حوض اليرموك.. من يعبث بجنوبي سوريا ويدفع المنطقة نحو النار؟

محمد العويد

عاد واقع الجنوب السوري إلى صدارة الشاشات، و”عواجلها” وتحليلاتها، بعيد خبر وزارة الداخلية السورية، نهاية الأسبوع الماضي، عن إحباط مخطط وصفته بـ”التخريبي” في منطقة حوض اليرموك بمحافظة درعا، أفضى، وفق الرواية السورية، إلى إلقاء القبض على “خلية تابعة لحزب الله”، كانت تعمل على تجهيز منصات لإطلاق الصواريخ.

سرعان ما جاء نفي المكتب الإعلامي للحزب، ليعيد طرح الأسئلة حول الجنوب عموماً، ومن المستفيد من عدم استقراره، وما الذي يمكن أن يفعله هذا الاستقرار الهش في مسار صراع إقليمي ودولي مفتوح، “يلتهم” دول المنطقة واحدة تلو الأخرى، في وقت تخرج فيه سوريا من سنوات ثقيلة، وتعيش مرحلة انتقالية ببنى سياسية وأمنية لم تستكمل بعد، ومواجهة غير متعادلة مع إسرائيل على حدودها الجنوبية الغربية.

لا أحد، ضمن “التحليلات” التي تابعتها، يعرف إلى أين يمكن أن تذهب الأمور، وهل ستزداد سوءاً رغم سوئها، أم أن ثمة لاعباً دولياً قادراً على ضبط إيقاعها، ومنع الجنوب السوري من التحول مجدداً إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

بيان النفي المقتضب لحزب الله إشكالي، باعتباره مكرراً، ولا يجيب عن أسئلة العلاقة أصلاً بين سوريا ولبنان والحزب.

سبق للسلطات السورية أن أعلنت، خلال الأشهر الماضية، عن توقيف شبكات قالت إنها مرتبطة بالحزب، وتكرر النفي من جانب الحزب، وإعادة تأكيده أنه لا وجود له في الأراضي السورية ولا يمارس فيها أي نشاط أمني أو عسكري. وفي قضية حوض اليرموك تحديداً، قالت السلطات السورية إنها أوقفت ثلاثة أشخاص، وإن التحقيقات مستمرة تمهيداً لإحالتهم إلى القضاء.

الجرح السوري كان يوجب قبل أي شيء آخر، الاعتراف بحجم التحولات التي شهدتها البلاد بعد سقوط نظام بشار الأسد، وبأن العلاقة بين السوريين وحزب الله لا يمكن أن تعود ببساطة إلى ما كانت عليه قبل سنوات الحرب

المشكلة، في رأيي، أبعد من اتهام ونفي.

فالجرح السوري كان يوجب، قبل أي شيء آخر، الاعتراف بحجم التحولات التي شهدتها البلاد بعد سقوط نظام بشار الأسد، وبأن العلاقة بين السوريين وحزب الله لا يمكن أن تعود ببساطة إلى ما كانت عليه قبل سنوات الحرب، فقد كان الحزب طرفاً عسكرياً وسياسياً فاعلاً إلى جانب النظام السوري خلال سنوات الثورة، وهو إرث لا يمكن تجاوزه ببيان إعلامي، أياً كان مضمونه.

وليس المطلوب، بالضرورة، أكثر من قراءة الواقع وتحولاته والتصالح معه عبر موقف حقيقي، متمثلاً باعتذار للشعب السوري، والاعتراف بحجم الألم الذي خلفه تدخل الحزب في الثورة السورية، وهو ما يمكن اعتباره الحد الأدنى لراغب في سلام يُبنى عليه، ويمهّد، وإن على المدى الطويل، لعلاقات بين الشعبين تتجاوز إرث الماضي “المقيح بالجراح”.

أعتقد أن استمرار ارتباط الحزب بالمشروع الإيراني، وما يرتبط بذلك من خيارات سياسية وأمنية تتجاوز أحياناً حدود الدولة اللبنانية، يبقى أحد العوامل التي يصعب فصلها عن مساره وتحولاته ومواقفه. وهذه القراءة ليست في وارد إثبات علاقة الحزب بالخلية جنوباً أو بما سبقها، فهذا مسار قضائي يحتاج إلى وقت ليس بالقصير.

لا أحد بوارد الذهاب إلى هذا الاتجاه قبل أن يأخذ القضاء مساره، لكن الجنوب السوري نفسه لا يحتمل كثيراً من التجارب، واعتبار ما حدث يمكن لبيان أن ينهي مفاعيله واحتمالات تعثره في الأفق القريب.

خصوصية منطقة حوض اليرموك، الواقعة في الريف الغربي لمحافظة درعا، أنها أصبحت، منذ سقوط نظام الأسد في أواخر عام 2024، منطقة شديدة الحساسية أمنياً. فقد شهدت توغلات إسرائيلية متكررة وتحركات عسكرية داخل محيطها، وصولاً إلى قرى وبلدات في الحوض، في حين استمرت التوترات حول خطوط الفصل والحدود. ففي أيلول الماضي، سُجّل توغل إسرائيلي جديد في قرى جملة وعابدين ومعرية في حوض اليرموك، في وقت تتكرر فيه التحركات الإسرائيلية في الجنوب السوري منذ أكثر من عام.

هذا يجعل أي حديث عن منصات صواريخ أو إطلاق نار من تلك المنطقة أكثر حساسية من مجرد حادث أمني محلي، فصاروخ واحد يمكن أن يتحول إلى ذريعة، والذريعة يمكن أن تتحول إلى غارة، والغارة إلى رد، والرد إلى سلسلة يصعب على أحد التحكم بنهايتها، سيما وأن المنطقة الإقليمية أصلاً مشتعلة “بجبهات النيران”.

وهنا يبرز السؤال حول المصلحة الإسرائيلية، وأدواتها ورغبتها في دور أو استفادة مما وقع جنوباً، رغم غياب المعطيات والأدلة القاطعة في هذا الاتجاه.

لكن عنصر الاستفادة، الذي جاء على “طبق من ذهب” للإسرائيلي، من بيئة جنوبية مضطربة وهشة أصلاً، يساعد في قراءة بهذا الاتجاه.

إسرائيل، التي تواصل عملياتها العسكرية وتوغلاتها في الجنوب السوري، وقد شهدت منطقة حوض اليرموك تحديداً توغلات متكررة خلال العام الحالي، وفي حين جددت دمشق في خطابها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مطالبتها بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية التي دخلتها بعد سقوط النظام، والعودة إلى المواقع السابقة على 8 كانون الأول 2024.

تعدد مستويات اللاعبين في المنطقة يفترض توسيع دوائر احتمالات المستفيدين في أرضية “هشة”، وفي حين تحاول الدولة السورية بسط سيطرتها على أراضيها واستعادة احتكارها للسلاح والقرار الأمني، تتحرك إسرائيل لفرض قوتها العارية وجبروتها، غير عابئة بخطورة التطورات المستقبلية، والأغرب الصمت الدولي وعدم قدرته على لجم حكومة اليمين المتطرف.

من يريد للجنوب أن يبقى هشاً؟

ومن يمكن أن يستفيد من تحويل حادث أمني إلى مواجهة أكبر؟

ربما لا أحد يملك الجواب الآن، لكن الأهم أن تستثمر الدولة السورية انفتاح المجتمع الدولي عليها، وتضغط باتجاه تحويل هذه الحوادث الأمنية إلى فرصة لتفعيل الاستقرار وأدواته ومفاعيله، عبر لجم الدور الإسرائيلي أولاً، وبسط سيطرة الدولة على أراضيها وحدودها، وضبط السلاح، وصولاً إلى إنهاء ملف الجنوب برمته، بما فيه ملف السويداء.

فسوريا عموما والجنوب خصوصا، حيث دفع ثمناً باهظاً من دم السوريين، لا يحتمل أن يصبح مرة أخرى ساحة لاختبار القوة بين اللاعبين الإقليميين.

وما يحتاجه اليوم ليس صاروخاً جديداً، ولا جبهة جديدة، ولا “عاجلاً” جديداً على شاشات الأخبار، بل فرصة لأن يستعيد هدوءه، وأن تعرف الدولة السورية من يدخل أرضها، ومن يخرج منها، ومن يطلق النار فيها، ومن المستفيد حين لا تكون هي صاحبة الكلمة الأخيرة.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى