية لشعب قومز، يُمثّل أحد أهم التحوّلات في المشهد الإثيوبي الحالي. فمن جهة، تشكيل هذا التحالف واجتماع هذه القوى التي كانت حتى وقتٍ قريبٍ تقف على طرفي الصراع نفسه، وتختلف أجنداتها ومصالحها بشأن قضايا الأرض والحدود وشكل الدولة وتوزيع السلطة، يفتح المجال أمام تجاوز حدود الصراعات المحلية المنفصلة نحو بناء جبهة أوسع في مواجهة الحكومة المركزية، وتوسيع جغرافية التحدّي أمام المركز الذي بات يتعامل مع شبكة من النزاعات ذات جذور وأهداف مختلفة، لكنها تبدو للمرّة الأولى وكأنها تلتقي ظاهرياً ضمن مظلة سياسية وعسكرية واحدة، وهو ما يستدعي إلى الذاكرة تحالفات 1991 التي أطاحت نظام منغستو هايلي ماريام، وقادت إلى إعادة تشكيل بنية الدولة وتدشين مرحلة جديدة قامت على “الفيدرالية الإثنية”.
لم يعد الصراع يقتصر على إقليم تيغراي، بل أصبح متعدد المحاور بعد امتداده إلى مناطق ذات أهمية استراتيجية واقتصادية بالنسبة للحكومة الإثيوبية
كما يجعل تعدد أعضاء هذا التحالف وتوزعهم جغرافياً المواجهات تمتد على عدّة جبهات، ما يضع القوات الفيدرالية أمام صراع متعدد المناطق، فالصراع هنا لم يعد يقتصر على إقليم تيغراي، بل أصبح متعدد المحاور بعد امتداده إلى مناطق ذات أهمية استراتيجية واقتصادية بالنسبة للحكومة الإثيوبية، إذ تفيد الوقائع على الأرض بأنّ مناطق الاشتباكات والمواجهات الميدانية تتوزع عبر ثلاثة أقاليم رئيسية: تيغراي وأمهرة وعفر في شمال إثيوبيا، وفي مناطق قريبة من الحدود مع جيبوتي وإريتريا. وما يزيد من خطورة هذا الامتداد والاتساع في ساحات الاشتباك والصراع تزامن تعدّد الجبهات داخل إثيوبيا مع وجود توترات إقليمية قائمة، فالتوتر مع إريتريا الجارة الشمالية لإثيوبيا أحد أكثر عناصر المشهد حساسية، خصوصاً مع ارتباطه بمسألة وصول إثيوبيا الدولة الحبيسة إلى البحر الأحمر. وقد ازدادت حدّة التوتر بين البلدين خلال الأزمة الحالية، وصولاً إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما، في ظل اتهامات إثيوبية لإريتريا بدعم قوى معارضة، تنفيها إريتريا.
وتزداد خطورة هذا البعد مع موقع إقليم عفر في شمال شرق إثيوبيا الذي يربط الداخل الإثيوبي بالطريق المؤدي إلى جيبوتي التي تمثّل منفذاً تجارياً رئيساً لإثيوبيا غير الساحلية، وهو ما يهدّد واحداً من أهم ممرّات التجارة والإمداد في البلاد. ولذلك لا يحمل اتساع المواجهات في الشمال تداعيات أمنية فقط، وإنّما يمكن أن يطاول طرق التجارة والإمداد، ويمنح الصراع بعداً اقتصادياً واستراتيجياً يتجاوز حدود الأقاليم التي تدور فيها المعارك.
اختبار إثيوبيا لقدرتها على الحفاظ على تماسك الدولة وإعادة بناء صيغة سياسية تستوعب تعدّد مكوناتها
في السياق نفسه، السودان، الذي يرتبط بعلاقات متشابكة مع أطراف الأزمة الإثيوبية، ويعيش حرباً بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، يضيف طبقة أخرى من التعقيد على الصراع، على اعتبار أنّ الدولتين تتجاوران في منطقة تتداخل فيها الحدود وحركة السلاح والمقاتلين. وبالتالي، يمكن لاستمرار الحربين، الإثيوبية والسودانية، بالتوازي، أن يحوّل المناطق الحدودية بينهما إلى مساحة تفاعل بين نزاعين مسلحين، ما يرفع كلفة التسوية الداخلية ويمنح القوى الإقليمية مساحة أكبر للتأثير في مسار الأحداث، وهو ما يجعل الأزمة الإثيوبية أكثر خطورة من مجرّد نزاع داخلي. وبذلك، لم يعد الصراع الإثيوبي منفصلاً عن البيئة الإقليمية المحيطة به، بل أصبح جزءاً من شبكة أوسع من التنافس على النفوذ والحدود والوصول إلى البحر الأحمر.
لا تبدو الحكومة الإثيوبية أمام اختبار عسكري يتعلق بقدرتها على احتواء جبهات متعددة فحسب، وإنما أمام اختبار أعمق يتعلق بقدرة الدولة نفسها على إدارة التناقضات السياسية والقومية والمناطقية التي تراكمت داخلها خلال العقود الماضية، فالمشهد الراهن يجمع للمرّة الأولى منذ سنوات قوى متباينة في مواجهة المركز بالتزامن مع توتر متصاعد مع إريتريا وحرب مستمرّة في السودان وتنافس إقليمي يرتبط بالحدود والنفوذ والوصول إلى البحر الأحمر. وإذا كان تحالف 1991 قد نجح في الانتقال من إسقاط نظام منغستو إلى إعادة صياغة بنية الدولة وإقامة نظام “الفيدرالية الإثنية”، فإنّ السؤال الذي تطرحه تحالفات اليوم لا يتعلق فقط بقدرتها على الضغط على المركز، وإنّما بما يمكن أن تفضي إليه هذه المواجهة على شكل الدولة. وهنا تحديداً خطورة التحوّل الراهن، فاختبار إثيوبيا لم يعد اختباراً لقدرتها على إنهاء جولة جديدة من القتال، بل لقدرتها على الحفاظ على تماسك الدولة وإعادة بناء صيغة سياسية تستطيع استيعاب تعدّد مكوناتها ومصالحها من دون أن تتحوّل الخلافات حول السلطة والأرض والهوية إلى صراع مفتوح على الدولة نفسها.
المصدر: العربي الجديد






