
الرجل الذي أعمى الرمد عينيه في الثالثة من عمره فقرأ التاريخ الإسلامي بعيون لم يملكها المبصرون وكتب عن أشد الجراح حساسيةً في الوجدان العربي فأشعل جدلاً لم يُطفأ بعد مئة عام..
حين يُقرّر عميد الأدب العربي أن يجلس بين عثمان وعلي وطلحة والزبير ومعاوية ويقرأ ما جرى بعقل الفيلسوف ويرويه بقلم الأديب فيكتشف أن ما حدث قبل أربعة عشر قرناً لا يزال يحدث الآن وأن الفتنة الكبرى لم تنتهِ بعد
“الفتنة الكبرى” لطه حسين
- البداية: جرح لم يُداوَ منذ أربعة عشر قرناً
في منتصف القرن السابع الميلادي. في المدينة المنورة. في مكان لا يبعد عن قبر النبي إلا خطوات.
رجل جليل في الثمانين من عمره يجلس ويقرأ القرآن. يُقال إنه كان صائماً. يُقال إنه كان هادئاً. دخل عليه رجال في بيته. وقتلوه.
والرجل هو عثمان بن عفان. ثالث الخلفاء الراشدين. صهر النبي محمد مرتين. ذو النورين. الرجل الذي جمع القرآن.
وذلك الدم الذي سال على مصحفه شكّل ما سيُعرف لاحقاً بـ”الفتنة الكبرى”. الجرح الأول الحقيقي في جسد الأمة الإسلامية. الصدع الذي لم يُجبَر حتى اليوم. الانقسام الذي لا تزال آثاره ماثلة في كل نزاع يشتعل بين المسلمين في أي مكان من العالم.
وبعد ثلاثة عشر قرناً من ذلك الدم، في مصر عام 1947، جلس رجل أعمى في غرفته وقرر أن يكتب عن تلك اللحظة. لا ليحسم جدلاً. لا ليقول من كان مخطئاً ومن كان مصيباً. بل ليفهم. ليسأل. ليجعل القارئ يفهم ويسأل هو أيضاً.
الرجل كان طه حسين. والكتاب كان “الفتنة الكبرى”.
- الرجل الذي رأى بلا عيون: طه حسين قبل الكتاب
طه حسين علي سلامة. وُلد في نوفمبر 1889 في قرية الكيلو بمحافظة المنيا. كان السابع بين ثلاثة عشر ابناً وابنة.
في الثالثة من عمره أصيب بعدوى في عينيه. وسوء العلاج، لا العدوى وحدها، هو ما سرق منه النور. طبيب ريفي جاهل بالطب أكثر مما أعانه. وانطفأت عيناه.
لكن ثمة شيئاً غريباً يحدث حين يفقد الإنسان نافذةً واحدة: تنفتح نوافذ أخرى. سمع طه حسين ما لم يسمعه غيره. وحفظ ما لم يحفظه غيره. وتحليل ما تجاوزه غيره. وصارت ذاكرته مستودعاً للغة وأصوات وأفكار بُنيت على بعضها طبقةً فوق طبقة.
دخل كتّاب القرية. حفظ القرآن الكريم. وانتقل إلى القاهرة عام 1902 لينضم إلى صفوف طلاب الأزهر الشريف.
لكن الأزهر خيّب أمله. ليس لأن التراث الذي يحفظه خاطئ، بل لأن الطريقة التي يُقدَّم بها كانت في نظره مانعة للتفكير. الحفظ دون فهم. التلقي دون سؤال. التقليد دون مراجعة. كان طه حسين يريد شيئاً مختلفاً لكنه لم يكن يعرف بعد ما هو.
وجاء الجواب عام 1908. الجامعة المصرية الحديثة. مؤسسة قررت أن تُعلّم بمنهج مختلف. وكان طه حسين بين أوائل من انضموا إليها. وهناك بدأت رحلته الحقيقية. درس التاريخ. درس الحضارة. درس اللغات. وتعلّم أن التساؤل فضيلة لا جريمة.
عام 1914 نال دكتوراه عن أطروحته “ذكرى أبي العلاء” وكانت جريئة في تعاملها مع المعري، الشاعر العباسي الأعمى الذي عاش قبله بألف سنة والذي ربما رأى طه حسين في سيرته انعكاساً لسيرته الخاصة. ثم أُوفد إلى فرنسا. جامعة مونبلييه أولاً ثم السوربون. وهناك وجد ما كان يبحث عنه. وجد المنهج. وجد الشك الديكارتي الذي يُسمح به بل يُمدَح. وجد أن السؤال هو بداية المعرفة لا نهايتها.
وفي فرنسا وجد شيئاً آخر. وجد سوزان بريسو. الشابة الفرنسية التي ستصبح زوجته ورفيقة حياته وقارئته التي تُملي عليه ما تقرأ فيحتفظ به ذاكرته العجيبة ثم يُملي ما كوّنه من أفكار. شراكة استثنائية كتبا بها معاً بطريقة غير معلنة كل ما كتبه طه حسين.
عاد إلى مصر عام 1919 أستاذاً للتاريخ في الجامعة المصرية. ثم أستاذاً للأدب العربي. ثم عميداً لكلية الآداب. ثم وزيراً للمعارف بين عامي 1950 و1952. حيث حاول أن يُطبّق حلمه القديم: التعليم المجاني لكل مصري لأن “التعليم كالماء والهواء”.
وبين كل هذه المحطات، كانت هناك معارك. “في الشعر الجاهلي” عام 1926 أثار عاصفة بسبب تشكيكه في صحة الشعر المنسوب للجاهلية. وقضايا أمام المحاكم. وحملات اتهام. ومحاولات إسكات. لكنه لم يصمت. لم يكن نوع الرجل الذي يصمت.
- لماذا الفتنة الكبرى؟ سؤال في سؤال
قبل أن ندخل إلى الكتاب، سؤال أول لا بد منه: لماذا الفتنة الكبرى تحديداً؟ لماذا اختار طه حسين هذا الحدث بعينه؟
الإجابة متعددة الطبقات.
الطبقة الأولى تاريخية بحتة. الفتنة الكبرى هي المفصل الذي ينقسم عنده تاريخ الإسلام السياسي. ما قبلها زمن يُسمى “الخلافة الراشدة” يُنظر إليه بوصفه نموذجاً مثالياً. وما بعدها زمن الملك الذي انحرف عن ذلك النموذج أو هكذا يرى كثيرون. وكل من أراد أن يفهم لماذا أصبح العالم الإسلامي ما أصبح عليه لا بد أن يمر بتلك اللحظة.
والطبقة الثانية فلسفية. طه حسين كان مشغولاً بسؤال الشرعية السياسية. من أين تأتي سلطة الحاكم؟ وما حدود طاعته؟ ومتى يجوز الخروج عليه؟ هذه الأسئلة التي تناقشها السياسة الحديثة كانت قد طُرحت بحدّة في الفتنة الكبرى. وفهم كيف عُولجت آنذاك أو كيف أُخفق في معالجتها، يُضيء كيف تُعالَج الآن.
والطبقة الثالثة آنية سياسية. طه حسين كان يكتب في مصر الأربعينيات. مصر التي يتصارع فيها الوفد والملك والإخوان المسلمون والشيوعيون. مصر التي تسأل: ما شكل الحكم؟ وما العلاقة بين الدين والسياسة؟ وكيف يُدار الاختلاف داخل المجتمع الواحد؟ وهذه الأسئلة كلها كانت قد سألتها الأمة الإسلامية قبل ثلاثة عشر قرناً بالضبط حين وقفت أمام الفتنة الكبرى ولم تجد الإجابة.
- الكتاب الذي جاء في جزأين وفصلهما ثلاثة عشر عاماً
“الفتنة الكبرى” ليس كتاباً واحداً. هو كتابان صدرا في زمنين مختلفين، وكتبا بروح وإن كانت واحدة في جوهرها إلا أن الزمن أضاف إليها شيئاً.
الجزء الأول صدر عام 1947 بعنوان “الفتنة الكبرى: عثمان”. والجزء الثاني صدر عام 1960 بعنوان “الفتنة الكبرى: علي وبنوه”. وبين الجزأين ثلاثة عشر عاماً شهدت ثورة يوليو 1952 وتنحية الملك فاروق وصعود الضباط الأحرار ومحاولة بناء دولة حديثة وأحلام الوحدة العربية وخيباتها.
وهذا الفارق الزمني يتجلى في الكتابين. الجزء الأول أكثر جرأة وحدة. طه حسين فيه في عنفوان معاركه الفكرية. يتحدى. يشكك. لا يُفكر طويلاً قبل أن يطرح رأياً قد يُثير ضجة. أما الجزء الثاني فأكثر حذراً وعمقاً في آن. كأنه أدرك أن بعض الأسئلة التي أجاب عنها في الجزء الأول لم تكن بتلك البساطة التي تصوّرها.
- الجزء الأول: عثمان والجرح الذي لم يكن يبدو جرحاً في البداية
في الجزء الأول يأخذك طه حسين إلى مدينة المدينة في منتصف القرن السابع الميلادي حين تولى عثمان بن عفان الخلافة.
عثمان في تصوير طه حسين رجل حقيقي بكل ما يعنيه هذا من تعقيد. ليس تمثالاً يُعبَد ولا عكس ذلك. رجل مسلم صادق الإيمان. كريم إلى حد الإسراف. يُحب أهله حباً جعله أحياناً يُقدّم مصالحهم حين كان ينبغي أن يُقدّم مصالح الدولة. ضعيف أمام من يُحبهم. رقيق القلب في زمن كان القلب الرقيق ثمنه باهظاً.
ومن هذا التصوير تنبثق المأساة.
لم يكن عثمان شريراً. لكن أخطاءه تراكمت. والشكاوى تراكمت. والغضب في الولايات البعيدة تراكم. فالعرب “من أتوا مع عمرو بن العاص وسكنوا مصر” غاضبون من واليهم. أهل الكوفة غاضبون من واليهم. أهل البصرة كذلك. وكلهم يرون أن الوالي ابن أو أخ أو ابن عم للخليفة. وكلهم يرون أن الأموال تتركز في يد أسرة بعينها بينما اتسعت الدولة وكثرت الغنائم.
طه حسين يطرح سؤالاً جوهرياً: هل كانت هذه الشكاوى مشروعة؟ جوابه معقد لا يُختصر. نعم كانت هناك إشكاليات حقيقية. لكن الأزمة لم تكن فقط في عثمان. كانت في هشاشة النظام السياسي كله. لم يكن هناك إطار واضح لاختيار الحاكم ومحاسبته وعزله حين يُخطئ. وحين لا يوجد هذا الإطار يصبح الاحتجاج ثورة والثورة دماً.
ثم يأتي درس طه حسين الأكبر في الجزء الأول: الفتنة لا تنشأ فجأة. الفتنة تُزرع ببطء. حبةً حبة. شكوى تُضاف إلى شكوى. إشاعة تُصدَّق. ظلم حقيقي يُضخَّم وربما يختلط بظلم مُتخيَّل. ثم تأتي لحظة لا يمكن فيها لأحد التراجع. ويسقط الدم.
- موقف طه حسين من عبد الله بن سبأ: الجرأة التي أشعلت الجدل
في الجزء الأول شيء واحد أثار عاصفة لم تهدأ. موقف طه حسين من شخصية عبد الله بن سبأ.
عبد الله بن سبأ في الرواية التقليدية يمني اعتنق الإسلام ظاهراً وأضمر الكفر باطناً. وهو من دبّر الفتنة. وهو من أوقد نارها بين الصحابة. وهو من حرّض على قتل عثمان.
طه حسين لم يقبل هذه الرواية. قال إن وجود هذه الشخصية بهذا الحجم من التأثير مشكوك فيه. وقال إن “أكبر الظن” أن ابن سبأ إن وُجد فقد استغل الفتنة ولم يخلقها. وأن الفتنة كانت نتاج أسباب حقيقية موضوعية لا يمكن ردّها كلها إلى مؤامرة.
لكن الموقف العلمي الأكثر إنصافاً يرى أن ما فعله طه حسين صحيح في منهجه حتى لو اختلفنا في نتيجته. الروايات المتعلقة بابن سبأ في أهم مصادرها، أي ما نقله الطبري في تاريخه، وردت عن رواة لا تخلو طريق نقلهم من إشكاليات. والمؤرخ الجاد لا يقبل رواية لمجرد أنها واردة في كتاب قديم، بل يفحص سندها وسياقها ومعقوليتها.
لكن خصوم طه حسين لم يكونوا مخطئين تماماً حين أشاروا إلى شيء آخر: أن ريكور نفسه الذي أسلفنا ذكره قال إن التأويل ليس محايداً أبداً. وطه حسين حين شكّك في ابن سبأ لم يكن يشكك بلا سبب. كان يريد أن يقول إن الفتنة انبثقت من داخل المجتمع الإسلامي من تناقضاته وإشكالياته، لا من مؤامرة خارجية. وهذا موقف فلسفي وسياسي وليس مجرد استنتاج تاريخي.
هل كان محقاً؟ هذا سؤال يستحق أن يبقى مفتوحاً. لأن إبقاءه مفتوحاً هو ما يجعله سؤالاً حقيقياً.
- الجزء الثاني: علي وبنوه والمأساة التي لم تكن لتُوقَف
الجزء الثاني أكثر كآبة. لأن الجزء الأول يحكي كيف أُشعلت الفتنة. والجزء الثاني يحكي كيف لم يستطع أحد إطفاءها.
علي بن أبي طالب في تصوير طه حسين صورة من أصعب ما يكتب عنه. لأنه رجل يجمع في نفسه التناقضات التي تجعل الإنسان إنساناً حقيقياً. يحمل من الفضل والجلالة ما لا يُنكر. لكنه يجلس على كرسي الخلافة في أسوأ لحظة ممكنة. بعد مقتل عثمان مباشرة. في وسط جمر لا يزال متقداً.
طلحة والزبير يخرجان عليه. وأم المؤمنين عائشة معهما. معركة الجمل. دم جديد يُسفَك.
ثم معاوية بن أبي سفيان لا يُبايع. يطالب بالقصاص من قتلة عثمان أولاً. معركة صفين. ثم التحكيم. ثم خروج الخوارج على علي لأنه قبل التحكيم. ثم دم جديد في كل اتجاه.
طه حسين يرصد هذا كله بعين من يريد أن يفهم لا أن يُدين. يرى علياً كرجل يريد العدل لكنه لا يستطيع فرضه. يريد الوحدة لكنه محاصر بأطراف متعارضة. يريد الحق لكن الحق لم يكن له وجه واحد في تلك اللحظة. كل طرف كان يرى الحق في جانبه. وهذا بالضبط ما يجعل الفتنة فتنة. لو كان الحق واضحاً لكل الأطراف ما وقعت.
- ما بين السطور: ما أراد طه حسين قوله ولم يستطع أن يقوله صريحاً
هناك رسائل في “الفتنة الكبرى” لا تجدها مُعلَنة في الصفحة الأولى. تجدها تتسلل بين سطور التحليل وتفاصيل الوصف.
أولها وأعمقها: الفتنة لم تكن قدراً محتوماً. كانت نتيجة قرارات يمكن أن تكون مختلفة. عثمان لو أسمع أصحابه ووضع حداً لبعض تصرفات الولاة. وعلي لو استطاع أن يُقنع الأطراف المختلفة بالانتظار. وطلحة والزبير لو صبرا. وكل هذه “لو” التي تظهر في تحليل طه حسين هي في الحقيقة درس سياسي: الاستبداد بالرأي والعجز عن إدارة الخلاف وانعدام الإطار المؤسسي لحل النزاعات، هذه هي المواد الخام للفتنة في أي زمان وأي مجتمع.
والرسالة الثانية: السلطة الشخصية لا تكفي مهما كان صاحبها فاضلاً. عثمان رجل فاضل لكنه أدار الدولة بمنطق الثقة الشخصية لا المؤسسة. وعلي رجل عظيم لكنه واجه أزمة لا يكفي فيها العظمة الشخصية. وهذا الدرس كان يعني شيئاً محدداً لمصر عام 1947: أن الحكم الفردي مهما أحسن النية لا يُعوّض عن مؤسسات ودستور وإطار قانوني واضح.
والرسالة الثالثة التي تختبئ تحت كل كلمة: التاريخ يكرر نفسه. وما جرى في المدينة قبل أربعة عشر قرناً يجري اليوم في مصر وفي كل بلد عربي يشهد صراعاً على السلطة. الأسماء تختلف والجوهر واحد.
- أسلوب طه حسين: حين يصبح التاريخ رواية
شيء واحد لا يستطيع أحد أن يأخذه من طه حسين حتى حين يختلف معه: قدرته على الكتابة.
“الفتنة الكبرى” ليس كتاباً أكاديمياً جافاً. اللغة فيه مشحونة. الجمل طويلة لكنها تجري كالنهر. يصف مشهداً من التاريخ فتشعر أنك تراه لا أنك تقرأ عنه. يتحدث عن مشاعر شخصية تاريخية ماتت منذ قرون فتشعر أنك تعرفها وتفهمها.
هذا الأسلوب الأدبي في كتابة التاريخ له ثمنه كما أشرنا. أحياناً السرد يتقدم على التحليل. وأحياناً التعاطف الأدبي يُؤثر في الحكم التاريخي. لكن له أيضاً قيمته. لأن التاريخ في النهاية قصص بشر. وإذا كتبته بلغة ميتة تموت معه وتنساه. لكن إذا كتبته بلغة حية تُلمسه وتُحسه وتتذكره.
طه حسين كان يعرف هذا. كان أديباً يكتب تاريخاً لا مؤرخاً يصنع أدباً. والفارق دقيق لكنه جوهري.
- طه حسين: نبذة عن رجل لم يتوقف عن السؤال
طه حسين علي سلامة. وُلد عام 1889. مات في أكتوبر 1973. اثنان وثمانون عاماً أمضى معظمها في القراءة والتفكير والكتابة.
الأعمى الذي صار عميداً للأدب العربي. الأزهري الذي تعلّم في السوربون. الابن الذي خرج من قرية صغيرة في صعيد مصر ليُصبح صوتاً يُسمع في باريس ولندن وواشنطن. رُشح لجائزة نوبل أكثر من مرة ولم يفز بها وربما كانت الجائزة هي التي خسرت.
أبرز أعماله فيما يخص القارئ العربي: “الأيام” ثلاثيته السيرذاتية الخالدة التي تحكي طفولته في الكيلو وشبابه في الأزهر وأيامه في فرنسا. و”في الشعر الجاهلي” الذي أثار ضجة. و”مستقبل الثقافة في مصر” الذي رسم فيه مشروعه للنهضة. و”على هامش السيرة” الذي تعامل فيه مع السيرة النبوية أدبياً. و”دعاء الكروان” و”شجرة البؤس” روايات تمتلك الروح العربية في أعمق تجلياتها. و”الشيخان” عن أبي بكر وعمر. و”الفتنة الكبرى” بجزأيها.
وبين هذه الأعمال “حديث الأربعاء” بأجزائه الثلاثة الذي تحدثنا عنه في مقالة سابقة. المقالات الأسبوعية التي شكّلت وعي الثقافة العربية الحديثة.
أما حياته الشخصية فقد طغت عليها سوزان. الزوجة التي بقيت معه حتى آخر يوم. التي كانت تقرأ له وتكتب ما يُملي وتدير شؤون البيت وتحمي زوجها من الانهاك في المعارك الكثيرة التي خاضها. شراكة نادرة في أدق معانيها.
- الخاتمة: لماذا لا يزال هذا الكتاب يحترق
“الفتنة الكبرى” ليس كتاباً يُقرأ ويُنسى.
يُقرأ ويبقى معك. لأنه لا يتحدث عن الماضي فحسب. يتحدث عنك. عن كل مجتمع فيه اختلاف وتنافس وصراع على السلطة. عن كل دولة تواجه سؤال: كيف يُدار الخلاف داخل الجماعة الواحدة بلا دماء؟
الفتنة الكبرى كانت لحظة واحدة في تاريخ بعيد. لكن الأسئلة التي أثارتها لم تزل هي الأسئلة التي تُرهق العالم العربي والإسلامي حتى اليوم. من يحكم؟ وكيف يُختار؟ وما حدود طاعته؟ ومتى يجوز مقاومته؟ وما الثمن الذي يدفعه المجتمع حين لا يكون لهذه الأسئلة إجابات مؤسسية واضحة؟
طه حسين لم يُجب عن هذه الأسئلة. لم يكن ذلك هدفه. هدفه كان أن يثبت أن هذه الأسئلة قابلة للطرح. وأن التاريخ الإسلامي قابل للقراءة النقدية. وأن التعامل مع الصحابة كبشر لا كأيقونات لا يُهين الإسلام بل يُعمّق فهمه.
وهذه الجرأة في الطرح هي التي جعلت الكتاب يُحارَب. وهي في الوقت ذاته التي جعلته يبقى.
لأن الكتاب الذي لا يُخيف أحداً كتاب لا يقول شيئاً يستحق القول.
والى روايات وكتب أخرى قريبا ان شاء الله
الكاتب والروائى خالد حسين
#الكاتب_الروائى_خالد_حسين
#الفتنة_الكبرى_طه_حسين
#Novelist_Khaled_Hussein
#The_Great_Sedition_Taha_Hussein
#Al_Fitna_al_Kubra_Taha_Hussein
المصدر: صفحة د مخلص الصيادي






